تقديم

ما من شك أن الفعل البشري، سواء الفردي أو الجماعي، لا يستقيم ولا يحقق مقاصده التي وجد لأجلها إلا إذا توافر له شرط العلم الذي يؤسسه، لأن العلم إمام العمل، وأقول بلغة أهل الأصول الكلام في الشيء فرع تصور جزئياته وتفاصيله المكونة له. كذلك الانتقال الديمقراطي لا يستقيم إلا إذا حصل العلم الأولي بتفاصيله وتحدياته ورهاناته وأسئلته، ولا يكفي لتحقيقه حصول العلم به فقط إن لم يتوافر لذلك العلم شرطين أساسيين هما “شرط الوضوح” و”شرط التوافق”. أما غير هذا فهو عبث، وحري بأفعال العقلاء أن تكون منزهة عن العبث.

تحدثت في مقال سابق في موضوع في شروط الانتقال الديمقراطي، وارتباطا بذات الموضوع سأتحدث في الحلقة الأولى من هذا المقال المعنون ب “في أسئلة الانتقال الديمقراطي”، التي أجملها في أربعة أسئلة وأولها سؤال العدالة الانتقالية. وفيما يلي تفصيل هذا السؤال من خلال رصده عبر ثلاثة مستويات:

– مستوى السياق.

– مستوى المقومات.

– مستوى المقاربة.

لا يجادل عاقل في أن الجواب العملي عن السؤال الحقوقي هو العنوان الأبرز لكل انتقال ديمقراطي حقيقي، بحيث يؤسس الاحترام والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وكرامته وحريته لجو من الثقة والوضوح والمسؤولية، ويكرس الإحساس والشعور العام بوجود انفصال حقيقي مع تلك المرحلة التي تشكل نقطة سوداء من تاريخ المغرب المعاصر، التي سميت بسنوات الجمر والرصاص أو مرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإلا فإن العيش فوق لهيب الاستبداد عموما هو مجموعة نقط سوداء لخط الزمن المغربي، لا تترك فرصة للقول بوجود نقط بيضاء. ولا يكفي الإحساس والشعور فقط حتى يصير ذلك الانفصال واقعا ماثلا مجسدا للعيان، ومحصنا ضد كل انتهاك سواء على المستوى القانوني أو المؤسساتي، لكي يطمئن الإنسان على سلامة الانتقال الديمقراطي.

دشن النظام المخزني في هذا العقد تجربة للعدالة الانتقالية أطلق عليها اسم “الإنصاف والمصالحة” لكنها كانت تجربة تميزت بالإخفاق على المستويات التالية:

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال التنمية الاقتصادية 5/4

على مستوى السياق

ونميز في هذا المقام بين نوعين من السياق:

السياق المجتمعي: حيث أن تجارب العدالة الانتقالية لا تأتي معزولة لأنها تدخل ضمن صيرورة مجتمعية محددة أبرز خصائصها هي “الدينامية التشاركية” لفعل الانتقال الديمقراطي، التي تشمل جميع مجالات المجتمع الحيوية بدون استثناء، إلا أن التجربة في الحالة المغربية افتقرت إلى:

– “مبدأ الشمول” الذي يسمح بمواكبة جميع المجالات لتجربة العدالة الانتقالية.

– و”مبدأ المشاركة” بانخراط جميع مكونات الشعب المغربي على اختلاف مشاربه الإيديولوجية والسياسية، وذلك لانفراد النظام السياسي بتدبير هذه المبادرة على غرار باقي المبادرات الأخرى سواء على مستوى التصور أو التنزيل.

كما افتقرت التجربة من حيث الموضوع إلى:

– “مبدأ المصالحة” بالقطع مع سلوكيات الماضي التي أنتجت سنوات الجمر والرصاص والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان (ملف الاعتقال السياسي والمحاكمات السياسية نموذجا).

– و”مبدأ المصارحة” حيث تم التغاضي عن مجموعة من الأسماء التي شكلت عنصرا فاعلا في سنوات الجمر والرصاص، وتم بالمقابل الاقتصار على الوقائع مما يعني عدم الكشف عن الحقيقة كاملة. وفي هذا إضرار كبير بمصداقية العدالة الانتقالية، وانتقاص من أهيمتها على نفس المستوى.

السياق السياسي: أما على المستوى السياسي فإن المفترض في تجارب العدالة الانتقالية أن تتم في إطار شروط سياسية جديدة متوافق عليها من قبل جميع مكونات المجتمع السياسية والمدنية والحقوقية، إلا أن استمرار نفس الشروط السياسية في الحالة المغربية والمتسمة بطابع هيمنة النظام المخزني سواء على مستوى “التأطير” أو على مستوى “التدبير” يجعل هذه الأخيرة فارغة من المضمون الحقيقي والفعلي للعدالة الانتقالية، ويحيل خلفية التجربة في الحالة المغربية على رهانين سياسيين أكثر منهما حقوقيين وهما:

– رهان داخلي متمثل في الرغبة في تميز ما سمي ب”العهد الجديد” عن سابقه، وإعطاء ملامح جديدة لهذا العهد بكونه يعبر عن “دولة الحق والقانون” وهو رهان فاشل بطبيعة الحال إلى حدود اللحظة بدليلين هما: استمرار نفس سلوكيات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستمرار نفس رموز انتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مواقعهم في هرم السلطة. ويحيل الرهان الأول على رهان ثاني يتمثل في محاولة امتصاص غضب الشارع والمكونات السياسية والمدنية والحقوقية والجمعوية وسخطها على سلبيات المرحلة السابقة.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي 5/5.. سؤال الهوية

– رهان خارجي متمثل في الرغبة في إعطاء صورة عن مغرب جديد وسط منظومة العلاقات العربية والدولية، لكن هذا الرهان نفسه عرف فشلا ذريعا جعل المغرب في بعض اللحظات في وضعية حرجة لا يحسد عليها.

