في البداية:

صنع توقيف جماعة العدل والإحسان لمشاركتها في حركة 20 فبراير الحدث، كما صنعته مشاركتها من قبل، إلى حد اعتبار كثير من الملاحظين أنها بداية العد العكسي لتأثير الحركة في الشارع بعد أن هزته طيلة الأشهر العشرة الماضية. لقد كان حدث خروج الجماعة من الحركة دون الحراك وبالشكل الذي عبر عنه بيانها المتعلق بهذا الصدد، وبالنظر إلى التوقيت الذي جاء فيه بعد مرور كل هذه المدة، حافلا بالاستنتاجات والملاحظات التي نسجل بعضها في البداية:

1- التأثير القوي للجماعة في مجريات الأحداث سواء من داخل الحركة أومن خارجها، وحضورها كفاعل قوي لا يمكن لأي طرف تجاوزه سواء النظام أو باقي الفاعلين السياسيين.

2- تفنيد ادعاء ركوب الجماعة على الحركة، بحيث اتضح أنها كانت حاملة لها أكثر من أي طرف آخر ولم تكن راكبة عليها.

3- تغليب المصلحة العامة للحراك الشعبي، والذي تجلى في تحمل حملات القمع والتشويه المخزني الذي نالت الجماعة منه أوفر نصيب، وكذلك في تحمل اتهامات بعض الأطراف من داخل الحركة وعدم الرد عليها.

4- الوضوح التام في عمل الجماعة دون التفاف أو مراوغة، وهو في حد ذاته مظهر قوة وشجاعة، عكس بعض الأطراف التي لمسنا خروجها عمليا من الحركة دون أن تتجرأ على إعلان ذلك رسميا.

5- التأني والتؤدة التي تطبع عمل الجماعة، حيث أنها منحت الكثير من الوقت لإصلاح الاختلالات التي لاحظتها على الحركة، ولم تقرر الانسحاب إلا بعد أن تبين لها أن الحركة بالشكل الذي صارت عليه قد أدت ما عليها، ووصلت إلى سقف ما يمكن أن تعطيه، وأصبحت أداة كبح للتطلعات الشعبية دون أن تكون إطارا حركيا تتفاعل وتتطور داخله مطالب الشعب المشروعة.

6- الجدية ونشدان الإحسان في كل شيء، وهو ما تجلى في طريقة عمل شباب الجماعة داخل الحركة، وما قدمته من تضحيات ونكران للذات، إلى حد اعتقد معه كثيرون أنه لا يمكن فك الارتباط بينهما.

في السياق:

يضع البيان قرار التوقف عن المشاركة في حركة 20 فبراير في سياق “موجة التغيير التي عرفتها الأمة” أو ما اصطلح عليه “بالربيع العربي”، الذي سعى البعض منذ بدايته إلى وضع الحواجز والعراقيل التي تحول دون وصوله إلى بلادنا تحت مقولة “الاستثناء المغربي”، رغم أن الفساد والاستبداد عندنا يحسب بالقرون وليس فقط بالسنوات. لكن الرغبة في التغيير كانت أقوى من كل العوائق، ووصل الحراك إلى البلد تتزعمه فئة من الشباب الساعي إلى التخلص من الموروث الاستبدادي، وعلى هذا الأساس التغييري انخرط شباب الجماعة فيه كما يصف البيان “منذ اليوم الأول بنكران ذات، وبذل وتضحية، وفق ضوابط ظلت تؤطر هذا الانخراط”، لكن عوض أن يتخذ سياق الأحداث المنحى الذي يسير به في اتجاه الضغط الشعبي لتحقيق التغيير الحقيقي، تضافرت عوامل كثيرة جعلت الموجة الشعبية التواقة إلى التغيير تصطدم بأسقف معينة أفقدتها حتى القوة التي عرفتها انطلاقة الحراك، فضلا عن أن تساعد في السير قدما نحو آفاق واسعة للتغيير، وبذلك توقف السياق المتصاعد عند نقطة محددة جعلت الوضع يتسم بنوع من الرتابة المنذرة بالأفول، فكان لا بد من اتخاذ موقف جديد يغير السياق ويضخ دماء جديدة في الحراك الشعبي، ويبدو أن ذلك لم يكن ممكنا من داخل الحركة بالنظر إلى كونها أصبحت “حافلة” بشركاء غير تشاركيين.

