ما كنت أظن يوما أن لشعري هذا القدر العظيم من احترام النظام! ما كنت أحسب أن قصائدي تستحق هذا القسط الجسيم من الاهتمام! كنت أظن أن الشعر كلام والسلام. لكن القضاء والقدر أكّدا لي بما لا يرقى إليه شك بأن شعري بحاجة إلى تسويق في أروقة المحاكم، وكواليس مطبخ الأحكام.

وشاية كاذبة تحركها أجهزة مسؤولة أمام الله العليم الخبير في اتجاه أبواب تكسَر، وبيوت تنهَب وأموال تهذَر، وقيَم تُداس، وأعراض تنتهك، وأطفال يروَّعون في جنح الظّلام باسم الأمن والبحث عن مجهول، ثم يُساق فحول لمجهول. وبعد أيام تأتينا الأخبار من وسائل الإعلام أن سبعة “احتَجَزوا” و”هددوا” و”سرقوا” و”خربوا” وخلّوا سبيل “بريء من ملائكة الأرض” بعد أن انتزعوا منه ما لا يقال. وبعد شهور سمحت “للملاك” جروح اندملت ونبضات قلب هدأت، أن يشتكي ويسمع شكواه من ينتصر “للمستضعف المظلوم”، “والمستبعد المكلوم”، فيُزجَّ بالسبعة الشداد في مخافر التعذيب بالماء والكهرباء والسوط والإرهاب والتحرّش والتهديد بالاغتصاب قبل أن يلقى بهم في زنازن الحصر والقهر معطلين عن العمل، مفطومين عن الأهل والولد، بلا أمل إلا من الله عز وجل. خمسة شهور تدمي الـمُقَل، مات الأب والابن في السجن لم يزل، ولدت البنت والأب في السجن لم يزل. وحلّ الربيع العربي في الأقطار وحرّر الأمصار من أكدار وأوزار ونحن في السجن لم نزل ننتظر أحكاما لا نملّ، ولا أمل في جديد تحت الظلام يوحي بتغيير حليمة لعادتها القديمة في صنع القرار وتمريره من وراء الستار تحت يافطة الغيرة على حرم “الأطهار” “الأخيار” من أُخذوا في واضحة النهار، وهدّدوا بالحديد والنار وفضحوا الأسرار التي تدنّس الجبين بالعار والشَّنار، والذّل والصّغار. لكن هؤلاء “الحماة الأباة” لم تأخذهم حميّة ولا غيرة على رب العزة القهّار – تعالى الله من لا تدركه الظنون والأبصار – من يُسَبّ ليل نهار ويُقذَف – باسم حرية التعبير والتفكير والنقد والحق في الاختلاف والإقرار والإنكار – في الكثير من النصوص والمقالات والقصص والأشعار. لكن محاكمات الرجال السبعة الأبطال رسائل مضمونة في الأظرفة المتنبرة غير المعَنْوَنة من الجهات المعنية، ومنير شاعر ولا كل الشعراء، شغل الدنيا بشعره والناس ولفت الأنظار بما أبدع من أبيات ينبغي أن تُزفّ لفاطمة التعبير لا لحريته، وأن يكمَّم فاه صاحبها ليكفّ عن حرفته وينحرف عن وجهته ليتغزّل في ليلى، ويمدح قيسَها المجَلّى، أو يهجو من هجا ظِلاًّ أو ذَيْلا أو يفخر بنفسه الأمارة إياك أعني واسمعي يا جارة، فليُؤدِّ عن شعره الذي مسّ “المقدّسات”، ودنّس شرف النفوس “الطاهرات” “العفيفات” “القانتات” أكبر ضريبة وأعلى كفّارة، وليُحاكَم في إحدى المسرحيات، والمخرج قد أعدّ قراره قبل الدفوعات والمشاورات والمرافعات، فلا مجال إلا للتعليمات رغم أنف المراقبين الدوليين وأنف المدافعين المرافعين بكل الوثائق، وكل الحقائق الـمُدينة للخوارق والحرائق.. فلتحوّل براءة الابتداء إلى إدانة الاستئناف، وإدانة الابتداء إلى استئناف الإدانة بعد محاورات ومداولات. ومن كتب لم يسمع ما نقول، وما يقال، ومن رافع عنا صاح في واد ونفخ في رماد، ومن رافع عن “الملاك” “المكلوم” في صميم “طهره” و”براءته” و”تقاه” يصول ويجول ويسَجَّل ما به يَهرِف ولا من يَعرِف، ويُهين الجميع، ويطلب مالا وما لا يقع في الحسبان ويُكيل الإهانات يمينا وشمالا بأصابع يده الخمس، فالإبهام لي كشاعر جاهلي، والسبابة للمدافع المرافع عني كتلميذ جاهل عليه أن يَفِد على مكتب “العليم” “الخبير” ليتعلّم أبجديات القوانين والحقوق وأدبيات الزمالة، والخنصر للمحكمة الموقرة أنها تحكم بقانون “الزبالة”، والبنصر لجماعة العدل والإحسان أنها تابعة لحوزة “قم” بالعمالة والوكالة، والوسطى للأخلاق والقيم والأذواق والحاضرين في الصالة. ومن كتب لا يضبط شيئا، ومن ضبط لا يكتب شيئا. وعِشْنا سويعات حلوة مع الشعر الجاهلي؛ مع زهير وامرئ وعروة، ومهزلة أن يقاضِيَ القانون القريض بتأويل مريض أو ادعاء عريض أن رَمَز هذا الاسم لموكلي، وأحال هذا المعنى على زميلي وأوحى لي عبقر عقلي أن من ذَيَّل هو من نَظَم، وأن من نظم هو من نشر، وأن من نشر هو من ظلم وأن عليه أن يؤدي غرامة ما قال 50 ألف درهم، لن أضعها في جيب موكلي بل في صندوق خيري فليشهد من حضر أني لا أتسوّل، وليعتذر من قذف وابتذل فإن فَعَل عصم منا ماله وإلا أخذنا ما له أو ماله، وما له إلا أن يخبر في “أخبار اليوم” عن اعتذاره عما قاله، وإلا فغرامات أخر كلما تردد أو تأخر، ولقد سَكتُّ عن كثير منكر حياء مني لا أقل ولا أكثر.

