مقدمة

جاء بيان العدل والإحسان بشأن توقيف مشاركتها في حركة 20 فبراير واضحا وضوح الشمس في كبد السماء، وبعيدا عن مناقشة الآراء حول توقيته وخلفياته وتداعياته، سواء المنصفة أو المجحفة، الحصيفة أو السخيفة، الصادقة أو المغرضة، نقدم للقراء قراءة في محتوى البيان علها تعكس رصانة وجدية مضمونه – الذي قلما يلتفت إليه – باعتباره عاكسا لكنهه وفحوى خطابه.

بشكل مجمل، تطرق البيان إلى السياق العام الذي ولد فيه الحراك المغربي، والانخراط المبكر لشباب الجماعة فيه، ورد فعل النظام تجاهه، إلى جانب أهم المكاسب التي حققها والمآخذ على الحركة التي كانت وراء قرار التوقيف، ليختم بإعلان للرأي العام في تسع نقاط وتذكير ودعاء. وفيما يأتي تفصيل ذلك.

تذكير بالثوابت

من ثوابت جماعة العدل والإحسان – المعروفة بها – أنها سيدة مواقفها، تتخذها بإرادتها باستقلال تام عن أي مؤثر. فدعمها لمطالب حركة 20 فبراير وانخراط شبيبتها المبكر فيه دون تردد كان نابعا من قناعة مبدئية في وجوب نصرة المستضعفين عموما والشعب المغربي المستضعف على وجه الخصوص، وفي ضرورة مقاومة الظلم والفساد والاستبداد وطلب العدل الذي يمثل شقا هاما وجناحا أساسيا في شعارها. ولم يكن تعبيرها عن هذه القناعة وليد الربيع العربي أو الحراك المغربي كشأن الأحزاب التي لم تجرؤ قبل ذلك على التفوه بعبارة محاربة الفساد والاستبداد، بل كان منذ عقود وتكرر في أكثر من مناسبة.

فكما دخلت الجماعة الحركةَ بإرادتها أعلنت توقيف أنشطتها فيها بإرادتها، وقرارها ليس نكوصا عن مواصلة الاحتجاج السلمي أو مراجعة فكرية لجدواه أو دعوة للشعب للتوقف عن ممارسة حقه فيه، لذلك كان البيان على درجة كبيرة من الوضوح إننا، استحضارا لكل ما سبق، نعلن توقيف انخراط شبابنا في حركة 20 فبراير التي كنا، وما نزال، مقتنعين بمشروعية مطالبها وبحق الشعب في الاحتجاج السلمي بمختلف أشكاله)، ولم يكتف بالاقتناع فقط بل أكد الاستعداد لصيانة هذا الحق وسنبقى داعمين لجهود كل قوى التغيير ومساهمين في التصدي لكل من يستهدفها ويضيق عليها)، كما أكدت النقطة الرابعة في الإعلان على ذلك.

تقدير للشباب

شكر البيان وقدر شواب الجماعة (شاباتها) وشبابها على انخراطهم في الحراك “بنكران ذات وبذل وتضحية” معتبرا أنهم كانوا “في مستوى اللحظة”، ومثمنا التزامهم بالضوابط الأربعة المؤطرة لمشاركتهم:

– التشاركية: بحرصهم على “تغليب قيم التقارب والتعاون وتكاثف الجهود”.

– السلمية: بنبذهم العنف قولا وممارسة، إذ كان شباب الجماعة صمام أمان لحماية الاحتجاج من كل ما يحرف مساره السلمي.

– الجماهيرية: ساهم في ذلك القوة العددية التي يشكلها شباب الجماعة ضمن الحراك الميداني وشعبيتهم وخبرتهم التنظيمية التي آتت ثمارها مبكرا إذ أصبح الشباب وعموم الشعب ينظم نفسه بنفسه، فسارت المسيرات بشكل عفوي محاصرة كل المحاولات المخزنية لتشويه صورتها السلمية.

– الاستمرارية: لم يتوان شباب الجماعة عن دعم الحراك طيلة الأشهر العشرة ماديا ولوجستيا، وعن الحرص على تغليب مصلحة الحراك تقوية للعمل المشترك وتعزيزا للثقة وتوجيها للجهود إلى أصل الداء: الاستبداد المخزني المستأثر بالثروة والسلطة.)

التفاف النظام على المطالب

احتل رد فعل النظام على مطالب الحراك حيزا مهما من البيان. وعلى خلاف ما ذهبت إليه الأحزاب من كون النظام قام بإصلاحات سياسية “ثورية” وجريئة وغير مسبوقة في الوطن العربي، أكد البيان – ما جاء مفصلا في ولنا كلمة وتصريحات الناطق الرسمي ووثائق لجنة التتبع حول الاستفتاء والانتخابات…- أن النظام طيلة هذه المدة مقاوم للإصلاح ومصر على الاستمرار بنفس العقلية والمنهجية الاستبدادية)، فبدل الاستجابة لمطالب الحراك فضل الالتفاف والمناورة والخديعة)، ناهجا ومزاوجا بين أسلوبين:

– الالتفاف السياسي والاجتماعي والحقوقي: تمثل الأول في “خطاب مارس الفضفاض والغامض” و”التعديلات الدستورية الشكلية التي حافظت على الروح الاستبدادية لنظام الحكم” وإجراء “انتخابات مبكرة شبيهة بسابقاتها في الإعداد والإشراف” وانتهى المطاف بهذا الالتفاف “بالسماح بتصدر حزب العدالة والتنمية لنتائجها وتكليفه بتشكبل حكومة شكلية دون سلطة أو إمكانيات”، أما الالتفافان الآخران فقد أقدم النظام حسب البيان على بعض “الخطوات الترقيعية في المجال الاجتماعي والحقوقي” كالزيادة في أجور بعض الموظفين وإطلاق سراح بعض المعتقلين.

