لقد عبّر المغاربة عن تعطشهم القوي إلى تغيير حقيقي ملموس، وخرجوا إلى الشارع ليعبروا عن استيائهم من كل الأكذوبات والمسرحيات التي تمارس على الشعب المغربي منذ عقود، وكان من الممكن أن تتبنى حكومة مغربية حرّة قوية هذه التطلعات وتسير بالبلد نحو الأمام، لكن كيف ذلك وحكوماتنا المتعاقبة ما هي إلاّ أدوات في يد نظام حاكم لا يتغيّر ولا يريد أن يتغيّر.

من السذاجة أن ننتظر تغييراً مُرضياً من حكومة تحت سلطة عليا توجّهها وتحدّد لها الاختيارات التي يجب اتباعها بدون أي اعتراض أونقاش، ومن الحلم أن نفرح بمستقبل نظيف من الفساد ولوبيات الفساد محمية ولها نفوذ يتعدى سلطة الحكومة برمّتها، ومن العبث أن نأمن على أنفسنا من الظلم وأمّ الوزارات، وزارة الداخلية، لا سلطة للوزارة الأولى عليها ولا حمى يحمينا من بطشها وتعديها، ومن الكذب أن ندعي الديمقراطية ونحن نعلم يقيناً أن المغاربة ليسوا سواسية أمام القانون وأن الكثير منهم هم فوق القانون، وأن المعارض الحقيقي في نظرهم عدوّ وجب قمعه ومحاصرته.

حقّاً إنّه لمن الغريب أن يتواطأ الجميع على لعبة يعلمون جميعاً زورها، ومع ذلك يؤدّي كل فرد دوره في التمثيل ويردّد أقوالاً ويصرّح بادعاءات لايصدّقها هو، فكيف بمن يسمعها.

ينقص من شدّة الاستغراب استحضار المصالح الشخصية التي يجري وراءها بعض أعضاء الأحزاب سواء من خلال الترشيح للانتخابات أو الدخول إلى البرلمان أو العمل من خلال الحكومة، ويزيد من شدّة الاستغراب مشاركة بعض الناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المسرحية المعلوم سابقاً مآلها، جهلاً بحقيقة مجريات الشأن السياسي في المغرب، أو تملّقاً لبعض المسؤولين، أو مقابل دريهمات يشهدون من أجلها شهادة الزّور.

أيّ سلطة وأيّ هيبة للحكومة حتى تتنافس الأحزاب على التمثيل فيها، والأجهزة الأمنية والأيادي الخفية هي الموجّهة والمقرّرة والحاكمة.

أيّ قيمة للوزراء في المغرب إذا لم يكونوا قادرين على تطبيق برامجهم والانعتاق من القرارات الفوقية المقيّدة لمبادراتهم، بل عن أيّ قانون نتحدّث وعن أيّ حريّة وحقّ نتكلم وأسلوب التعليمات ما زال هو المسيطر والموجّه والمسيّر.

إنّنا أمام مؤسّسات صورية تُصرّف من خلالها مشاريع لا مشاركة لها فيها أصلاً، باستثناء بعض الهوامش التي تُترك لها، أغلبها ذات طبيعة تنفيذية لا تشريعية. وهذا الهامش هو الآخر ليس منحة مطلقة، وإنّما قد تطاله التعليمات إن بدا لأصحابها ذلك.

إنّ المغرب في يد واحدة ويسيّر من قبل سلطة واحدة، وكلامنا عن الديمقراطية والتعددية وإشراك المجتمع المدني في تسيير الشّأن العام ومراقبة البرلمان لعمل الحكومة… أماني معسولة يمثّل أدوارها الآن أناس على خشبة المسرح، والشعب المغربي في واد آخر ينتظر ذلك اليوم الذي يحسّ فيه بكرامته وحقّه في المشاركة في تسيير شؤونه، دون أن يسخر منه أحد أو يستحمره أحد ويعتبره كمّاً بشرياً يستعمله لدعم غروره وأكاذيبه، أو قطيعاً مطيعاً يسوقه إلى حيث شاء.

إن المغرب الحبيب إن لم يسد فيه قانون يحكمه ويكون هو الحامي والضابط فسنضل عبيداً بدون حماية؛ أموالنا وأرواحنا وأبناؤنا هدر بيد المستبد المتعال على القانون.

في هذه الفترات التاريخية التي تشهد على أصحابها بما قدّموا للبلاد والعباد؛ من اختار أن يكون صادقاً مع نفسه ومع الله ومع الخلق علِم وأعلَم بأنّه لا يمكن بناء دولة ديمقراطية في ظلّ نظام استبدادي، وسعى إلى توضيح ذلك ولم يسكت، وسجّل بذلك إسمه في قائمة المصلحين والأبطال، وبقي على مرّ التاريخ قدوة لمن يأتي بعده، ومن اختار الكذب على نفسه وعلى الناس وادعى بأن المغرب هو فعلاً دولة ديمقراطية، وغرّر بالناس، سجّل إسمه في قائمة الكاذبين الذين ستظلّ الأجيال تلعنهم إلى انقضاء الحياة، أمّا من اختار السكوت والقعود فسينساه التاريخ ولن تجد له خبراً في تراجم الرجال أو غيرهم، ولنا في التاريخ ما يكفي من العبر؛ فالقذافي وصدام حسين ممّن تشمئزّ النّفوس من ذكرهم ومن ذكر من سار على دربهم بقدر ما تنشرح عندما تسمع عن سير أمثال عبد الرحمن الفاتح وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم رحمهم الله ورضي عنهم.

