مقدمة

عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: “وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون (بكاء)، ووجلت منها القلوب (خشوعا)، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: “تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فإن من يعش منكم فسيرى منكم اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، ولو تأمر عليكم عبدا حبشيا، فإن المؤمن كالجمل الآنف أينما قيد إنقاد”” 1 .

تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على البيضاء، من سلك عليها نجا ومن حاد عنها هلك. البيضاء، وفي كلام لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تُركتم على الواضحة، ليلها كنهارها). وفي كلام سيدنا علي رضي الله عنه: تُركتم على الجادة: منهجٍ عليه أم الكتاب). البيضاء والواضحة والجادة هو منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المنهاج النبوي الذي سلك عليه هو وصحابته الكرام والذي سمى بهم إلى ذرى الإيمان والإحسان تربية، وإلى نيل الخلافة في الأرض تنظيما ودولة.

هذا المنهاج ما مبتداه؟ وما طبيعته؟ وكيف السلوك عليه؟ وما خبره؟

مبتدأ المنهاج النبوي

يبتدئ السير على المنهاج النبوي من سماع نداء الحق عز وجل للإنسان في القرآن الكريم، نداء موجه للإنسان في عمومية إنسانيته، ونداء موجه له أيضا ولكن هذه المرة في خصوصية إيمانه وسط جماعة المؤمنين.

النداء الإنساني: يكون هذا النداء بصيغة (يا أيها الإنسان)، مضمونه إخبار من قبل الله عز وجل للإنسان وإجابات عن أسئلة حائرة تراود عقله: ما حقيقتي؟ وما أصل وجودي؟ وما معنى وجودي في هذه الحياة؟ وما مصيري بعد الموت؟ نداء فيه تبشير وفيه تحذير.

فعن سؤاله: من هو، يجيبه الحق عز وجل بقوله: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة (البقرة:30). فهو خليفة في الأرض، إنسان حرّ كريم، ومكلف مسئول، صاحب أمانة، وحامل رسالة.

وعن سؤاله: من أين جاء، يجيبه: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقناه من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (الإنسان:1-2). فهو كان في عدم ثم خلقه الله تعالى بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

وعن سؤاله لماذا جاء، يجيبه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات:56). الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا (الملك:2). فهو موجود بحق وليس عبثا، وُجد وخلق لعبادة الله تعالى، وليبتلى في هذه الدنيا ويختبر أيعمل صالحا فيجازى بالحسنى، أو يعمل طالحا فيجازى بالخسران. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (الزلزلة:7-8).

وعن سؤاله إلى أين، يجيبه: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (الانشقاق:6). فمصير الإنسان إلى لقاء ربه في دار الآخرة حيث الحساب والميزان والصراط والجنة أو النار.

النداء الإيماني: ويكون بصيغة (يا أيها الذين آمنوا) مضمونه عبارة عن أمر ونهي وافعل ولا تفعل، والآيات التي تبصر بحقيقة هذا النوع من النداء كثيرة نذكر منها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ولم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، واتقوا الله، إن الله تواب رحيم (الحجرات:11-12).

لا شك أن هذا النداء الإلهي في القرآن بقسميه الإنساني والإيماني سمعه جميع الناس، فبذلك قامت عليهم الحجة، ووجبت عليهم الاستجابة، يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم (الأنفال:24).

وهذه الاستجابة لنداء الله عز وجل هي الحياة الحقيقية، وعدم الاستجابة إعراض واستحقاق للعذاب وسوء الحساب. يقول الله تعالى: للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به، أولئك لهم سوء الحساب، ومأواهم جهنم، وبيس المهاد (الرعد:20).

ويذكر القرآن أهم الموانع التي تمنع الإنسان من الاستجابة لنداء الله تعالى وعلى رأسها إتباع الهوى، يقول الله تعالى: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين (القصص:50). والهوى ميل النفس إلى ما تشتهي، وقد حذرنا الله تعالى من اتباع الهوى فقال سبحانه: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (ص:26).

ويقص علينا القرآن قصة في القرآن ليضرب لنا مثلا على من يتبع الهوى كيف تكون عاقبته، يقول جل وعلا: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (الأعراف:175-176). المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة، إنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل، هو بلعم بن باعوراء كما قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم من السلف. 2

طبيعة الطريق

طبيعة الطريق حسب القرآن والسنة تتخذ أوصافا متنوعة كلها تتطلب الصبر والصدق والاجتهاد. منها أنها:

1- عقبـة: يقول الله عز وجل: فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة (البلد:11-12).

