أسئلة الحياة

من أنا؟ وأين أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين المصير؟ وما ذا أريد؟ وكيف أعمل؟

هذه أسئلة وجودية، وكلها ترجع إلى السؤال الأم “من أنا؟”؛ وقد تقدم الجواب، في وحي الفاتحة.

وجملة الأمر، كما بيناه، أن الإنسان مخلوق، خلقه الله سبحانه وتعالى، من طين وروح؛ وأنه، على هذا، يحتاج إلى ثلاثة: (الأول) الحرية في طلب الكمال، و(الثاني) الأنس بالعشير، و(الثالث) الطعام والأمن؛ والعقل إلى كل ذلك طريق؛ وقد جاء الدين يلبي هذه الحاجات، فمقاصده ثلاثة: (الأول) العبادة الربانية، و(الثاني) الأخوة الإنسانية، و(الثالث) القوة العمرانية.

من أنا؟ أنا مخلوق، خلقه الله سبحانه وتعالى من طين وروح.

أين أنا؟ في عوالم ثلاث: (الأول) عالم الطين، و(الثاني) عالم الروح، و(الثالث) العالم الذي منه كان وجودهما، وهو الأفق الأعلى.

فانظر “أين” كيف تستنبط من “من”: فمن الطين العالم الجسماني، وهو عالم الشهادة؛ ومن الروح العالم الروحاني، وهو عالم الغيب؛ ومن الأفق الأعلى كان الخلق.

من هذا الأفق الأعلى، جاء طلب الكمال؛ ومن العالم الجسماني، جاءت الحاجة إلى الطعام والأمن؛ ومن العالم الروحاني، كانت الحاجة إلى الأنس بالعشير.

وهكذا، أمور ثلاثة: الخلق، والروح، والطين؛ في عوالم ثلاثة: الأفق الأعلى، والعالم الروحاني، والعالم الجسماني؛ وتقتضي حاجات ثلاثة: الحرية في طلب الكمال، والأنس بالعشير، والطعام والأمن؛ وتستجيب لها مقاصد الدين الثلاثة: العبادة الربانية، والأخوة الإنسانية، والقوة العمرانية.

أسئلة الموت

“خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير، وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا. زاد في رواية وقال: إن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربك وما دينك ومن نبيك. وفي رواية: ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت وصدقت. زاد في رواية فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وإن الكافر فذكر موته قال: فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء: أن قد كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه. زاد في رواية: ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبلا لصار ترابا فيضربه بها ضربة يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابا ثم تعاد فيه الروح” 1 .

من ربك؟ ومادينك؟ ومن الرجل الذي بعث فيكم؟

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (4)المقاصد الاستخلافية

يومئذ يكون جوابك، على قدر حظك من الله ومن دينه ومن نبيه، محبة وعلما وعملا.

من ربك؟ يومئذ لا تسعفك في الإجابة إلا العبادة الربانية: هل عرفته؟ هل أحببته؟ هل عبدته؟ هل اتبعت وحيه؟ هل أطعت أمره؟ أين أنت من العبادة الربانية حتى تقول ربي الله عز وجل؟

ما دينك؟ يومئذ لاتسعفك في الإجابة إلا القوة العمرانية: هل علمت بالإسلام؟ هل عملت بالإسلام؟ هل عملت للإسلام؟ هل أعددت القوة العمرانية للتمكين له؟ أين أنت من القوة العمرانية حتى تقول ديني الإسلام؟

من الرجل الذي بعث فيكم؟ يومئذ لا يسعفك في الجواب إلا الأخوة الإيمانية: هل عرفته؟ هل أحببته؟ هل أكثرت الصلاة عليه؟ هل اتبعت سنته؟ هل أحببت أهله وذريته وأحبابه وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؟ أين أنت من الأخوة الإيمانية حتى تقول نبيي محمد صلى الله عليه وسلم؟ بل أين أنت من الأخوة الإنسانية وقد علمت قول الله فيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ سورة الأنبياء الآية 107.


[1] الراوي: البراء بن عازب – المحدث: المنذري – المصدر: الترغيب والترهيب – الصفحة أو الرقم:4/279.

خلاصة حكم المحدث: [لا ينزل عن درجة الحسن وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما].\