في المبادئ:

يؤكد البيان على أن انخراط شباب الجماعة في حركة 20 فبراير قد تم وفق مبادئ وضوابط مؤطرة حددها في “التشاركية والسلمية والاستمرارية والجماهيرية”، وهي مبادئ متماشية مع منهاج عمل الجماعة ككل، لذلك كانت من أول الداعمين للحركة على هذا الأساس، وبالتالي فإن كل اختلال في هذه المبادئ المعلنة داخل 20 فبراير، لا بد أن يكون له انعكاس على موقف الجماعة، وهو ما ظهر فعلا بعد مدة من انطلاق الحراك. كما يشير إلى ذلك الناطق الرسمي باسمها السيد فتح الله أرسلان في إحدى حواراته بعد الانسحاب من الحركة إذ يقول: دخلنا إليها -أي الحركة- ونحن نؤمن بالعمل الجماهيري والمشترك، وعدم رفع شعارات تهم أي فصيل من الفصائل.. غير أننا لا نخفي أننا وجدنا صعوبات داخل الحركة، من قبيل محاولة أطراف إما فرض سقف معين على 20 فبراير، أو فرض شعارات معينة تلائم توجهها هي .ولقد حاولنا أن نصبر ونتجاوز هذه الصعوبات، وأعطينا فرصة للزمان والوقت حتى ندخل جميعا في مرحلة العمل المشترك الحقيقي التي تراعى فيها مصالح كل الأطراف، بل مصالح الشعب في الدرجة الأولى، لكن أعتقد بأننا شعرنا بأن مسألة العمل المشترك لم تنضج بعد”. وبالتالي كان لا بد من اتخاذ موقف إما بالمحافظة على استمرارية العمل داخل الحركة والتنازل عن المبادئ الأخرى التي شكلت المنطلق، أو التوقف حتى تنضج شروط العمل المشترك خاصة أن مسألة الاستمرارية في عمل الحركة، قد أصبحت شكلية بالنظر إلى وقوفها عند مستويات معينة، وعدم تجاوزها إلى مكاسب أخرى في مسلسل التغيير توازي ما يقدم من تضحيات.

في المطلب:

يوضح بيان الجماعة أن الهدف الذي انخرط من أجله شبابها في الحركة هو تغيير حقيقي ينطلق من “تقوية العمل المشترك وتعزيز الثقة وتوجيه الجهود إلى أصل الداء: الاستبداد المخزني المستأثر بالثروة والسلطة”. وهو المطلب الذي أصبح من الصعب على الحركة بلوغه بعد الوضع الذي صارت إليه، خاصة مع تمكن المخزن من الالتواء والالتفاف على مطالبها، والدفع بخندقتها في مسالك ضيقة لا تساعد على تحقيق المطلوب، مستعينا في ذلك بسلوكات بعض الأطراف داخلها، والتي أصبحت تقدم للمخزن ضمانات للبقاء سواء عن وعي أو من دونه، مما أشعره بنوع من الاطمئنان على مستقبل الحراك وجعله يستغله كفضاء للتنفيس و”الفضفضة” بشكل دوري في الشارع تحت مظلة محددة وسياج مرسوم لا يخرج عنه، وهذا ما يفسر تصريح الناطق الرسمي باسم الجماعة عندما يقول عن حركة 20 فبراير: “أنها أصبحت بالنسبة إلينا مجالا محصورا جدا وضيقا والتحرك فيه صعب، ونحن نريد الخروج إلى فضاء أوسع وأرحب حتى نشارك مع الشعب في التغيير بطرق أوسع”.

