العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا

عُرفت جماعة العدل والإحسان بمبادرات سياسية متميزة أثارت نقاشا واسعا ومحاولات متعددة للفهم، ولم يبخل أبناؤها، على الرغم من الحصار المضروب عليها، في بيان مرادهم والكشف عن أفق مشروعهم. ولاشك أن معضلة التحالف القروني (المعضلة هي كل مسألة مشلكة على الحل من كل وجه) بين منطق الاستبداد القروني ومنطق التبرير المصلحي، لما لها من عمق ديني وتاريخي، تشكل عائقا كبيرا وأساسيا لحركية الجماعة.

وقد كان الحدث الأخير المتعلق بتوقيف مشاركة الجماعة في حركة 20 فبراير مناسبة للسؤال عن مقاصد هذه الحركة وأهدافها.

ودون الخوض في تفاصيل حراك 20 فبراير طيلة العشرة أشهر الفائتة، يكفي أن نذكر أن المعضلة في تدبير هذا الحراك تتعلق بمحاولات فرض سقف على حركة الشعب المغربي مرتبط بمستقبل أجياله القادمة، كما تتعلق بعدم الرضوخ لمنطق الأحجام الحقيقية لكل مكون من المكونات الداعمة له، ومن ثمة يبدو أننا في حاجة دائمة إلى التذكير بأن معضلة العمل السياسي في المغرب تكمن في الغموض المهيمن عليه بسبب التحكم القروني عبر منطق معين في الحكم وفي بناء التفكير وإنتاج الفكر السياسيين.

من هنا أود أن أخرج بالقارئ الكريم من سجن التفاصيل، وهي ضرورية كمعطى موضوعي، إلى أفق التحليل الذي يفكك أصول المعضلة ويقتحم أساسات العملية السياسية في المغرب ليكشف عدم جدواها، ذلك أن مشروع العدل والإحسان يعتبر من أهم وظائفه أن يدفع بهذه العملية إلى أفضل مستويات الاستقامة والوضوح على قواعد الحرية والكرامة والعدل.

ومن هنا ينبغي الانطلاق من مسلمة قائمة: إن جماعة العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا ولن تتحول إلى حزب سياسي (وهذا لا يمنعها من تأسيس حزب سياسي) ومن ثمة لا تنطبق على سلوكاتها السياسية قواعد تحليل الظواهر الحزبية كما تعرفها المناهج السائدة. ولاشك أن كل من انطلق من هذا المعطى العلمي يستطيع أن يحصل فهما لحركية العدل والإحسان السياسية التي هي جزء مضبوط وواجب من ضمن شمولية حركة مشروعها الكبير من خلال “علم المنهاج النبوي” الذي يوفر كفاءة علمية متجددة وهائلة مكنت الجماعة من قوة فكرية اقتراحية وزخم سياسي كبير ومرونة واضحة وصرامة قوية اتجاه المبادئ عند تفاصيل الحراك المجتمعي والسياسي.

إننا بكل موضوعية أمام تجربة جديدة ومتجددة في العمل المجتمعي والسياسي مازالت عصى القمع والحصار تحجبها عن الشعب وعموم النخبة.

العدل والإحسان وضرورة تفكيك التحالف القروني

قد يتساءل البعض: نحن فقط أمام مسألة توقيف المشاركة في حركة 20 فبراير، فلماذا رفع سقف الخطاب إلى حد الحديث عن “علم المنهاج النبوي” و”التحالف القروني”؟

الجواب: إن “علم المنهاج النبوي” يورث فهما وفقها ووعيا وسلوكا تشكل فيه الحالة الجزئية تًجليا واضح للحالة الكلية دون أي مستوى من التعارض والتناقض والغموض. ولذلك لن يجد الباحث الجماعة في حالات حركية ومواقف جزئية غير منسجمة مع ما تدعو إليه من مشروع لتحرير الأمة من قبضة الاستبداد وفتح أفق الحرية الحقيقية لتختار مسارها التاريخي الشامل على أساس الوضوح والمسؤولية.