ولينهض من لا يملك أن يبرئه إلا الذئب لو حضر من دمٍ كذبٍ مزوّر، علَق بقميصه المطهر ليدفَع عن نفسه تُهمة بُيِّتت بليل بهيم، وعبَرت عبر جِسْر قصير اسمه منير إلى جماعة أريد لها أن يروَّض منها الظّهر أو يكسر، فرفضت أن تذعن وانتفضت ولم تركن ونفضت عن خير الأمم غبار الوهن في شَمَم وعَلَن، ودعت الجميع إلى الدخول في سِلْم ميثاق على كلمة سواء يجتمع عليها أولوا الذّمم والهمم لإخراج البلاد من النفق والعباد من الظُّلَم، ولكن الاستبداد أصل كل فساد إن لم تدخل في جُبِّه، ولم تَهِم بحُبِّه، ولم تقف بجنبِه، ساكتا عما في جَيبِه، كنتَ هدفَ ضربه ونهبه وخِبِّه وسِربه.

ألا يا هؤلاء لا يمكث في الأرض إلاّ ما ينفع الناس وأما الزّبد فيذهب جفاء. ولمن يهمّهم الأمر هذا النّداء:

أولا: إن كان لا حظّ لنا في محاكمة عادلة مستقلّة عن الـمُمْلى من الجهات المسؤولة في غير ما مُساءَلة فعلى الأقل اختاروا لأعدائكم الشرفاء خصوما من الأسوياء وكتَبة من الأمَناء.

ثانيا: نزِّهوا بيت العدل عن الحسابات السياسية الضيّقة، والرّسائل غير المظروفة وغير المتَنبرة فإن المتلاعَب به ضمائر وبصائر سوف تسألون عنها أمام الله الذي لا يخفى عليه ما تُكنّه السرائر إن الحكم إلاّ إليه والكلّ إليه سائر صائر.

ثالثا: أحيلوا الشعر والشعراء إلى محاكمات أدبية على غرار ما فعل اللبنانيون في السبعينيات وليكن القضاة من أهل الاختصاص حيث لا يعذَّب الشعر قراءة وتحليلا ولا يُبتَذَل تأويلا وتهويلا ولا يجَرَّم الشعراء تذييلا وتجهيلا.

رابعا: جنّبوا أروقة المساءلة عن مذلّة السؤال ومهزلة الابتزاز والاستغلال، فإن كان ولا بد فعلى أعتاب الأبواب عافانا الله وإياكم وأغنانا عما في أيدي الناس بفضله وجوده وكرمه.

خامسا: أريحونا وأريحوا أنفسكم والناس من مسرحيات هزلية اسمها دفوعات ومرافعات ومشاورات ومداولات إن كان الأمر قد قضِيَ، فلنا ما يشغلنا عن المهازل ولكم ما يغنيكم عن الفصول الثلاثة، فالواحد يكفي لإسدال الستار، ولن يشك في نزاهتكم واستقلالكم عاقل، وللمجتهد إن أخطأ أجر واحد لا أقل واجتهاداتكم مصيبة يشهد بها كلّ حابل ونابل أمس واليوم وفي قابل، في الخارج وفي الداخل. وفي الأخير إلى الله المشتكى هو وحده ناصر المستضعفين، لا ثقة لنا إلا برحمته وفضله، وحكمه وعدله، وقضائه وقدره وحلمه وحربه على من ظلم عباده المؤمنين فهو ناصرهم ولو بعد حين إذ لا عدوان إلا على الظالمين، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ومكر أولئك هو يبور ولله عاقبة الأمور، بعينه ما يقع لأحبابه حاشى يخيب من اعتمده وكيلا أو يضلّ من اتخذ هديه سبيلا أو يخذل من جعل المنعم عليه بالاستواء على صراطه المستقيم إماما ودليلا، وإنما العبرة بالخواتيم يبتلون وتكون العاقبة لهم. جعلنا الله وإياكم من المؤمنين الذين تكفّل الحق بالدفاع عنهم عاجلا أو آجلا، ممهِلا لا مهمِلا وجعلني بفضله وكرمه من شعراء ما بعد إلاّ مصداقا لقوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. صدق الله العظيم والصلاة والسلام على الصادق الأمين والحمد لله رب العالمين.