من السّهل أن يدّعي المرء ما طاب له من الادعاءات، ومن السهل أن يجادل المجادل في تدهور حالة البلاد حقوقياً وسياسياً واقتصادياً… باستحضاره لبعض المبادرات هنا وهناك، ذرّاً للرماد في العيون. لكن الدليل الذي يقطع الجدال من جذوره وينهي الخلاف من أصوله هو شهادات الواقع وما يعجّ به من مآسي وتجاوزات وانتهاكات، لو فتحت مصلحة خاصة لإحصاء معاناة المغاربة بسبب استبداد النظام المخزني لرأينا العجب؛ قتل وتعذيب ونفي وسرقة واغتصاب واعتقال تعسّفي وتشريد… أعمال لا يمكن ربطها بأيّ حال من الأحوال بدولة ديمقراطية تحترم المواطن وتخدمه.

ولا داعي ليتعب القارئ نفسه في البحث عن كل الحالات فهاهي جماعة العدل والإحسان خير دليل، إذ بسبب مواقفها الصريحة وقولها كلمة الحق في وجه الظلم والاستبداد حوصرت وتعرّض أعضاؤها لكلّ تلك الجرائم، وقد تؤلّف في يوم من الأيام مؤلفات تخص الجرائم التي ارتكبها النظام المغربي في حقّ جماعة العدل والإحسان المسالمةـ ولا زالت ممارساته العدائية العارية من كلّ مبدء حضاري تتوالى، أخيرها وليس آخرها؛ الاعتقالات التعسفية التي طالت بعض أعضاء حركة 20 فبراير بسبب نشاطهم، الالتفاف على ملف تسوية وضعية الإخوة السبعة بفاس بإصدار حكم جائر في حقهم وهم المعتدى عليهم، قضايا مفبركة ومؤجّلة في المحاكم إلى حين، وغير ذلك من الملفات التي لا يمكن جردها في هذا المقال، والتي تؤكّد يوماً بعد يوماً استبداد النظام القائم.

من الملفات كذلك التي تجلي هذا الأمر؛ التعسّف الذي طال أحد عشر عضواً من جماعة العدل والإحسان، استعصى على النظام أن يضمّهم لحضيرته، حيث اعتقلوا ظلماً وهم طلبة يوم 1-11-1991، وتعرّضوا لمساومات من أجل التنازل عن مبادئهم في مراكز الشرطة، واستثنوا من عدّة محطات عفو عمّت كل المعتقلين بمعايير مختلفة؛ تارة بمعيار قضاء ثلثي مدّة الاعتقال، وتارة بمعيار نيل الشواهد العليا، وتارة بمعيار رمزية بعض المناسبات، رغم مطابقة كل تلك المعايير لحالتهم، وذلك بسبب رفضهم لكتابة طلب العوف الذي طُلب منهم مقابل الإفراج، وقد نالوا رغم ذلك الشواهد العليا (دكتوراه في الدراسات الإسلامية، دبلوم الدراسات المعمقّة، إجازات في تخصصات مختلفة) قبل أن يفرج عنهم يوم 1-11-2009، قضوا ثمانية عشر سنة بين الجدران، …وبقي الحقد المخزني يلاحقهم.

لقد تقدّم هؤلاء الأطر بعد سنتين من الإفراج كباقي زملائهم للاستفادة من المبادرة الحكومية في تشغيل أكثر من 4000 معطل من أصحاب الشواهد العليا، ودُرِست ملفاتهم من الناحية الإدارية والقانونية ثمّ تمّ قبولها، بل صادقت الوزارة المالية على سلامة الملفات وأعطتها أرقام التأجير، والتحق هؤلاء الأفراد بالأكاديميات والنيابات، ومنهم من بدأ في التدريس بعد مقابلة توجيهية قُسّم المرشّحون على إثرها على الإدارة والتدريس، ثم بعد ذلك يفاجئ الجميع بتدخّل أطراف أخرى لتمنع هذا التعيين وتؤكّد بفعلها هذا أنّه لا قانون يحمي ولا قرار يسري إن لم ترضى هي، ولن ترضى بمن أبى الركوع لها، فهذه طبيعتها، والطبع يغلب التطبّع، مهما حاولت التشبه بالدول المتقدمة.

إلى متى سيبقى المغاربة تحت رحمة أناس يعملون في الظلام ووراء الأستار يتحكمون بمزاجهم في كل شيء ولا يتردّدون في خرق القانون وانتهاك حرمات المواطنين.

ليْتهم يعلمون بأنّ الله عزّ وجلّ يمهل ولا يهمل ليتدارك المعتدي أمره فيرجع إلى رشده، أوينتهي به المطاف إلى حال من وعدهم الله بالخزي في الحياة الدنيا والعذاب في الآخرة.وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