التعاقد السياسي بين الحاكم والمحكوم على أساس الحق والواجب، وتأسيس تجربة للعدالة الانتقالية بكل مفراداتها ومقوماتها وجهان لعملة واحدة هي الانتقال الديمقراطي الحقيقي.

على مستوى المقومات

عرفت تجربة “الإنصاف والمصالحة” المغربية قصورا خطيرا مس بمصداقية التجربة ويتمثل ذلك في عدم استيفاء التجربة لكل المقومات الأساسية التي ينبغي أن تتوفر في تجارب العدالة الانتقالية وهي:

– مقوم المسؤولية الأخلاقية والقانونية: ومقتضى هذا المقوم هو اعتراف الجهات المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتقديمها للمحاسبة. إلا أن النظام المخزني تجاهل هذا المقوم الأساسي من مقومات التجربة، وتغاضى عنه بشكل خطير وذلك لاعتبارات سياسية أهمها استمرار الحضور المكثف “للأنظمة الرمزية” المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والثاني استمرار الحضور الفاعل “لرموز النظام” المسؤولة عن جرائم الماضي. الأمر الذي يعصف بتجربة العدالة الانتقالية وبالتالي يجعلها بعيدة كل البعد عن كونها مكونا من مكونات الانتقال الديمقراطي، ويفرغه بالتالي من مضمونه الحقيقي.

– مقوم الإصلاح المؤسساتي: المؤسسات الرسمية التي تعنى بالشأن الحقوقي لا تتوافر لها الشروط الأساسية للاشتغال السليم للأسباب التالية:

– السبب الأول: لكونها تخضع لإرادة فوقية على “مستوى التوجهات” وعلى “مستوى حدود الاشتغال”.

– السبب الثاني: افتقارها إلى سلطات حقيقية تمكنها من تفعيل مقرراتها.

– السبب الثالث: لكون الهيئات الحقوقية الرسمية لا تعرف تمثيلية جميع المكونات الحقوقية حيث “الانتقاء” الذي يحدد بالقرب والولاء، و”الإقصاء” الذي يحدد بالمعارضة والاختلاف هما المتحكمان في تركيبتها. وهذا الأمر مرتبط بتصور مسبق ومضمر للنظام السياسي المغربي للمسألة الحقوقية ينعكس في التعاطي السلبي مع الفعل الحقوقي والفعاليات الحقوقية.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال الطبقية والاحتقان الاجتماعي 5/2

على مستوى المقاربة

اتسمت تجربة الإنصاف والمصالحة على مستوى المقاربة بمنطقين أساسيين يجعل مصداقيتها موضع نقد ومساءلة:

– منطق ازدواجية المعايير: حيث المفترض في تجارب العدالة الانتقالية أن لا تأخذ بعين الاعتبار الحساسية السياسية في تعاطيها مع الضحايا، وهو المؤشر الحقيقي على وجود إرادة سياسية لطي صفحة الماضي. بيد أن التجربة في الحالة المغربية اتسمت بالازدواجية حيث تم إقصاء مجموعة من الملفات وعلى رأسها ملف معتقلي العدل والإحسان الاثنا عشر. مما يجعل التجربة بعيدة كل البعد عن المصالحة الحقيقية بين مكونات الشعب المغربي ومختلف فاعليه.

– منطق الاحتفال: لم يكن مقصودا من جلسات الاستماع التي عرفتها تجربة “الإنصاف والمصالحة” التأسيس الفعلي لمرحلة جديدة قوامها المصارحة والمصالحة لتفادي سلبيات الماضي بقدر ما كان المقصود هو الاستهلاك والاستثمار الإعلاميين لخدمة الرهانين السالفين الداخلي والخارجي. والدليل على ذلك هو:

– استمرار بعض الملفات معلقة لم تعرف طريقها إلى التسوية بعد، خاصة على مستوى التعويض وجبر الضرر المادي، في غياب الحديث عن الضرر المعنوي بطبيعة الحال المتمثل في الكرامة الآدمية وسنوات الحرمان من الحرية.

– المصير المجهول لتوصيات “هيئة الإنصاف والمصالحة”، التي لم تعرف طريقها بعد إلى أرض الواقع.

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على غياب الإرادة السياسية للتأسيس لانتقال ديمقراطي حقيقي. وبهذا الشكل تظل الذاكرة الجماعية شاهدة على منطق استمرارية ملامح النظام المخزني عوض منطق القطيعة.