تقديم

يندرج كتاب “القرآن والنبوة” للأستاذ عبد السلام ياسين ضمن مشروع ضخم سماه: “دولة القرآن”، صدرت منه لحد الآن خمسة كتب هي: في الاقتصاد، رجال القومة والإصلاح، الخلافة والمُلك، مقدمات لمستقبل الإسلام، إمامة الأمة.

إننا أمام كتاب كتب قبل أزيد من ثلاثين سنة، إلا أن دلالاته ومعانيه مازالت ممتدة في الزمان والمكان، لأنه من جهة يضع أفقا واضحا أمامه، هو قيام دولة القرآن تأسيسا وبناء وتوحيدا للأمة، ومن جهة أخرى -وهذا هو الأساس- لأن كلماته كانت ولا تزال وستبقى توقظ في النفوس هم الله ولقائه وطلب رضاه.

إن كتاب “القرآن والنبوة” يشكل لبنة وجانبا من جوانب المشروع المجتمعي الشامل، الذي تسعى جماعة العدل والإحسان جاهدة لإقامته.

فما هي إذن الأسئلة الكبرى التي يسعى هذا الكتاب للإجابة عنها؟

1-إضاءات حول الشكل

قراءة في العنوان

تركيبيا: العنوان جملة اسمية تتكون من مبتدإ: “القرآن” وحرف عطف “و” واسم معطوف “النبوة”، والخبر محذوف يمكن تقديره انطلاقا من مضامين الكتاب.

إيحاءات العنوان: يوحي العنوان بوجود علاقة تكامل وتواصل تامين بين القرآن والنبوة وهو تكامل نابع من مصدرهما الرباني الواحد. ولقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده مثالا حيا لهذا التلازم. والسؤال الذي يتصدى هذا الكتاب للإجابة عنه هو كيف لنا أن نعيد للقرآن الكريم والنبوة الشريفة تلازمهما، ودورهما في تحقيق ذلكم المشروع التجديدي الشامل ببعديه العدلي والإحساني؟

قراءة في الحجم

حجم الكتاب متوسط لا يتعدى 103 صفحات، وفي ذلك تشجيع وتحفيز للقارئ. صفحاته موزعة بين أربعة فصول. عناوينها منتقاة بدقة وعناية كبيرة حتى تكون جامعة لمعاني ومضامين تلك الفصول. وكل فصل يتكون من فقرات هي بمثابة عناوين مسهلة وميسرة ومساعدة على فهم المعنى العام للفصل. ويمكن القول إن الكتاب نسج بطريقة تجعل كل من يفتحه للقراءة يحبه ويتحفز لإكماله، وكل من يقرأه مرة يتحفز لقراءته مرة أخرى. كيف لا وهو جمع بين بيان القرآن ورحمة النبوة.

قراءة في الغلاف: – غلاف الكتاب تم انتقاؤه بدقة كبيرة، حتى ينسجم ومضمون هذا الكتاب، بل وحتى يعبر على ما يروم هذا الكتاب تبيانه وتوضيحه والدلالة عليه.

– الغلاف يمتح من صفحات كتاب الله القرآن الكريم. حيث تظهر العبارة المضاءة بالكاد، في الجزء السفلي لخلفية الكتاب. يكاد زيتها يضيء والتي تشير إلى قوله تعالى الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة.. وهو اختيار موفق لمناسبته لعنوان الكتاب، جمعا بين جزئيه؛ فقد أورد القاضي عياض رحمه الله في أحد وجوه تفسير الآية أن المراد بالنور الثاني في قوله تعالى مثل نوره محمد صلى الله عليه وسلم.

– الآية الكريمة، تظهر وكأن شيئا من الضباب أو الغبار يعلوها وهي من وسطه تضيء وكأنها نور.

– الضباب هو رمز الانكسار التاريخي وما صاحبه من انحرافات خاصة على مستوى الحكم، أفقد القرآن الكريم مكانته في التشريع والتوجيه.

– الضباب رمز إلى واقع التخلف والتبعية والغثائية التي تعيشها الأمة.

– أما النور فهو منبعث من كتاب الله تعالى، النور الخالد بيننا، فمتى تمسكنا به واتخذناه إماما عدنا إلى سابق عهدنا، عهد الخلافة على منهاج النبوة.

– الظلام ظلم واستبداد تصطلي بناره الأمة، والنور عدل تبشر به حركة إسلامية منبعثة.

– الضباب غفلة وبُعد عن الله، وعن الوظيفة التي من أجلها خلق الإنسان، والنور هداية تبشر بها الحركة الإسلامية، همها الدلالة على الله وتعليم الإنسان أن الوظيفة التي هن أجلها خلق هي: عبادة الله.

