قبل اثنتين وعشرين سنة، أي منذ 30 دجنبر 1989 أقدمت السلطات الأمنية -وكعادتها- تطبيقا لتعليمات فوقية على فرض الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان، في محاولة بئيسة يائسة لاجتثاث تنظيم استعصى على التطويع والتدجين. وبعد أقل من أسبوعين، 13 يناير 1990، تم اعتقال مجلس إرشاد الجماعة والزج به في السجن بعد محاكمة صورية سنتين حبسا نافذا.

لقد حسب النظام أنه بإجراء كهذا سيُجْهز على تنظيم تتنامى شعبيته باطراد، ولم يدر، وأنّى له ذلك، أنه “أسدى” إلى الجماعة خدمات جليلة. فهو من جهة، أكد صدقية مشروعها التغييري وجديتها، أتت ثماره الدعوية مباركة طيبة، إذ توافدت على الجماعة خلال السنتين، 1990/1992، أفواج هائلة فاضت بهم المحاضن الدعوية، اضطُرت معها الجماعة غداة إكمال أعضاء مجلس الإرشاد مدة محكوميتهم لرفع شعار مرحلي: “التكوين المتكامل والتوسع المتوازن”. ومن جهة أخرى أسهم حبس القيادة في بروز جيل من القياديين الشباب تمرسوا على المسؤولية في الميدان واكتسبوا خبرة التسيير والتخطيط في أصعب الظروف، هم اليوم، بحمد الله، أوتاد الجماعة ومسؤولوها. وصدق الله العظيم إذ يقول: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

إن المتتبع لشأن جماعة العدل والإحسان يندهش لمسارها، فما أعظم الفرق بين جماعة محاصرٍ مرشدُها معتقلٍ أعضاءُ مجلس إرشادها مستضعفةٍ تخاف أن يتخطفها المخزن، وأن يجلب عليها بخيله ورجله، وبين جماعة تبوأت صدارة المشهد السياسي المغربي وغدت رقما صعبا في المعادلة السياسية. ولو امتلكت السلطة الجرأة وأخبرت الشعب بما تكلفها الجماعة من جهود وأموال تتبعا لأنشطتها ورصدا لتحركات أعضائها وتشويشا على مشروعها ومواقفها باستئجار أقلام تكتب وتحلل تحت الطلب لتبين حجم الجماعة ووزنها الاعتباري، علما أن المخزن موقن بخطها السلمي النابذ للعنف فكرا وسلوكا وتعاملا. ولعلها موافقة عجيبة وإشارة قدرية لطيفة أن تتزامن ذكرى الحصار مع حدث زلزل المشهد السياسي حيث قررت الجماعة توقيف نشاطها الاحتجاجي في إطار حركة 20 فبراير. حدث طفا بالجماعة على سطح الأحداث وتصدرت عناوين الصحافة الوطنية منها والدولية، وهيأ فرصة مواتية لتقييم وزن الجماعة وأدائها العام وفي مختلف ميادين اشتغالها ومجالات اهتمامها.

وتنويرا للرأي العام وتصحيحا لمغالطات المغرضين نقول على سبيل التقييم:

– لقد نجحت الجماعة -توفيقا من الله تعالى- في تثبيت نهج تدافعي غير مسبوق، وأضحت نموذجا متميزا تجاوز إشعاعه حدود المغرب؛ نهج متوازن يزاوج بين تربية الأعضاء بناءً للعامل الذاتي المتمثل في تزكية النفس تخلصا من القوادح السلوكية واكتسابا لشعب الإيمان، وبين تأهيلهم امتلاكا للمعارف والعلوم والمهارات التدبيرية والتواصلية، وغدت الجماعة ملاذا تربويا وفاعلا سياسيا يصعب تجاوزه. نهج متميز يُحْرج المخزن، لأنه يجمع، تدافعيا، بين الوضوح وقوة الموقف، ويتأسس على قراءة متبصرة للواقع السياسي المغربي، ويتبنى الرفق واللين في مواجهة الأسلوب القمعي التعنيفي للسلطة. وودَّ ـ النظام ـ لو تجنح الجماعة نحو العنف أو تسقط في ردود الأفعال، فتفقد ثقة الشعب ويسهل عليه حينها التنكيل بها وتصفيتها كما هو دأبه مع الخصوم.

