إن أكبر تجل للانتقال الديمقراطي الحقيقي هو وضع المسألة الاجتماعية على سكة الانفراج للحد من الطبقية ووقف حالة الاحتقان الاجتماعي. بيد أن القبضة الأمنية للنظام المخزني، والسياسة الاحتوائية والتمويهية التي يعالج بها النظام السياسي ملف الطبقية والاحتقان الاجتماعي لا يمكنهما أن يمنعانهما من تصدر قائمة الأولويات. فمهما بذلت الآلة الإعلامية الدعائية المخزنية من جهد للترويج لنموذج تنموي اجتماعي، فإن ذلك لا يمكنه أن يقنع بفعالية الإجراءات المتخذة وجدواها. لذلك فلا المقاربة الأمنية الاستئصالية توقف مدهما، ولا المقاربة الاحتوائية التمويهية تفي بقطع أسبابهما. هذا على مستوى المقاربة، أما على مستوى المداخل فإن جميع الحلول تبقى غير ذات جدوى ما لم يتم اعتماد “مبدأ فصل السلطة عن الثروة” و”مبدأ التوزيع العادل للثروة” لمعالجة مشكل الطبقية والاحتقان الاجتماعي.

في هذه الحلقة الثانية من مقال “في أسئلة الانتقال الديمقراطي” نعالج موضوع الطبقية والاحتقان الاجتماعي من خلال ثلاث اعتبارات وهي: اعتبار أسبابه، واعتبار طبقاته، واعتبار آليات تأطيره.

الاحتقان الاجتماعي باعتبار أسبابه

من خلال استقراء جزئيات وتفاصيل الاحتقان الاجتماعي يتبين أن هذا الأخير يرجع إلى أربعة أسباب، منها ما هو مرتبط بفئات اجتماعية، ومنها ما هو مرتبط بمجموعات سكانية.

• أسباب مرتبطة بفئات اجتماعية

أ- الهشاشة والفقر: يشمل هذا السبب الفئات منعدمة الدخل أو الفئات ذات الدخل المحدود، وقاعدتها في اتساع مستمر وبسرعة كبيرة بسبب ارتفاع كلفة الحياة، الناتج عن الأزمة الاقتصادية العالمية، مما يؤدي إلى عدم القدرة على توفير الحاجات الضرورية وتأمين الغذاء. وفي مقابل ذلك نرى صمت الدولة وعجزها عن حماية هذه الفئة من المجتمع لفشل السياسات العمومية على هذا المستوى، وهذه معضلة خطيرة لأن تداعياتها تؤثر بشكل مباشر على الأمن الاجتماعي العام. تتواجد هذه الفئة في تجمعات سكانية على هوامش المدن وتتكدس في دور الصفيح. وكمثال على فشل السياسات العمومية على المستوى الاجتماعي فشل مشروع القضاء على مدن الصفيح في أفق 2008 الذي عرف إخفاقا كبيرا على مستوى وتيرته وفعاليته. في مقابل ذلك يتم تسريع وتيرة مشاريع كبرى لا تعتبر أولوية أمام تحدي الهشاشة والفقر (تي جي في نموذجا).

ب- العطالة: ويمكن التمييز بين عطالة “حملة الشواهد” وعطالة “اليد العاملة”.

بالنسبة لعطالة الشواهد: هذا المشكل الاجتماعي يثبت فشل الدولة على ثلاث مستويات هي:

– مستوى تعليمي: حيث أن الدولة بسياساتها التعليمية تخرج أفواجا من العاطلين لا يستجيب تكوينهم لمعايير الجودة والفعالية والتأهيل، وبالتالي يصعب اندماجهم في سوق الشغل بشكل سريع، كما أن وجود نوعين من التعليم بالمغرب، العمومي والخاص، يعيق هذه الإمكانية في وجه خريجي التعليم العمومي ولا يخفى ما في هذه الازدواجية من ظلم من حيث تكافئ الفرص.

– على مستوى ملائمة التعليم لمتطلبات سوق الشغل: حيث أن معظم التكوينات لا تستجيب لسوق الشغل، وهذا ناتج عن افتقاد الرؤية الإستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والافتقار إلى البنيات الأساسية والأطر الكافية لانجاز هذه المهمة.