– الضباب الكثيف أعلى الغلاف رمز إلى أن ما يعم العالم اليوم هو غير دين الله وغير الحق وغير العدل والإحسان. لكن النور المنبعث من القرآن رمز إلى أن الإسلام آت ينتشر شيئا فشيئا حتى يعم العالم كله. ذلك وعد من الله، إنه لا يخلف الميعاد: ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.

– في الجهة المقابلة على ظهر الغلاف: وضع خاتم النبوة الذي كان يختم به رسول الله صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك الأمم على عهده.

وبالتالي يكون الغلاف قد جمع بين شطري العنوان: “القرآن” و”النبوة” والجمع بين شطري الوحي في حياة الفرد والجماعة مشروع بشر به وخطط له وبذل من أجلا تحقيقه ماله وجهده وكل ما يملك الأستاذ المرشد حفظه الله، في اقتداء تام واتباع كامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فكانت صورته بجنب خاتم النبوة.

– أما الكلمات المعرفة بهذا الكتاب هي: الذي ينفرد به الإسلام هو الشهادة التاريخية الممثلة في السيرة النبوية وفي الخلافة الراشدة…) وهي تؤكد أن معاني القرآن قابلة للتطبيق والتنزيل في واقع الناس، وليست مجرد معاني مثالية.

2- إضاءات حول المضمون

القرآن كلام الله وكفى

– القرآن الكريم هو المفتاح الذي به نفهم ما يعرفه العالم من تغيرات وتحولات وظواهر وأحداث، إذا نحن عدنا إليه نعظمه ونقدسه ونعمل بمقتضاه.

– لا بد من اتخاذ كتاب الله تعالى إماما حتى يجمع ويوحد فهمنا وسلوكنا وسيرنا كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالقرآن انكشف لجيل القرآن ما في النفس البشرية من أسرار كانت غامضة وبه ابتُنِيَت نفوس مؤمنة ومجتمع مؤمن، وحركة في العالم إيمانية. وبالقرآن عرف أهل القرآن الله عز وجل،… وبه كانوا القوة التي حطمت باطل الشرك وبه أقاموا العدل). {ص 14}.

القرآن فرقان وبرهان وإحسان

فرقان: بين الحق والباطل، بين الخير والشر، وبين الصلاح والفساد، وبين العدل والظلم. قال تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الفرقان الآية 1.

برهان: مرجع في المعرفة والتقويم والحُكم على الأفكار والأفعال والأشخاص في الماضي والحاضر والمستقبل. قال تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا النساء الآية 173.

إحسان: أي تعلق بالله جل جلاله واستماع لكلامه مستحضرين من يخاطبنا وما يريد منا وما يريد بنا وإلى أي مصير يُصيِّرنا. وهو درجة فوق الإيمان. إن عماد دولة القرآن الإحسان، أي موقف جماعة المسلمين من ربهم موقف العبيد المطيعين. قال تعالى ألم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين لقمان الآيات: 1و2.

يجب أن نزيل وهما يتمثل في اعتقاد أن القرآن مجرد مجموعة نصوص، وأنه متى جعلنا هذه النصوص دستورا فقد حكمنا بما أنزل الله، والأخطر أن الحكم بما أنزل الله هو عملية قانونية فقهية{…} والقلوب جافة من معاني الإيمان والرحمة ناشفة منها). {ص 34}.

كيف تعود الأمة لوحدة المنهاج النبوي، وتماسك الأمة، وأخوة الأمة، والعزة على الأعداء؟

النبوة الخالدة

– اتباع رسول الله الذي يوحى إليه هو المنهاج الذي يشكل الصراط المستقيم المؤدي للمحسنين، صراط الله الذي له ما في السموات من غيب نؤمن به وما في الأرض من حقائق تصطلي الأمة بنارها. والله ورسوله الملجأ.

– معنى اتباعنا المنهاج النبوي أن نجتمع عقلا وعاطفة، وماضيا وحاضرا ومصيرا، دينا ودنيا وآخرة. أفرادا على بينة من هويتهم وعبوديتهم لله ومسؤوليتهم أمامه، وجماعة على بينة من مصيرها التاريخي فيها استعداد وقدرة على الجهاد. لا تضعف ولا يتزعزع يقينها بكثرة الشدائد والمِحن بل تزداد الجماعة يقينا ويزداد جند الله رجولة.

– على جند الله أن يتحركوا ليغيروا به العالم، تغييرا شاملا، لا تغرهم إصلاحية جزئية وتصطادهم حبائل المساومة ليتنازلوا عن صرامة لا إله إلا الله. وتحرك جند الله في الميدان يجب أن يكون منظما متراصا قويا يهابه الأعداء وتُعز به الدعوة، ويشكل شوكة الإسلام الضرورية.

