أصبح اسم مدينة بوعرفة في السنوات الأخيرة مرتبطا بالاحتجاجات والنضال الشعبي، وإذا كانت بوعرفة تشترك مع مدن مغربية أخرى في هذه الخاصية فإن ما يميزها هو الأشكال التعبيرية في الاحتجاج، ولعل أبرزها، الامتناع الجماعي عن أداء فواتير الماء كرد فعل على الأرقام الخيالية التي تضمنتها واحتجاجا على رداءة المياه وعدم التزام المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بمضامين العقدة التي تم بموجبها تفويت هذه الخدمة إليه من طرف المجلس البلدي. ثاني هذه الأشكال هو النزوح الجماعي إلى الجزائر، أو بالأصح التهديد بالنزوح ما دام أن النزوح لم يتحقق إلا مرة واحدة في كل المحاولات التي أعلنها المحتجون الذين اختلفت مطالبهم ومشاربهم. وبغض النظر عن الجدل الذي أثير حول هذه الأشكال فإن أسباب ودوافع الاحتجاج لا تخرج عن ذلك المنطلق المشترك بين كل الحركات الاحتجاجية للفئات التي تكتوي بنيران الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمغرب، كما أن الطابع الجماعي لهذه الأشكال، وشموليته لكل الفئات في حد ذاته رسالة لا تترك مجالا لنعت هذا التحرك بما نعتت به بوادر الربيع العربي : (شوية عيال، مندسون،جرذان…) وهو الشيء الذي سعى إليه من خططوا لمحاولة إنهاء هذا الحراك البوعرفوي الممتد لسنوات، عبر تلفيق التهم لمناضلين والزج بهم في السجون والإيهام بأن فتيل التوتر قد تم نزعه، مكرسين بذلك لنفس العقلية التي عجزت عن الوقوف على حل حقيقي لمعضلات الإنسان المغربي، غير مواجهة المطالب بالأساليب المعهودة من المهدئات تارة والترهيب والمحاكمات تارة أخرى والتجاهل غالبا. عن هذه الرسائل وعن أجوبة أولي الأمر عنها نحاول في هذه السطور تسليط بعض الأضواء كشفا -على الأقل- لواقع لا زال لم يجد له صدى في وسائل الإعلام “الوطنية” التي يمولها الشعب من عرق جبينه، ولا يزال ظهور المنطقة في إحداها حدثا يحتفل به. وحكرا على من عرف إليه سبيلا.

خريف 2005

يعود تاريخ أول فعل احتجاجي ملفت للنظر إلى أكتوبر 2005 حيث انطلق ما يقرب من 1000 شاب من بوعرفة في اتجاه الحدود مع الجزائر سالكين الطريق الوطنية رقم 17، احتجاجا على استثنائهم من التشغيل في أوراش الإنعاش الوطني، قاطعين ما يقرب من 40 كيلومترا مشيا على الأقدام، قبل أن يتدخل أصحاب المعاطف الطويلة من السلطات المحلية لاحتواء الوضع، وقيل حينها إن وعودا قُدمت للمحتجين بصرف مبلغ مالي على الفور وبمعالجة المشكل الذي فجر الوضع، وبطبيعة الحال لم تشكل لجنة لتقصي الحقائق وتحديد المسؤوليات و… إلى ما هنالك مما هو متعارف عليه في دول المواطنة الحقة والحريات والحقوق والكرامة، لم تتحرك حينها غير لجنة واحدة هي لجنة “تنشيط المدينة” واشتمل تحركها على نقطتين : نصب المنصة وتسخين “لبنادر” لإحداث بعض الضجيج، لعله يطرد طيور النحس التي حطت على المدينة، وتسلية للمقهورين ريثما يجدون ما يلهيهم عن الاحتجاج. وكانت النتيجة أن أصبح هذا الشكل عنوانا للتصعيد عند أغلب الحركات الاحتجاجية بالمنطقة.

غير أن الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي حينها، هو ذلك الحدث الذي ألهم المحتجين هذا الشكل النضالي، لم يهتم كثيرون بالـ 52 فردا من عائلة واحدة من الرحل المنتمين إلى قبيلة لعمور المتاخمة للحدود مع الجزائر، الذين قرروا النزوح في لحظة يأس، فجمعوا متاعهم وطووا خيامهم، وانسحبوا في صمت إلى الجزائر، جمعوا وطووا صفحة كانوا فيها مجرد أرقام إحصائية وبطائق انتخابية، أرقام يطلبها القائمون على الشؤون حين يحتاجونها في مواسم “الاستشارات” و”الاستحقاقات”، وفي ما بين المواسم تعمى أبصارهم وتصم آذانهم عن واقع بلغ في قساوته حدا جعل هؤلاء يتخذون قرارا هو في ثقافة البدو أصعب ما يمكن أن يقدم عليه البدوي: إخلاء موطنه. ولهؤلاء المسؤولين أن يسمعوا الآن إذا طلبوا هذه “الأرقام” : لا يوجد أي مشترك في الرقم الذي تطلبونه، المرجو مراجعة …… خياراتكم الفاشلة.)

