عندما يقف الإنسان مع نفسه متأملا متسائلا عن وجوده في هذا الكون وعن مصيره ووظيفته وسط هذا النسيج من المخلوقات، يجد نفسه محاصرا بمجموعة من الأسئلة الجوهرية والمصيرية تحتاج منه إلى جواب مقنع.

ولمّا كانت تعوزه حيلة الجواب الدقيق، ولما كان عور هذه النفس ورعوناتها أمرا ملازما وسببا في هلاكه – إن لم تتداركه عناية الله -، ولمّا كان الإنسان ضعيفا بطبعه يستهويه الانحراف والهوى وتجره العادة إلى التهور، ولمّا كانت الغفلة محط أنظار اللعين ينتظر الفرصة السانحة للانقضاض عليه والتمكن منه، ولمّا كان النسيان معدن الإنسان ومعطبه، كان الأجدر والأقوم والأسلم لهذا الإنسان أن يفر بجلده إلى رحمة الله عز وجل: ففروا إلى الله 1 .

عقبات نفسية ومتاهات ذهنية تقف بالإنسان عند مفترق الطرق. ما السبيل إذن لتجاوز هذه المثبطات فرارا إلى فضاء رحمة الله الواسع؟

إن المتفحص لواقع المسلمين اليوم -وهم بحمد الله كمّ لا يستهان به- ليلاحظ بمرارة كيف تتبدد هذه الجهود وهذه الطاقات بدون طائل تحت كابوس ووطأة طاحون الفتنة -والتي لم يسلم منها حتى اللبيب-، لا يدري المرء أين يولي وجهه بعيدا عن هذه الحيرة وهذا الضنك وهذه الأزمة المردية، والتي أصاب رذاذها جميع مناحي الحياة، ما الحيلة إذن؟

وإلى متى يظل هذا الجسم المترامي الأطراف جسدا بلا روح؟ ومتى ينجمع همّ الأمّة بروح الآية الكريمة كنتم خير أمّة أخرجت للناس 2 .

ومتى يرجع العبيد إلى فطرتهم تائبين منيبين إلى ربهم عزّ وجل؟

فأوبتنا ورجوعنا إلى الله عزّ وجلّ الرؤوف الرحيم بنا جميعا نستمدّ منه العون والمدد والدواء لجراحاتنا وأدوائنا. اقرأ معي كيف يلاطف ويعاتب المولى سبحانه هذا العبد الضعيف الغافل معدن الخطإ: يا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدّلك في أيّ صورة ما شاء ركّبك 3 .

أيّ شيء خدعك وجرّأك على عصيانه تعالى وارتكاب ما لا يليق بشأنه عزّ وجلّ. روي أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ هذه الآية فقال: الجهل. وقاله عمر. وقرأ أنه “كان ظلوما جهولا”) 4 .

خلق الله عزّ وجلّ كلّ شيء في هذا الكون وسخّره من أجل الإنسان، وخلق الإنسان لوظيفة وغاية واحدة وهي عبادة الله تعالى في السّرّاء والضّرّاء، في المنشط والمكره. عبودية وطاعة واستسلام لأمره ونهيه.

ألا تعلم أيها العبد أن الله قد فضّلك على سائر مخلوقاته؟ ألا يحسن بك ويجمل -وأنت اللبيب إن أردت- أن تكون سبّاقا لطاعة مولاك؟ لما حباك ومنحك وأعطاك وأحاطك بنعمه الظاهرة والباطنة: وأحْسِن كما أحسن الله إليك 5 ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان 6 . فكم أنت مدين للحقّ سبحانه وتعالى بوجودك وتقلّبك -صباح مساء- في نعمه.

شملك برعايته وعنايته منذ نشأتك في رحم أمّك نطفة ثم علقة ثم سوّاك رجلا. لقد كنت عدَما فأوجدك ولو شاء -سبحانه- لما كنت. وهذه نعمة كبرى أنّى لك أن تفي بحقها مهما عملت ولو أطعت الله بعمر هذا الكون من بدايته إلى آخر لحظة من وجوده ما وفّيت حقّه عليك، بلْهَ النّعم الأخرى التي لا تعدّ ولا تحصى.

فهلاّ عقلت؟ ألا يليق بك أن تكون عبدا شكورا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أسوتك وقدوتك؟

أيها الإنسان ربّك الكريم يدعوك -ليل نهار- في كتابه العزيز وهو الغني عنك وأنت الفقير المحتاج إليه في كل لحظة بل في كلّ نفَس. شهدت بالإيمان في عالم الغيب فما وفّيت، وجاءك من الله برهان ونور مبين وجاءت نعم الله تترى تنبئك بخبر السّماء فمكثت سادرا في غفلتك.

لقد أعذر الله إليك، وقد بلغت مبلغ الرّجال، فهل عزمت لتكون من الرّجال حقّ الرّجال؟، الذين استرخصوا في جنب الله كلّ غالٍ ونفيس. كرّمك الله عزّ وجلّ على سائر مخلوقاته وحملك في البرّ والبحر، وتواصل معك ببرّه ونواله وأنت الغافل.

ربّك يدعوك إلى رحمته، إلى جنّته، إلى معرفته ورضاه. ونفسك تنزع بك إلى الاستغناء كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى 7 . وهل هي إلاّ عدوّ قريب غريب؟ وربّك أرحم وأرأف بك منك. أما ترى أنّها أعدى أعدائك ثم هاأنت تركن إليها وتسكن.

ألا يليق بك أن تتفكر في أمرك ومصيرك ووقوفك غدا يوم لقاء الله تعالى ليسألك: عبدي ماذا عملت فيما أمرتك به ونهيتك عنه؟. إنها أمانة أنت مسؤول عنها بين يدي الله عز وجل.

أعِدَّ للمسألة جوابا، والجواب باختصار هو عملك أنت في هذه الدّنيا الفانية، ما به تتّقي غضب ربّك غدا يوم لقائه، وما به تعرفه ومن ثمّ تعبده، فهلاّ رجوعا الآن وبدون تسويف؟


[1] الذاريات 50.\
[2] آل عمران 110.\
[3] الانفطار الآية 8.\
[4] روح المعاني للألوسي ص 268 / 269.\
[5] جزء من الآية 77 من سورة القصص.\
[6] سورة الرحمن الآية 59.\
[7] سورة العلق الآية 7.\