ولذلك فدعم حركة 20 فبراير مسألة مبدئية، وبما أن الأمر يتعلق بمسار التغيير والإصلاح في المغرب فليس دعما أعمى، وإنما يخضع لعملية تقييم وتقويم مستمرة بناء على علاقته بأفق الحرية الحقيقية للشعب المغربي على أساس مرجعيته التاريخية والمصيرية.

إن جماعة لا تتوقف عن معالجة وتقويم وتقييم حركتها الداخلية وفق قواعد واضحة لن تتوانى في تقييم وتقويم حركتها الخارجية بما يخدم مصلحة الشعب المغربي في الحرية والكرامة والعدل، وإن سعتها الفكرية تجعلها منفتحة على كل مبادرة جدية تروم التغيير الجذري والإصلاح الحقيقي. والربط هنا بين التغيير والإصلاح ليس عبثيا، بل مرده إلى المعنى الذي يوفره مشروع العدل والإحسان لدلالات التغيير على قواعد الرفق والرحمة والحكمة ورفض العنف مطلقا، ومن ثمة لم تكن ولن تكون الجماعة تنظيما حديديا كما يريد أن يصورها البعض، وإنما هي تجل لحركة مشروع ضخم وكبير يغطي كل ميادين الحياة ومجالات الحركة.

ولذلك وفرت السعة الفكرية لمشروع العدل والإحسان كفاءة تحليلية كاشفة عن المدخل الفكري السياسي للشروع في بناء عالم الحرية الحقيقية للشعب المغربي، كما وفرت إمكانية هائلة في تحليل الواقع بكل تفاصيله ومجالاته وأبعاده المحلية والإقليمية والدولية. ومن ثمة لن ينفتح الشعب المغربي على الحرية الحقيقية ما لم تنجز عملية اجتهادية فكرية كبرى تتجلى في الكشف عن حقيقة التحالف القروني بين منطق الاستبداد والفساد وبين منطق التبرير الفقهي الأصولي الذي يؤطر كثيرا من نخبة الفكر، وفي نفس الوقت تنجز حركة مجتمعية هائلة تزحف على أركان الاستبداد والفساد وتقوضها وتحاصرها على قواعد الرحمة والرفق حتى إنجاز واقع الحرية الكامل.

إن العمليات التاريخية التي تشكل حلقات ومحاور التحول التاريخي في مسار الأمم والشعوب لا تعير انتباها إلى أي فعل مهما كان حجمه ما لم يكن جزءا من هذا المسار الضخم والعظيم، ومن ثمة فحاملو المشاريع الكبرى لا تغريهم لحظات إصلاح جزئي، ولا تسيل لعابهم حكومات شكلية قد تجعل جميع العالم ينظر إليهم عبر شبكات وشاشات الكون الإعلامية.

لذلك تقتضي اللحظة والمسؤولية التاريخيتان أن يتجه التحليل العلمي إلى اتخاذ الموقع والموقف المناسبين تجاه حركة الاستبداد والفساد ضمن تفاصيل الحياة المجتمعية والسياسية من خلال بناء قواعد علمية وعملية رافعة لمشروع الحرية الحقيقية.

إن انتخابات 25 نونبر 2011 كرست هذا التحالف وفق إرادة سياسوية، حيث الحاجة ملحة إلى إبراز الإسلام الرسمي متكئا على منطق حركي يبرر مصلحة البقاء على نمط معين في الحكم على “مفسدة” التغيير، ولاشك أنها مفسدة متوهمة، إذ ستحور التدافع المجتمعي إلى معارك وهمية وغير مجدية؛ من قبيل المواجهة بين إسلام في الحكومة وليس في الحكم، وبين ديمقراطيين حداثيين، مما يكرس صراعا فوقيا لا يمس جوهر التحولات المجتمعية والفكرية والسياسية التي تحصل وتحدث في عمق المجتمع المغربي ويحاصرها بطريقة قد تجعل منها بركانا هداما كما حدث ويحدث في كثير من الدول العربية.