– فليكن بلاغنا عن الله مشبعا بالحب لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، مفعما بالتقدير لمكانته عند الله عز وجل، وبالاقتناع بعصمة سنته وقيادته. فحبه من حب الله. نحبه كما أحبه الصحابة الكرام وتفانوا في حبه.

– رسول خاتم ورسالة خاتمة لا تحتاج لتكميل ولا تطوير، نزلا من حكيم حميد، تحتاج فقط إلى تعظيم واعتزاز ويقين في تأييد الله لها، حتى نكون كما كان الصحابة الكرام.

– هل ضاع سر تربية جيل القرآن جند الرحمن وتنظيمهم وقيادتهم بوفاة الرسول المعظم وغياب شخصه الكريم؟ كلا بل هو صلى الله عليه وسلم النموذج الخالد لكل الأجيال.

الذي لا يمكن بدونه اعتبار جند الله مؤهلا لحمل الرسالة وأعبائها، وقيادة الجهاد ومهماته، هو التربية على الهجرة والنصرة. وهما معنيان خالدان) {ص75}.

– بعد الصدق والوفاء يأتي البذل الذي يحتقر معه المؤمن متاع الدنيا بجانب حق الأخوة وبجانب الجزاء في الجنة.

– ثم بعد ذلك تأتي مرحلة البناء، بناء مؤسسات، وبناء دستور ينظم دولة القرآن، يفصل في الحقوق والواجبات بدقة وعدل، يوزع السلطات والمسؤولية، ويحدد علاقة المسلمين بأهل الذمة، وبالعالم. وكذلك في اقتداء تام واتباع كامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمنهاج اتباع، والاتباع هو السنة، وهي وحي من الوحي، هي روح من أمر الله. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا لقمان الآية 52.

إن السنة النبوية روح ونور ورحمة وفضل، وهي أيضا تعاليم خالدة تنظم سلوك العبد المنيب الحريص على آخرته… السنة شورى في الحكم، ثم لا بأس إن جلس المؤمنون في المسجد يديرون أمرهم أو جلسوا في بيت خاص سموه برلمانا… السنة إخاء وعدل… السنة قوة.) {ص39}.

جهاد واجتهاد

ونحن نسير على المنهاج نريد أن نكون في الوضوح التام، وعلى بينة كاملة من حقيقة الإسلام كما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من الناس من يفهم الإسلام حسب هواه أو في حدود ظرفه… ومنهم من يؤول، ومنهم من يحرف، ومنهم من ينتحل… ومن أخطر المحرفين من يظهر تمجيد الإسلام فيقول إنه ثورة) {ص89}.

نعم الإسلام دين جهاد، دين مقاتلة المستكبرين، وهو دين العدل ونصر المستضعفين، وهو مع كل هذا لا يتجزأ، … إيمان في القلب وشريعة ظاهرة. فإن ذهب الإيمان وبقي النظام الإسلامي فذلك زيغ، وإن كان في القلوب الإيمان وتعطل الحكم بما أنزل الله فهو أيضا زيغ) {ص90}.

ما الإسلام دين ثورة، ولا دين ديمقراطية، ولا دين قسمة، ولا دين تقدمية، ولا دين اشتراكية. إنه دين الله. وما كان من خير ومروءة وإنصاف وحكمة… وسائل لغاية سامية هي أن يعرف الإنسان ربه) {ص94}.

– لا بد من إعداد القوة. وبناء تنظيم محكم قوي، يهابه الأعداء وتعز به الدعوة، قوامه رجال باعوا أنفسهم وكل ما يملكون لله وفي سبيل الله، نصرة لدين الله، كما فعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

– لابد من تربية رجال لهم قلوب ملؤها “الرحمة” أي التصديق والحب والرقة والشوق إلى الله، وعقول ملؤها “الحكمة” أي الفهم السليم للشريعة واستنباط أحكامها، ثم تطبيق لأوامرها والتماس أحسن السبل لذلك.

3- خلاصات أساسية

* إن أهم ما يمكن أن يخلص إليه القارئ لهذا الكتاب، هو اليقين في الله وفي موعود الله، ويمكن أن نقول إنه كتاب لتعليم اليقين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه”.

* ضرورة العمل وبذل الوسع، نصرة لدين الله، وبناء للخلافة الثانية على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* الدعوة إلى الله. هي منهاج رسول الله، حتى يعرف الناس أنهم خُلقوا لوظيفة هي عبادة الله ومعرفة الله، حتى نسير مع قدر الله الذي كتب بأن المستقبل للإسلام.

والحمد لله رب العالمين.