ليست طموحاتنا محدودة بموعد انتخابي أو تناوب على السلطة، لأننا نعلم أن تغيير حكومة أو دستور معين لا يكفل إلا حل أزمة عرضية إن كفل وهيهات! ولا يستطيع إلا تهوية الجو السياسي ريثما يدفع تآكل النظام فرقة أو حزبا معينا إلى الانسحاب في مستراح المعارضة الحزبية ليُلمِّع صورته.

إن تغيير وجهة المجتمع الذي ننشده لا يمكن أن يقتصر على سياسة موسمية هدفها التناوب على السلطة أو على إصلاحات قصيرة المدى ينفذها تناوب ديموقراطي حقيقي أو “توافقي” مزيف يقوم على نفس نظام الفكر والقيم الذي أوصلنا هذا الدرك.

أفقنا التغيير العميق الذي لا يمكن أن تبنيه وتقوده بعون الله إلا حركة مباشرة متواصلة. الأحزاب السياسية مُشَكَّلَة بصورة تجعلها لا تندفع إلا كلما لاح في الأفق موعد انتخابي، بنيتها وتجمعها يرميان إلى أن تقوم بدور أغلبية حاكمة تتربص بها لتنقلب عليها أقلية. أما تشكلنا وتنظيمنا نحن فلهما غايات أخرى. فأفقنا أوسع ورؤيتنا أبعد‍!

إن نظرتنا غير محدودة بنطاق الدولة القومية التي تخنق أنفاسنا، لأن غايتنا مهما طال الزمن هي توحيد الشعوب الإسلامية في كيان واحد. واجبنا توحيد الأمة. قد يبدو هذا حلما أجوف وأمنية فارغة، لكن قرآننا -كلمة الله الحية- يأمرنا بأن نكون أمة واحدة موحدة، والزمن يدفعنا -كما تدفعنا الضرورات الاقتصادية- إلى التقارب. ثم إن هذا الذي يبدو اليوم مجرد حلم أجوف لن يلبث أن يصبح واقعا يوم أن يَأذَنَ الله وتتفق الأمة على شكل التنظيم الوحدوي الملائم، وبعد أن تمهد السبيلَ جيلاً بعد جيل تربيةُ المسجد.

حرفتنا التربية. هي وسيلتنا لتغيير الإنسان حتى يتبنى موقفا ونظرة وإرادة تتعالى على الظرفيات التاريخية، وتتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة التي تحيطنا بها سياسة المنـزل الإقليمي الصغير، وذهنية الهوية التجزيئية.

نظرتنا وحرفتنا اللتان نجتمع عليهما وننتظم، تميزاننا عن الأحزاب السياسية التي لا يتعدى طموحها المدى القريب، ولا غاية لأعضائها إلا الحقيبة الوزارية. مشروعنا بعيد المدى، والتغيير العميق الذي يتم بواسطة التربية والإقناع لا يمكن أن يعاش إلا بعد مخاض عسير. لكننا اليوم نعيش منافسة حادة مع الأحزاب السياسية التي لا تهتم إلا باللحظة الراهنة والمكان الحاضر. ولذا يجب أن نخوض المنافسة فنبدأ سباق المسافات الكبرى من الكيلومتر الصفر. ذلك بشروط فصلناها.

إن الحركة التربوية وتغيير الذهنية والسلوك لا يرتجلان، كما أن ابتكار المستقبل وشكل النظام لا يقومان على أرضية انتخابية أو برنامج حكومي. وإنما يقتضي الأمرُ مَشروع عُمرانٍ واضح الخُطَّة ونظرة بعيدة تبني مشروع مجتمع يستجيب للحاجات الدائمة التي تفتقر إليها الشعوب الإسلامية، ويُؤَمِّنُ العدل والسلام الذين تتوق إليهما. لابد لهذا المشروع أن يصاغ وأن يجسد في إرادة عامة. لابد أن ينطلق من دستور حازم لا يميل مع الأهواء كما يميل الغصن مع أدنى هبة ريح. سنجيب الأحزاب السياسية إذا ما وضحت موقفها من الإسلام، من الشريعة على وجه الخصوص، هل تعتبر الأحزاب السياسية شريعة الإسلام والداعين لتطبيقها مجرد إرث مسموم لا يصلح إلا للإلقاء في البحر؟ إننا نُطَمئِنُها مُسْبَقاً أننا لن نحتفظ أبدا بالسلطة رغم أنف الناخب.

بدل الرضا بدستور ممنوح، سيكون من اللازم انتخاب جمعية تأسيسية بواسطة التصويت الشعبي عقِبَ نِقاش طويل لا تُستثنى منه أية تشكيلة سياسية أو شخصية مستقلة. ولكي لا يكون الدستور المناقش في الجمعية والمعروض للاستفتاء مجرد ورقة تتلاعب بها الرياح، لابد من تغليق قانوني يحول دون اللجوء إلى لعبة المراجعات كلما ألهبت تقليعة جديدة المخيلات، لتتمكن السلطة الحارسة للدستور من ضمان الاحترام الدقيق للدستور.

أعني بالتغليق القانوني الرفع من نسبة الأغلبية البرلمانية الضرورية لإصلاح الدستور. هكذا يمكن لكل حزب -بعد أن يطمئن إلى أن القانون الأساسي لن يخترق- أن يبرز قدرته ومهارته في تدبير الدولة حينئذ لن تظل الشعبوية الإسلامية والنخبوية العلمانية مجرد قوى مندفعة، منهمكة في المزايدة الديماغوجية. أين النتائج يا من كنتم قديما تتبجحون بكفاءة طبقتكم الراقية؟ وأنتم أيها الصاعدون حديثا إلى خشبة المسرح السياسي المفتقرون –في نظر أصحاب المقام- إلى التجربة، ما موقعكم من إعراب الماضي والمستقبل؟

حينئذ سينتهي السجال بين الإسلاميين واللائيكيين عندما يصل الجميع إلى الباب المسدود، ويفقد كل طرف المبرر السهل الذي كان يشهره حجة دامغة في وجه خصمه، ليلتقي الإسلامي الذي كان البارحة يصب اللعنة على الآخرين بمثقَّفِ المجتمع المدني في ورشة العمل، وليضطرا إلى التخلي عن أحكامهما الجاهزة، حتى تتضح القيمة الحقيقية لكل واحد منهما.

نتمنى هذا اللقاء بكل صدق، ونعتبره نتيجة ضرورية للحركية التاريخية التي تحمل في مَدِّها الحركة الإسلامية الشابة والشعبية الواعدة بمستقبل سياسي مشرق. بإذنه تعالى وتوفيقه.

إن الطبقة السياسية العجوز تدير معركة خلفية غايتها إفشال كل تغيير، لكن الشعب المخلص لدينه رغم جهله الطامي يتبرأ منها. هذه الطائفة السياسية العجوز لا تدرك أنها تقطع الطريق على الأجيال الجديدة التي تفوقها تكوينا وأهلية لخدمة مصالح الشعب المسلم. هؤلاء السادة المسترخون على أرائكهم، المستسلمون لصفعات السنين، الممتلئون زهوا، هؤلاء المسؤولون عن النزيف الذي يمتص دماءنا لابد أن ينصرفوا لكي يتغير المجتمع.

طالع المقال في موقع ياسين نت.