ومن هذا المنطلق ينبغي فهم مشاركة العدل والإحسان في حركة 20 فبراير وتوقيفها، ذلك أن الحراك الفوقي عامل تمويه قوي لحركة التدافع والصراع المجتمعيين، وهو ما يفرض ضرورة وجود قيادة مجتمعية للتغيير تدرك كيف تحافظ على عامل التوازن والاستقامة لنهضة المجتمع وتدفعها في اتجاه التموقع المناسب في عملية البناء الكلية، لأن حركة الشعوب ليست أجزاء مبعثرة، بقدر ما هي سياق متكامل ومتسق تتجمع فيه عطاءات الفاعلين إلى أن يصل إلى مداه الإيجابي وأفقه الصحيح الواضح.

ولذلك وجب تفكيك العلاقة القائمة والمراد تأبيدها بين هيمنة تحالف الحكم الاستبدادي والمنطق التبريري الفقهي الأصولي الذي يقود كثيرا من الفاعلين في الحركة الإسلامية من علماء ومثقفين ومفكرين وسياسيين، ذلك أن تفكيك هذه العلاقة يكشف ضعف وهشاشة وتخلف كل منهما، ويعبر عن الحجم الحقيقي لكل طرف من طرفي التحالف.

هكذا ندرك أن سقف النضال والحراك المجتمعيين لاينبغي أن يسجن تحت سقف هذا التحالف بما هو مصدر أساس في التخلف الشامل الذي تعاني منه الأمة، وينبغي أن يشتغل هذا الحراك على قاعدة المرجعية التاريخية والمصيرية للشعب المغربي من خلال تجديد العلاقة معها على قواعد علمية وسلوكية جديدة وشاملة.

فلا بد من بناء عملية اصطفاف مجتمعية وسياسية تؤمن واقع التدافع والصراع على وضوح ومسوؤلية.

ربما يقول البعض أين المطالب الاجتماعية من هذا السقف المرتفع من التحليل؟

الجواب: إنك حينما تكون تحت قبضة هذا النوع من التحالف يصبح المطلب الاجتماعي سياسيا بامتياز، ومن ثمة يكون التدافع والصراع مفتوحين ومنفتحين على كل الواجهات وتكون وظيفة القيادة المجتمعية للتغيير والإصلاح كامنة في تحقيق التموقعات المناسبة لبناء استراتيجية النهوض المجتمعي الشامل التي ترقى بالوعي والإرادة الفرديين والجماعيين إلى مستوى إنجاز المهام التاريخية، بحيث يكون المطلب الاجتماعي والثقافي والسياسي والمالي والاقتصادي، وغيره، كل في مكانه المناسب له والخادم للنهضة الشاملة. إذ لا تضيع جهود الشعب في جزئيات وعلى هوامش النضال.

وبهذا فليس المطلوب أن تراجع العدل والإحسان خطابها “الراديكالي”! بل على المنطق التبريري المصلحي، سواء في بعده الفقهي الأصولي أو في بعده السياسي الفكري، أن يدرك حجم الكارثة المجتمعية والسياسية والمصيرية من خلال تكريس واقع تحالفه المصيري مع الاستبداد القروني، ذلك أن هذا المنطق عبر التاريخ لم يكن إلا أداة حادة في قبضة الاستبداد، وبه أفسد ولم يصلح. ولذلك ينبغي أن يشتغل الحراك المجتمعي على ضرورة تفكيك علاقة تحالف الاستبداد والفساد مع المنطق التبريري المصلحي، لأن تحكم طرف الاستبداد والفساد في مسار هذا المنطق علميا ودستوريا ومؤسساتيا لا يجعل قاعدة: “جلب المصلحة أولى من درأ المفسدة” قادرة على الصمود حيث يفرض عليها الاشتغال ضمن سياق القواعد النظامية التاريخية الحاكمة للعملية السياسية في المغرب منذ قرون، فضلا عن أنها قاعدة متعارضة مع قاعدة الكلية: “دفع المنكر أولى من جلب المعروف”، التي تحتاج إلى كبير جهد علمي لكشف مدلولاتها ضمن قواعد “علم المنهاج النبوي”.