– على مستوى التشغيل: عجزت الدولة عن توفير مناصب شغل لأطر كلفت ميزانية الدولة مبالغ هامة، ولم تستطع مع ذلك الاستفادة منها بالشكل المطلوب. ناهيك عن الطريقة التي يدبر بها ملف التشغيل، والتي تخضع لمنطق المحسوبية حزبيا أو عائليا، أو الرشوة لمن له القدرة على دفع مبالغ مالية كبيرة.

تتم معالجة هذه المعضلة من طرف المعطلين إما بالهجرة إلى الخارج حيث لا يتم الحديث عن “نزيف الأدمغة” من قبل الدولة، وتكتفي بالحديث فقط عن “الهدر المدرسي”، أو من خلال الاحتجاج في الشارع العام عبر مجموعات لا يخلو الشارع منها، وهي عنوان بارز على فشل منظومتي التعليم والتشغيل.

بالنسبة لعطالة اليد العاملة: ترتبط عطالة هذه الفئة من المجتمع بمبررات أهمها:

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي 5/5.. سؤال الهوية

– عدم وجود فرص للشغل: ويفسر هذا بغياب تصور عملي للاستثمار حيث تسود ثقافيا الرغبة في تكديس الأموال عوض استثمارها في مشاريع توفر فرص شغل لليد العاملة، وتدر الربح على أصحابها، أو تفضيل الاستثمار في مشاريع صغيرة ومتوسطة تضمن عدم المغامرة برأس المال. أما بالنسبة إلى الرأسمال الأجنبي فإن القيود والعراقيل الإدارية التي توضع في وجهه تدفعه إلى الرحيل إلى بلدان الجوار، لأن ثقافة الرشوة وسلوكها أصبحا متحكمين بشكل كبير في مراكز القرار الإداري، وهذه من أكبر المعيقات التي تحول دون تسريع عجلة الاستثمار في المغرب. علاوة على المعيقات الإدارية هناك النظام الضريبي بالمغرب الذي يفتقد إلى الصرامة اللازمة والشفافية المطلوبة.

– تدني الحد الأدنى للأجور: هذا الإشكال مرتبط بروح الاستغلال الرأسمالي لدى أرباب الشركات والمصانع، حيث يفضل رب العمل اليد العاملة النسائية على غيرها نظرا للحاجة الملحة التي تدفع المرأة التي تعول أسرتها إلى القبول بالأجر الزهيد، وأيضا لعدم قدرتها على الانخراط في نسق احتجاجي بحكم التزاماتها الاجتماعية وتخوفاتها من تهديد مصدر رزقها.

– غياب شروط مناسبة للعمل: يعرف القطاع الخاص بالمغرب فوضى وعدم هيكلة تجعله بعيدا عن المراقبة، وبالتالي عدم ضمان حقوق الطبقة العاملة، وغياب شروط سليمة للعمل خاصة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتعويض عن الحوادث وساعات العمل الإضافية، وغياب حوافز في الشغل، كل هذه الأسباب تدفع في اتجاه رفض الاستغلال من طرف رب العمل.

ت- اضطراب القدرة الشرائية: يرتبط هذا السبب بالفئات الاجتماعية محدودة الدخل، حيث أدى ارتفاع تكلفة الحياة الناتج عن التحولات الاقتصادية، واستقرار الدخل الفردي إلى صعوبة وعدم القدرة على ضمان وتوفير مستوى من العيش الملائم. وهذه الفئة تجسد المفهوم الجديد للفقر أو الأشكال الجديدة للفقر، خاصة على مستوى توفير السكن والتعليم المناسب للأطفال والخدمات بالأساس، وقد أدت التحولات الاقتصادية إلى إفقار هذه الفئة فاتسعت الهوة بينها وبين الفئات الغنية. غالبا ما تقابل هذه الفئة هذا الوضع باختلاق أنشطة موازية تمكنها من إحداث توازن في قدرتها الشرائية، أو تلجأ إلى القروض الاستهلاكية التي تشجع منطق الاستهلاك وتسهل سبله.