ـ تتميز الجماعة بحيوية مؤسساتها وانتظام عملها، رغم التضييق وظروف الاستثناء التي تعمل فيها، لم تتوقف أنشطتها، وكلما زاد حدة التضييق المخزني ابتكرت الجماعة أساليب جديدة تتجاوز بها الحصار؛ وكلما اعتقد النظام أنها انحسرت وعزلت يُيَسر الحق سبحانه فرصا تترسخ من خلالها مكانتها في المجتمع. وتكفي الإشارة ـعلى سبيل المثال لا الحصرـ إلى حيوية وتفاعل المجلس القطري للدائرة السياسية المختصر في “مقدس” الذي عقد دورتين استثنائيتين لمدارسة الموقف من استفتاء فاتح يوليوز وانتخابات 25 نونبر؛ بذات النَّفَس والحيوية تشتغل المؤسسات التربوية والتكوينية/التدريبية دون أن تتأثر بحدث طارئ -الحراك نموذجا- أو حملة تضييق مخزنية، مثلما تشتغل المؤسسات القطاعية نقابية كانت أو نسائية أو شبابية أو مكاتب دراسات متخصصة.

ـ حيوية المؤسسات تترجم ميدانيا في توسيع قاعدة الوافدين على الجماعة وتوسيع دائرة المتعاطفين وتقليص عدد المناوئين أو المتحاملين عليها جهلا أو تضليلا. ولعل الحراك خلال شهوره العشرة وضح بالملموس قوة الجماعة التواصلية مثلما أبرز الطاقة التنفيذية والانضباطية لأعضائها، وهو ما يُعتبر أحد المكاسب الحقيقية لانخراطها في حركة 20 فبراير.

ـ قاومت الجماعة كل وصفات التضييق والاستهداف التي مارسها النظام لكبحها أو تليين مواقفها، واكتسبت بثباتها واستماتتها مناعة، بل كسرت الحصار وطوق العزلة، وانتقلت من مستوى تثبيت الصف وامتصاص الضربات إلى مستوى الفعل والتأثير والإشعاع وصناعة الرأي، فأسهمت بمواقفها وحضورها وقوتها الاقتراحية في كشف بوار مقاربات “الإصلاح” المخزنية وإفلاس نظرية التغيير من داخل المؤسسات.

ـ إن الحراك أبان خلال شهوره العشرة نجاعة خطاب الجماعة وقدرتها على تعبئة الشارع، جاءت نتائجه سريعة مجسده في تواضع نسب المشاركة في محطتي استفتاء فاتح يوليوز وانتخابات 25 نونبر، ما يدل على تنامي منسوب الوعي الشعبي الذي أسهمت الجماعة مع مكونات مجتمعية وفئات شعبية واسعة في بلورته من خلال حركة 20 فبراير.

في كلمة واحدة، الجماعة اليوم ملاذ تربوي يتميز بالوسطية والاعتدال، وملاذ سياسي وقوة اقتراحية قد تسعف للخروج بالبلاد من النفق المسـدود؛ ولا عجب أن تحظى مواقفها السيـاسية -الأخيرة نموذجا- بكل هذا الاهتمام الكبير بدءً من الانخراط في حركة 20 فبراير ومرورا بموقفيْها من الاستفتاء والانتخابات ونهايةً بقرار توقيف أنشطتها في حركة 20 فبراير.

تتوالى الأعوام وتزداد معها الجماعة تميزا، وتنكشف معها مخططات النظام ونواياه الرافضة لأي إصلاح حقيقي، وبفشل وإفلاس مقارباته الأمنية تضيق عليه فرص المناورة مع تنامي الوعي الشعبي بحقه في حياة كريمة غير مخدوشة. ألا وإن غدا لناظره لقريب، ويومها يُعانق المُستضعفون المقهورون المُجهّلون المُفقّرون الحرية -كغيرهم من شعوب الأرض- ويتنسمون عبق العزة والكرامة.