في الوسيلة:

لقد كان البيان متوازنا عندما حدد مجموعة من الإيجابيات التي تولدت عن هذا الحراك الشعبي، وفي الوقت نفسه انتقد الوضع الذي آل إليه إطار حركة 20 فبراير، الذي لم يعد قادرا على استيعاب هذا الحراك المتنامي. وذلك في إشارة واضحة تنبئ عنها صياغة البيان بكون الحراك كان إيجابيا أكثر من الحركة نفسها، إذ يقول في فقرتين متتاليتين:

“وقد حقق هذا الحراك، بفضل الله تعالى، الكثير من النتائج منها كسر حاجز الخوف وسط عموم الشعب، واسترجاع الثقة والأمل، وامتلاك الشارع للمبادرة، وإطلاق سراح بعض المعتقلين، وبعث حركية جديدة في المجتمع، وكان من تجليات ما ذكر النجاح الباهر لحملات مقاطعة الاستفتاء والانتخابات، والفشل الذريع لكل المبادرات المخزنية الالتفافية”. ثم يستدرك بالكلام عن الحركة وما عرفته من سلبيات من قبيل:

1- الإصرار على الاستمرار في سقف معين للحركة بشكل أصبح يقتل مسار حراك الشارع ويكبح جماح قواه الحية، رغم تطور هذا المسار ووصوله إلى مستوى لم يعد مقبولا معه فرض أي وصاية عليه.

2- استغلال المخزن لحركة الشارع في الحدود المرسومة لها للتنفيس عن الاحتقان الشعبي المتراكم كما سبق ذكره.

3- رفع بعض الأطراف لورقة الحركة فزاعةً في وجه خصوم وهميين، الشيء الذي قد يصرف الأنظار عن الخصم الحقيقي الذي قامت الحركة من أجل إسقاطه ألا وهو الاستبداد ووجوهه المبغضة من الشعب.

4- ظهور بعض الأصوات داخل الحركة وهي تكيل الاتهامات وتبث الإشاعات التي تسمم أجواء العمل، وقد كان نصيب الجماعة من ذلك أكثر من غيرها من المكونات، خاصة مع المرونة التي أبانت عنها في التعامل مع الأطراف الأخرى التي استغلت ذلك بشكل سلبي.

5- العمل على تغييب الهوية الإسلامية للشعب المغربي من طرف بعض أطياف الحركة، ومحاولة صبغها بلونها الإيديولوجي، وهو الأمر الذي لم يكن بإمكانها أن تقدم عليه لولا اعتقادها الخاطئ، بكونها أصبحت تشكل غطاء لا غنى عنه للحركة، وأنها تمدها بنوع من الشرعية أمام السلطات المحلية والدولية، التي قد لا تتوفر، في تقديرها، للتنظيم الإسلامي المشارك معها، وبالتالي لم تتوقع أي معارضة من أي طرف.. والواقع الذي تؤكده كل الثورات العربية والعالمية على مر التاريخ، أن الأساسي هو الشرعية الشعبية، وما يعززها في الحالة العربية هي الرصيد المهم الذي تمتلكه الحركة الإسلامية اليوم، وهو الكفيل بالضغط لتغيير الأوضاع المحلية والمواقف الدولية.

وبناء على ما سبق ذكره وغيره لم تعد الوسيلة أو العنوان الذي حملته حركة الشارع المغربي فضاء ملائما لتحقيق مطالبها المشروعة وطموحاتها في التغيير المنشود.

في النتيجة:

وباستحضار البيان للتحول الذي عرفه سياق الأحداث المصاحبة للحراك الشعبي، وعدم التزام أطراف مشاركة فيه بالمبادئ المؤطرة لهذه المشاركة، مع ورود عوامل كثيرة بدأت تزيغ بالحراك عن مطلبه الأساسي، وتبعثر الجهود في معارك هامشية، إضافة إلى إصرار البعض على فرض شروط لا تساعد على حرية الحركة داخل إطار 20 فبراير، مع تضخم الهالة المحيطة بالوسيلة على حساب الغاية المطلوبة، كانت النتيجة التي توصلت إليها الجماعة، هي توقيف انخراط شبابها في حركة 20 فبراير كعنوان مؤطر للاحتجاجات، مع التأكيد على مشروعية مطالب المحتجين، والاستمرار في دعم المطالب الشعبية مع الداعمين من مختلف القوى التغييرية.

في الختام:

أكدت تجربة “حركة 20 فبراير” بما لها وما عليها، الضرورة الملحة لأمر في غاية الأهمية ما فتئت تدعو إليه “جماعة العدل والإحسان” وتؤكد عليه، وهو ما ختم به البيان دعواته للرأي العام، وذلك بدعوته