• سبب مرتبط بمجموعات سكانية

ج- التهميش والعزلة: امتدت الأطروحات الاستعمارية المتمثلة في التقسيم الجغرافي “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع” إلى السياسيات المجالية والاجتماعية لمرحلة ما بعد الاستقلال العسكري، حيث بدا واضحا الغياب التام لسياسات اقتصادية واجتماعية مندمجة تروم إحداث توازن بين مختلف الجهات بالمغرب، فتم التركيز فقط على جهات معينة في غياب الاهتمام بالمناطق النائية كالجهة الشرقية ومناطق الأطلس والريف، إذ لا زالت بعض المناطق تفتقر بشكل كبيير إلى الحاجات الأساسية لسير الحياة العادي من طرق ومدارس وكهرباء وماء صالح للشرب. مما يدفع بهذه الأخيرة إلى النزوح صوب الحواضر تتكدس في تجمعات سكانية على هامش المدن في ظروف مهينة للكرامة الآدمية ولا تراعي الشروط الإنسانية والأخلاقية. هذه الوضعية تهدد بانفجار خطير في المستقبل نظرا لاتساع قاعدة هذه الشريحة من المجتمع. لقد كان التقسيم الاستعماري مبني على أساس جغرافي لتمركز الخيرات المستهدفة من قبل الأطماع الاستعمارية الفرنسية، إلا أن المغرب في ظل الوضعية الحالية يخضع لتقسيم اجتماعي طبقي خطير بغض النظر عن تواجدها وتمركزها الجغرافي.

الاحتقان الاجتماعي باعتبار طبقاته

السياسات الاجتماعية لمغرب ما بعد الاستقلال العسكري لم تكن وفية لروح المواطنة، حيث فقرت المواطن المغربي عوض إغنائه وفاء وعرفانا لنضاله ضد الاستعمار. فبعدما تحرر المواطن المغربي من قبضة الاستعمار وجد نفسه في قبضة عدو أشد خطرا وفتكا هو الفقر المدقع. إن ما وصل إليه الوضع الاجتماعي هو نتيجة حتمية لسياسات عمومية فاشلة بدأت أكثر من خمسين سنة، زاد من حدتها الأزمات الاقتصادية التي يمر منها الاقتصاد العالمي ويتأثر بها المغرب بشكل مباشر أو غير مباشر، ناهيك عن احتكار الموارد التي تزخر بها البلاد وسوء تدبيرها. تلك السياسات الاجتماعية الفاشلة قسمت المغرب إلى طبقات أساسية يمكن رصدها شكليا من خلال بنية العمران في المغرب. كما تتحدد هذه الطبقات بمستوى الدخل والمستوى التعليمي. لكنها تتقاسم جميعها حالة الاحتقان بصيغة تناسب وضعيتها الاجتماعية، ويمكن أن نميز بين مستويين من الاحتقان “احتقان طبقي” عمودي تقوم فيه الثروة على مستوى غياب التوزيع العادل بدور مركزي، و”احتقان طبقي” أفقي تقوم فيه عوامل التنشئة الأخلاقية بدور كبير، كما يؤثر بدوره على التنشئة الأخلاقية في إطار علاقة جدلية بين الثروة والأخلاق. وهذه الطبقات هي:

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال التنمية الاقتصادية 5/4

– “طبقة المغرب المهمش”: التهميش الاجتماعي الذي يحدث احتقانا خطيرا لا يقل خطورة عن التهميش المجالي، ولعل هذه الطبقة تمثل القاعدة العريضة من سكان المغرب، لم تمنح لها فرصة عادلة لتلقي تعليم مناسب، ودخلها الفردي، المنعدم في بعض الأحيان، بالكاد يضمن لها الاستمرار وموقع أقدام تحت أشعة الشمس. هذه الطبقة الاجتماعية لا تحتج على وضعيتها مطلقا، بقدر ما تتفاعل داخل بنيتها الخاصة في إطار ما يسمى ب”أحزمة الفقر”. الحركة الاحتجاجية تفقد الكثير من قوتها لإهمالها هذه الفئة العريضة من الشعب. تعيش هذه الطبقة الاجتماعية وضعية نفسية خطيرة نتيجة الضغط الإقصائي الذي يمارس عليها اجتماعيا واقتصاديا، حتى أصبح الإقصاء جزءا ومكونا أساسيا في بنيتها النفسية، ولا تبحث إلا عن الحماية الجسدية، أما الحصانة النفسية المتمثلة في الكرامة الآدمية فإنها ممتنعة ما دامت وضعيتها المادية على ما هي عليه. تتميز هذه الطبقة بالعنف المادي كما تعرف هذه الأخيرة انتشارا خطيرا للجريمة والجهل والأمية والأمراض والأوبئة وسطها.