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن عمل الجنة حزن بربوة (ثلاثا)، ألا إن عمل جهنم سهل بسهوة (ثلاثا)” 3 .

فطبيعة الطريق إذا عقبة واقتحام، وسلوك في صعود من إسلام لإيمان لإحسان، والعقبة نوعان: عقبة الأنفس وعقبة الآفاق، والجمع بينهما يكون عقبة الفتنة، والاقتحام نوعان: اقتحام فردي واقتحام جماعي، والجمع بينهما هو الاقتحام الكامل للعقبة. وهذا يتطلب الجهد والصبر حتى يتميز المجتهد من الكسول، والمجاهد من القاعد.

2- مستقيـم: يقول الله عز وجل: وأنا هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (الأنعام:153). ونقول في سورة الفاتحة: اهدنا الصراط المستقيم.

قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه أحمد والنسائي والدارمي: “خط لنا رسول الله يوما خطا، فقال: “هذا سبيل الله”، ثم خط خطوطا عن يمين الخط ويساره، وقال: “هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعوه”، ثم تلا: [وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله]” (الأنعام:153).

استقامة الطريق وعدم اعوجاجه يتطلب الإخلاص والصدق حتى يتميز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.

3- درجـات: يقول الله تعالى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (الإسراء:21). وفي حديث جبريل سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان. وهذا بيان واضح على أن الدين درجات أعلاها الإحسان، والله يحب المحسنين.

كون هذا الطريق درجات فهو يتطلب التنافس والتسابق حتى يتميز السابق بالخيرات من المكتفي بالركعات، والمترقي في الدرجات والباقي في أسفل الدركات.

كيف السلوك على المنهاج (البرنامج)

لقد حدد لنا رسول الله صلى عليه وسلم كيفية السلوك على هذا الطريق ووضحها في برنامج متكامل وشامل هو من أروع ما يكون. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 4 .

فهذا الطريق الذي هو طريق مستقيم وعبارة عن عقبة ودرجات يمكن السير عليه إن نحن أخذنا بهذا البرنامج، ابتداء من قول لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان وأفضلها، قولها باللسان مع الإكثار منها، فهي أفضل الذكر، وأفضل الحسنات. ثم انتهاء بإماطة الأذى عن الطريق أدنى شعب الإيمان، ومن إماطة الأذى إزالة كل ما يضر بالمسلمين ويقف في طريقهم من أقل ضرر تمثل في شوكة أو حجرة إلى أكبر ضرر تمثل في ظلم واستبداد وفساد. وبين قول لا إله إلا الله وإماطة الأذى عن الطريق شعب كثيرة تقارب السبعين أو تزيد، منها الحياء، ومحبة الله تعالى ورسوله والمؤمنين، ومنها الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، ومنها إقامة الصلاة وصيام رمضان وإيتاء الزكاة وحج بيت الله الحرام، ومنها ذكر الله وقيام الليل والاستغفار… ولمن أراد أن يطلع عليها ينظر كتاب: (المنهاج النبوي) للأستاذ عبد السلام ياسين.

خبر المنهاج النبوي

خبر الطريق هو ما يجده السالكون عليه في النهاية من نتائج حسنة في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا فقد وعدهم الله تعالى بالتمكين والنصر والاستخلاف في قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليُمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا (النور:5).

أما في الآخرة فقد وعدهم الله تعالى بالجنة والمغفرة والأجر العظيم في قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (المائدة:9).

خاتمـة

فما أحوج المسلمين اليوم، وهم في حيرة من أمرهم، إلى المنهاج النبوي حتى يسلكوا عليه على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة والأمة لينالوا خير الدارين. منهاج يوجه القلوب الوجهة الصحيحة، وجهة إسلام الوجه لله تعالى وحده، ويوحد الأمة ويفتح لها طريق التغيير الحقيقي لمعانقة معاني العدل والكرامة والحرية.


[1] رواه الإمام أحمد بإسناد حسن ورواه أبوا داود والترمذي بإسناد صحيح.\
[2] انظر تفسير الآية في ابن كثير والقرطبي.\
[3] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وله روايات أخرى.\
[4] متفق عليه.\