– المقاربة الأمنية: من خلال “حملات القمع والتشويه وبث الفرقة بين شباب ومكونات هذا الحراك” الذي نالت الجماعة منه “نصيبا وافرا”.

ولم يفت البيان الكشف عن قصد النظام ولخصه في النقاط الآتية، وترتيبها له أهميته وحجيته:

– امتصاص الغضب الشعبي لإطالة عمر المخزن وإجهاض آمال الشعب في التغيير الحقيقي.

– تلطيخ سمعة الإسلاميين.

– إضفاء الشرعية الدينية على الإسلام المخزني الموظف للدين قصد تبرير الاستبداد.

عرض للمكاسب

اتسم البيان بالحكمة لما عرض مكاسب ونتائج الحراك قبل المآخذ على الحركة، وهذا عين التقويم، ومراعاة لطبيعة البيان التي لا تسمح بالإطالة اكتفى بالمكاسب الكبرى الحبلى بأخرى تندرج تحتها، والتي يمكن تصنيفها إلى مستويات:

– على المستوى النفسي: “كسر حاجز الخوف وسط عموم الشعب واسترجاع الثقة والأمل”.

– على المستوى الحقوقي: “إطلاق سراح بعض المعتقلين”.

– على المستوى الميداني: “امتلاك الشارع للمبادرة وبعث حركية جديدة في المجتمع” وأبرز تجل لذلك حسب البيان “النجاح الباهر لحملات مقاطعة الاستفتاء والانتخابات” في مقابل “الفشل الذريع لكل المبادرات المخزنية الالتفافية”.

كشف للمآخذ

من شأن كل عمل مشترك أن تعترض سبيله عوائق، وقد تكون منطلقا جديدا لتجويد العمل والاتجاه به نحو تحقيق الأهداف، لكن إذا كانت العوائق جوهرية تكبل العمل وتفقده جدواه فآخر الدواء بعد الصبر الكي. لذلك استند البيان إلى هذه المآخذ وبنى عليها قرار توقيف الأنشطة في الحركة وهي:

– وجود مشوشين داخل التنسيقيات همهم بث الإشاعات وتسميم الأجواء، والتعبير ب “من جعل كل همه” له دلالته.

– وجود معوِّقين (بكسر الواو) همهم كبح جماح الشباب.

– وأهم مأخذ هو “الإصرار على فرض سقف معين لهذا الحراك وتسييجه بالاشتراطات التي تخرجه من دور الضغط في اتجاه التغيير الحقيقي إلى عامل تنفيس عن الغضب الشعبي…”.

تحذير من العواقب

لم يغفل البيان الحديث في بعض نقاط إعلانه عن المستقبل، يتجلى ذلك في:

– تحذير المخزن من عاقبة مواجهة جيل جديد من الشباب، والحرص على رعاية الفساد والاستبداد وهضم الحقوق وإهدار الكرامة…لأن ذلك “سيغذي الحقد والنقمة … ولن يقود إلا إلى فتنة قد تأتي على الأخضر واليابس.وقانا الله شر الفتن”.

– دعوة المنتظم الدولي “إلى الكف عن دعم أنظمة التسلط التي تتصدى لحق الشعوب في الحرية والكرامة والعدل”.

– دعوة الفضلاء إلى “الاصطفاف إلى جانب القوى المطالبة بالتغيير ضد نظام مخزني…”.

– تأكيد الدعوة إلى “حوار مجتمعي وميثاق جامع يوحد الصف ويجمع الجهود لبناء مغرب عادل…”.

رسائل إلى الشعب

من المجحف ألا يقدم البيان رسائل إلى الشعب:

– رسالة شكر وتقدير لكل فئات الشعب داخل المغرب وخارجه “الذين لم يبخلوا بكل ما يملكون لدعم هذا الحراك طيلة هذه الأشهر”.

– رسالة الاستمرار: “دعوتنا كل فئات الشعب إلى اليقظة والمشاركة الإيجابية من أجل مغرب تسوده الحرية والكرامة والعدل”.

– رسالة الوفاء وعدم الخذلان: “ثباتنا على مبادئنا في الدفاع عن حقوق هذا الشعب المستضعف بكل الوسائل المشروعة في وجه الظلم والفساد والاستبداد” ثبات مستمر “إلى أن تتحقق سنة الله سبحانه في القوم الظالمين”.

– رسالة الأمل: باليقين في موعود الله الذي لا يتخلف والثقة في نصره للشعوب القائمة في وجه الاستبداد.

خاتمة

هذه أهم مضامين بيان العدل والإحسان بشأن توقيف أنشطتها في حركة 20 فبراير، تعكس وضوحه وخلوه من الغموض، والوقوفُ على مضامينه من شأنه أن يقدم رؤية صحيحة عن القرار من حيث أسبابه ونتائجه وييسر سبل القراءة المتأنية له غير العجلة في إصدار الآراء والمواقف.