– “طبقة المغرب الكادح”: تلقت هذه الطبقة تعليما بكل سلبياته، وتحرز دخلا ماديا يتفاوت بحسب مستواها التعليمي، وبحسب الفرص الاقتصادية المتاحة لها، هذه الطبقة الاجتماعية من طبقات المغرب وهي شريحة وإن لم ترق على مستوى قاعدتها إلى طبقة المهمشين إلا أن تمركزها في تجمعات سكنية تتميز بالقرب يجعل منها كتلة منسجمة غير راضية على ذاتها، وفي إطار البحث الدائم والمستمر على وسائل تحقيق الرفاهية الممتنعة، خاصة على مستوى الاحتياجات الأساسية كالتعليم والتطبيب والسكن ووسائل النقل. هذه الطبقة موجودة في جميع أشكال الاحتجاج الاجتماعي لكن الروح الاحتجاجية لم تسري بعد في كامل أجزاء جسدها بسبب الانشغال الدائم بتحسين الوضعية، أو المحافظة على وضعية شبه مريحة نوعا ما، رغم أن هذه الفئة لها ميولات انطوائية بسبب الخوف على مصالحها إلا أن كل فرد من أفراد هذه الطبقة يعيش في إطار محيطه الاجتماعي الضيق تجربة احتجاجية خاصة تكون في بعض الأحيان الاحتجاج على الاحتجاج الاجتماعي العام نفسه من حيث إيقاعه وفعاليته.

– “طبقة المغرب المستبد”: هذه الطبقة من الطبقات الاجتماعية المستبدة بالثروة تعيش وضعا خاصا، وهي بطبيعتها منغلقة على ذاتها وهي في عمومها امتداد ثقافي ومادي مصلحي للغرب داخل المغرب. تتلقى هذه الطبقة تعليما غربيا في عمومها. تعيش هذه الطبقة احتقانا خاصا على مستوى بنيتها الداخلية بسبب “صراع المصالح”، وبسبب “صراع مراكز القوة” بشكل كبير. هذه الطبقة تعيش وضعا نفسيا قلقا جراء حرصها الدائم على استمرار وضعها المادي والاقتصادي على ما هو عليه وتستعين في هذا بطبقة أطلق عليها اسم “طبقة المغرب الذيلي” وهي إفراز مصلحي ل”طبقة المغرب الكادح”. تعيش هذه الطبقة وضعية مضطربة جراء تبعيتها ل”طبقة المغرب المستبد”، وتتميز هذه الطبقة بالقابلية السريعة لجميع الموبقات الأخلاقية بحكم حرصها على التقرب من طبقة “المغرب المستفيد” وخدمتها وبذلها في سبيل ذلك كل ما تملك من قيم المروءة والأخلاق. كما تعيش هذه الطبقة احتقانا خطيرا على المستوى الأخلاقي بسبب “صراع المواقع” فيما بين أفرادها.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال العدالة الانتقالية 5/1

تبقى جميع الطبقات سواء “المغرب المهمش” أو “المغرب الكادح” أو “المغرب الذيلي” ضحية طبقة “المغرب المستبد” التي تحتكر الثروة والسلطة معا دون عموم الشعب المغربي.

الاحتقان الاجتماعي باعتبار آليات تأطيره

يمكن حصر آليات تأطير الاحتقان الاجتماعي في ثلاث مستويات:

1- المستوى النقابي: رغم الضغط الذي تشكله الحركة النقابية في المغرب إلا أن هذه الأخيرة لم تصل بعد إلى المستوى الذي يمكنها من تصعيد نضالاتها من أجل أن تفرض على نظام الدولة التغيير في سياساتها الاجتماعية وذلك بسبب:

– بنية الحركة النقابية المتسمة بالتشرذم التنظيمي والتصوري الذي يستفيد منه المخزن في المقام الأول للإبقاء على الحركة النقابية ضعيفة وغير موحدة.