انتخابات 2007

كانت بوادر اليأس الشعبي من جدوى “الاستحقاقات” واضحة ومنبئة بمقاطعة شعبية لهذه المهزلة المستمرة، لم يكن حينها ربيع عربي ولا حركة 20 فبراير، ولم يدع أحد إلى مقاطعة الانتخابات، وعلى العكس من ذلك أسست جمعية أغدقت عليها أموال طائلة سميت “2007 دابا”، فجاءت نسبة المشاركة المعلن عنها غنية عن كل تعليق، وكنا قد تعودنا أن تعرف البوادي نسب المشاركة الأكبر لأسباب معروفة، غير أن الرسالة جاءت من البادية، غير بعيد عن مدينة بوعرفة، من دائرة قروية، فمن بين 500 ناخب لم يصوت سوى 8، لأنهم لم يجدوا لاهتماماتهم مكانا في قاموس الأحزاب وبرامجها، ولا في قاموس “2007 دابا” ما يقنعهم، (كما لا توجد دابا في قاموس لهجتهم)، والحقيقة أنه حتى في المرات السابقة التي أدلوا فيها بأصواتهم لم يكن ذلك عن اقتناع ببرنامج أو تأييد لحزب بقدر ما كان دعما جماعيا لابن القبيلة، كانت تلك الشعرة التي تربطهم بهذا “المسلسل” فانقطعت لما بليت وهبت عليها نسمة وعي. وكانت تلك طريقتهم في التعبير، لم يكن كافيا أن تقاطع قبيلة بأكملها الانتخابات، ليتحرك المسؤولون لسماع أصوات من احتفظوا بأصواتهم ليُسمعوها أذنا واعية، احتفظوا بها بعدما تأكدوا أن أصواتهم في عرف اللعبة المخزنية ليست للاستماع بل للعد، لتضاف الأرقام إلى رصيد “العملية الديمقراطية” ويحصل معها التلميذ “النجيب” على مزيد من التربيت على الكتف.

انتخابات 2011

في 2011 اختلف الأمر كثيرا، فالزمن غير الزمن، والرهان على كسب معركة الأرقام أكبر من أي وقت مضى، كان المخزن بحسه الأمني قد حسب حساب الوضع المتوتر في بوعرفة، وبعد فترة تربص عاد فيها جو التظاهر إلى عنفوانه في خضم الربيع العربي، ضرب المخزن ضربة أراد لها أن تكون قاضية، استغل اندفاع بعض الشباب ولا مسؤوليتهم وتأجج معركة المعطلين وانخراط الفعاليات النقابية في دعم مطالبهم، واختار اللحظة المناسبة والأسلوب الأنسب ليذكر بٲنه لا يقبل ٲن يحصر في الزاوية، وأن تراجعه إلى الوراء كان مؤقتا وله حد، وبعده، ويل لمن وقف في الطريق. فكانت الاعتقالات ثم المحاكمة التي دشنت الحملة..

انطلقت حملة اﻹنتخابات السابقة لأوانها وانطلقت حملة الدعوة إلى المقاطعة في كل مناطق البلاد، وانطلقت في بوعرفة حملتان أيضا، حملة للدعوة إلى المشاركة واستمرت حملة القمع ضد كل تحرك يمكن أن يثير أوحال الواقع ويعكر صفو العملية كما أريد لها أن تظهر، استمر المخزن جاثما بجحافله معسكرا دروب المدينة زنگة زنگة، حملتان كانت فيهما كل الوسائل مباحة، فالحملة الانتخابية جند لها جنود كثير منهم شباب صارحوا المرشحين منذ البداية بأن ثمن مشاركتهم لن يكون عشرة عصافير من الوعود ينتظرونها خمسا شدادا، لن يقبلوا بغير عصفور في اليد، انسجاما مع ما تعلموه في التجارب السابقة ولقناعتهم بأنهم في مغرب الفرص، فكان أن وافق شن هؤلاء طبقة السياسيين الساعين إلى رفع نسبة المشاركة بأي ثمن، فوزعت الأموال على الراغبين دار دار .. فرد فرد. كان ذلك أول المباحات، أما ثانيها فكانت الأجساد والأعراض ضربا وشتما وسحلا، لكل من سول له حسن ظنه بالعهد الدستوري الجديد أن يعبر عن رأيه ويسمع صوته. اشتدت الحملتان أقصى ما يكون الاشتداد، وتعالى غبارهما بقدر ما تعالت ضجة التبشير بالنسخة الثانية من العهد الجديد. هذه المرة أيضا جاءت الرسالة من حيث كان المخزن مطمئنا إلى سطوة أعوانه، من البادية عادت ثلاثة صناديق فارغة إلا من 5 وقيل 24 ورقة من بين المئات، معلنة مقاطعتها شعبة شعبة، خيمة خيمة. كانت تلك أكثر الرسائل وضوحا، وإلا.. فاسأل العادّين… سل فاتحي “العلب الصوتية” عن الرسائل.. انفضت الجوقة على ما هو معروف من نتائج، وبقيت دروب بوعرفة معسكرة، والجواب هو الجواب.

كثيرة هي أجوبة المخزن الخاطئة عن الأسئلة الملحة في الدورة الحاسمة من الامتحان، امتحان لا تغني فيه قرون الأقدمية ل”لانتقال” إلى دولة الحقوق الحقة مع الناجحين، التحديات الجديدة تقول على لسان الشعوب: إما جدية واجتهاد، وإما الطرد خارج فصول التاريخ مع الراسبين … أستغفر الله .. هي سنة الله للأولين، وما هي من الآخرين ببعيد.