المخزن يقود التغيير!

ليس لنا ادعاء كفاءة الخبراء الأكاديميين في مجال الدراسات المستقبلية، لكن سنة الله التي تجري وفقها أمور الكون لا تحابي أحدا، وما حكمته ضوابط منسجمة منتظمة أجدر بالبقاء والاستمرارية، أما ما يسير على شفا جرف فيوشك أن ينهار في أية لحظة.

بعد هذه الهبة المباركة للشعوب العربية الإسلامية، بعد هذا الربيع البهي الزاهر الذي بشر الديكتاتوريات الاستبدادية بالخريف، لم يعد بالإمكان استغفال هذه الشعوب والكذب عليها.

لكن المخزن في بلادنا لا زال يحاول عبثا الالتفاف بدهاء على المطالب الرئيسية للحركة الاحتجاجية الجماهيرية المغربية، والتي لا ترضى بأقل من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فقد بدأ مسلسله بإعلان زيادة هزيلة في أجور الموظفين وتعيين لجنة لتعديل الدستور، فما لبثت اللجنة أن تفضلت على الشعب بدستور ممنوح لا يختلف جوهريا عن النسخ السابقة، وبعد ذلك تم تنظيم استفتاء لإضفاء الشرعية عليه، استفتاء مهزلي كاريكاتوري صوت فيه على الغائبين نيابة عنهم بدون علمهم، بل على بعض الأموات رحمة الله عليهم!

ووفق الدستور الجديد القديم تم تنظيم الانتخابات التشريعية التي اختار فيها المخزن أخف الضررين لم يجد بدا من أحدهما، إما ترك المجال لصعود حزب العدالة والتنمية وهو ما كان محظورا حتى وقت قريب، على اعتبار المرجعية الإسلامية التي ينعت بها واستنادا إلى الصورة التي ألصقها الإعلام المعادي بالإسلام، وإما البحث عن وسيلة ما للتعامل مع مطالب الشارع المحرجة الضاغطة ضد الاستبداد بالسلطة والمال، وقد كان الخيار الأول بالنسبة للفقه المخزني هو الضرر الأخف، يسعفه ويعضده في “اجتهاده” هذا كون الحزب تم التسويق له ووضعه في خانة “الإسلاميين المعتدلين” المؤمنين ب”الثوابت الوطنية”، إسلام ظريف لطيف تحت جلباب المخزن، من شأنه ترطيب الأجواء المضطربة، خير من إسلام مثل إسلام الحركة الاحتجاجية الطوفانية التي أودت بأنظمة عاتية في تونس ومصر وتودي بالبقية من ذات الطراز، وكأني بلسان حال المخزن يخاطب الشعب قائلا إذا وصل الإسلاميون إلى الحكم في كل من تونس ومصر بعد ثورة سالت فيها الدماء، فها نحن أوصلناهم عندنا إلى الحكم بثورة ديمقراطية سلمية هادئة، قدناها بأنفسنا، لقد حققنا تغييرا مثاليا، أفلا تبصرون!

وأي يد تناولت السراب؟

عقد المخزن في هذا الخيار الأمل في أن يضعف تيار الشارع الجارف الذي يمثل أغلب فئات الشعب المتضررة والمتطلعة للكرامة الآدمية والعدالة الاجتماعية الحقيقية، مطالب كانت دائما من ثوابت جماعة العدل والإحسان، نصرةً للمظلومين ومناهضةً للظالمين، وذاك هو الموقف الطبيعي لكل الأباة الشرفاء.

لقد شارك في الانتخابات بحسب المصادر الرسمية ما يقارب ربع السكان الذين بلغوا سن التصويت، حصد حزب العدالة والتنمية منها الأغلبية، فهو مع ذلك لا يستند إلى شعبية الأرباع الثلاثة الباقية، أغلبية الجماهير المقاطعة من جهة، ومن جهة أخرى بناء على مقتضيات الدستور الممنوح، لا يمتلك الحزب الفائز صلاحيات في مستوى البلدان الديمقراطية، بل هو محصور في قارورة غطاؤها بيد المخزن، وأمامه تركة من الخراب المتراكم بعضه فوق بعض، على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية وغيرها لسنوات بل لعقود ثقيلة طوال، استطاعت خلال نفس الفترة الزمنية بلدان من الإقلاع التكنولوجي والاقتصادي مع أنها انطلقت من ظروف أسوأ من ظروفنا بكثير!

وقد بدت نشوة الفوز جلية على وجوه مناصري الحزب، واستبشر معهم العديد من المواطنين عن حسن ظن وعن حسن نية، وتوجت بهجتهم بتعيين رئيس الحزب المتصدر للانتخابات على رأس الحكومة المقبلة، وللتذكير فالمشكلة لا تنحصر في الأحزاب ولا في النيات، فهنالك ذوو كفاءات ومروءات ونيات طيبة من بين أطر الأحزاب ومن خارجها، ما أحوج البلاد إلى طاقاتها وعطاءاتها، فالخلاف الأساس ليس معها بل مع الاستبداد، العقبة الكؤود التي تعرقل مسير العباد وتنمية البلاد.

ترى هل يعي القادمون إلى الحكومة المحكومة ماذا ينتظر منهم؟

أغلب الشاخصة عيونهم ترقبا للمنجزات، المستبشرين بنتائج الانتخابات، هم من السذج في الفقه المخزني، أما من خبره فلا ينطلي شيء من مكره ولا يخفى.

وماذا بعد؟

ماذا عسى أن يفعل قوم وجدوا الفساد مستشريا في كل الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهم تحت سقف قريب من الرؤوس، سقف صلاحياتهم محدود، سقف اقتراحاتهم محدود، الوسائل المادية والمعنوية التي رهن إشارتهم محدودة… لا نشك في صدق السرائر، لكن ثقل التركة وقلة الحيلة يقصم الظهور.

عن قريب تنتهي نشوة الفوز، عندما يستفيق حتى الذين شاركوا وصوتوا وتحمسوا، لخيبة الأمل وهول صدمة البطالة وغلاء المعيشة وصعوبة السكن والاستقرار الاجتماعي وضياع التعليم وتردي الصحة واستفحال الزبونية والرشوة والمحسوبية ناهيك عن مكانة البلد المخجلة في ذيل الترتيب العالمي في مؤشرات التقدم والتنمية، وهلم جرا…

ليتني رأيت بصيصا من الأمل في عودة المخزن إلى جادة الصواب ولو في الحلم، كما يجزم بذلك هؤلاء المساكين، أحببت أن يقرؤوا هذا البيت الشعري، وإن من الشعر لحكمة، يقول ناظمه:ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** ويأتيك بالأخبـار ما لـم تزودإن تدبير ملفات من هذا الحجم الجسيم وفك شفراتها المعقدة، لا يكون بالحملات الدعائية ونثر الوعود المعسولة على رؤوس الجماهير، بل هي تتطلب تعبئة الجهود وانخراط كل الفعاليات النظيفة المخلصة، في جو من الكرامة وحرية الرأي والشورى والشفافية والصدق، وهذا هو مربط الفرس في أزمتنا وقضيتنا مع هذا النظام السياسي الذي أبى إلا أن يتخذ من الاستفراد بعظائم الأمور سبيلا، مهمات كالجبال تنتظر المخلصين الصادقين في مستقبل الأيام لإنقاذ البلاد، أمامها عقبة الاستبداد والله رءوف بالعباد.