– أدوات الاحتواء والاختراق المخزنيين.

– ارتهان الأبعاد النقابية إلى الحسابات السياسوية.

– غياب التأطير النقابي الناتج عن انعدام الشفافية وبالتالي فقدان الثقة في جدوى العمل النقابي.

هذه الأسباب وغيرها تبقي على الحركة النقابية ضعيفة تجعل جل همها الصراع فيما بينها عوض توجيه الجهد وتوحيده ضد السياسات الاجتماعية للدولة. لكن مع هذا فإن الاحتجاج النقابي ينذر بتصاعد وتيرة الاحتقان الاجتماعي في صفوف الطبقة العاملة. والملاحظ أن هذا الاحتجاج يشمل عددا كبيرا من القطاعات الهامة في البلاد مما يدل على وجود أزمة حقيقية تمس جميع قطاعات المجتمع الحيوية، كما يدل على فشل الدولة في تدبير هذه الإشكالية وإيجاد صيغة توافقية للخروج من الأزمة.

2- المستوى الميداني: عرفت الآونة الأخيرة عددا هاما من المظاهرات الاحتجاجية الناتجة عن سياسات الدولة الاجتماعية خاصة في المناطق الشرقية والشمالية والجنوبية، ولعل هذه الاحتجاجات هي الأكثر خطورة والأكثر تهديدا لاستقرار البلاد، لعدم خضوعها لضوابط قانونية، حيث بلغ بهذه الاحتجاجات حدود التهديد بالهجرة الجماعية إلى دول مجاورة، أو الدعوة إلى إذكاء الروح الانفصالية خاصة في مناطق الشمال والجنوب. هذا النوع من الاحتجاج يهدد الأمن والاستقرار بشكل كبير. لكن النظام السياسي لا يتعامل بشكل جدي وبالمسؤولية المطلوبة مع هذه المؤشرات التي تسير في اتجاه التصعيد يوما بعد يوم، ويفضل في المقابل انتهاج سياسة النعام التي لا يجدي نفعا. تتأطر الاحتجاجات بشكل عفوي في المناطق البعيدة عن المركز، وتتأطر في جمعيات وتنسيقيات في التجمعات الحضرية.

3- المستوى الأخلاقي: لعل هذا النوع من التأطير الاحتجاجي لم يلق الاهتمام اللازم، وذلك لكونه يشتغل وفق منطق خاص يجعله بعيدا عن أضواء الإعلام ورقابة المجتمع، إلا ما كان من التفاتات إعلامية من حيث كونه ظاهرة من ظواهر المجتمع وليس شكلا من أشكال الاحتجاج الاجتماعي. وهو في نظري لا يقل خطورة عن سابقه لأنه متعلق بقيم المجتمع، حيث إن فئات عريضة لا تحتج على المسؤول المباشر عن وضعيتها المتمثل في جهاز الدولة ونظامها وسياساتها، بقدر ما تحتج على المجتمع بالانتفاضة على قيمه ومثله التي تشكل جوهر بنائه واستمراره، وهنا تكمن خطورة هذا النوع من الاحتجاج، حيث يتم نسف المجتمع من أسسه، وهذا مقصود من قبل جهات متعددة تتقاطع مصالحها على هذا المستوى، وهو نتيجة حتمية لسياسات التفقير والتهميش.

ولعل أبرز تجلي لهذا النوع من الاحتجاج هو محاولة القضاء على الفقر بطرق غير مشروعة كالسرقة وتجارة المخدرات والمتاجرة في الأعراض البشرية، حيث إن عددا مهما من الأسر المغربية تعيش على هذا النوع من الأنشطة، الذي يفضله البعض لأنه وسيلة سهلة للاغتناء السريع. والأخطر في هذا الأمر هو سكوت الدولة عن هذا النوع من الاحتجاج، بل نجدها تشجعه من خلال إغماض العين عن تورط مجموعة من الشخصيات في تجارة المخدرات، إلا ما كان في إطار تصفية الحسابات، وتكوين شبكات الدعارة والمتاجرة بها في الداخل والخارج، وجعلها وسيلة من وسائل الاستقطاب السياحي من قبل المنعشين السياحيين.