تقديم

القتال والموت والنزيف والبناء والتدريب وإبرام الشراكات قادنا إلى لحظة النجاح هذه)إنه من المهم انتهاء حربنا بالعراق بمسئولية)، هذه مقتطفات من تصريح للرئيس الأمريكي باراك أوباما ليوم 14/12/2011 م عقب انسحاب الجيش الأمريكي من العراق، التي أضاف فيها أن على الولايات المتحدة أن تتعلم الدروس من العراق.

ترى عن أي نجاح يتكلم الرئيس الأمريكي؟ وما هي الدروس التي استفادها المحتل الأمريكي لبلاد الرافدين؟ وهل خاض الجيش الأمريكي المعركة الخطأ في الميدان الملغوم عند دخوله العراق قبل حوالي تسع سنوات؟

الفشل الاستراتيجي الأمريكي

بداية لا بد من الإشارة إلى الكلفة الباهظة الناتجة عن غزو العراق: 5 آلاف قتيل أمريكي يقابلها حوالي 100 ألف ضحية عراقي ومآت الآلاف من الجرحى والمعاقين وملايين المشردين وما يقارب بليون (ألف مليار) دولار أمريكي صرفت على هذه الحرب القذرة.

تعليقا على ذلك نورد شهادة لواحد من أهم المراجع الأمريكية، وهو الباحث الاستراتيجي الأمريكي أنتوني كوردسمان الذي صدرت له دراسة بعنوان: “نهاية الحرب في العراق”، يقول: إن المحصلة النهائية للحرب الأميركية في العراق كانت فشلاً إستراتيجياً لا لبس فيه، مع نجاح تكتيكي في منع حدوث هزيمة متكاملة الأبعاد).

نورد هذه الشهادة من باب: “وشهد شاهد من أهلها”، وإلا ففشل أمريكا في هجومها على العراق حقيقة لا غبار عليها.

هذا الفشل أصبح اليوم محددا أساسيا في تعاطي أمريكا مع الحروب المشتعلة، ودفع بالتالي القادة العسكريين والخبراء الاستراتيجيين لإعادة كتابة العقيدة القتالية للجيش الأمريكي والإجابة عن سؤال: ما هو مصير الطلقة الأولى أو مبدأ الحرب الإستباقية الذي اعتمدته الإدارات الأمريكية المتعاقبة مؤخرا؟

المقدمات الخاطئة التي بنت عليها أمريكا غزوها للعراق واستعانتها بنخب سياسية على أساس طائفي وحروب الإبادة التي قادتها في المدن العراقية والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان بسجن أبو غريب والفلوجة وغيرها كل ذلك هدد بقوة الانتماء للوطن وأعلى من شأن الانتماء الطائفي على حساب الانتماء الجامع للوطن ومزق النسيج الاجتماعي: توترات عربية كردية وسنية شيعية.

يبقى التجلي الأكبر لفشل المشروع الأمريكي بالعراق متمثلا أساسا في المعضلات الأمنية التي أسست لها السياسات الطائفية الأمريكية والتي تهدد الاستقرار بشكل خطير.

هذا الاستقرار مطلب أمريكي بالأساس لضمان المصالح الحيوية والإستراتيجية الأمريكية والذي جند له صناع القرار بأمريكا سفارتهم ببغداد التي تعد الأضخم دوليا ومجموعة قواعد عسكرية بالجوار أقربها بالكويت.

المعركة الخطأ والميدان الملغوم

خرج نظام البعث العراقي من حربه على إيران وقد امتلك قدرات عسكرية لا يستهان بها بدعم أمريكي وتمويل خليجي، وقد كان في أمسّ الحاجة إلى إعادة البناء فتضافرت أسباب عديدة دفعته لاحتلال الكويت والدخول في حرب جديدة مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم دار الزمن دورته بعد سنوات الحصار لتتدخل أمريكا عسكريا سنة 2003 م بمبررات واهية أثبت الزمن خطئها: الربط بين صدام والقاعدة، واتهامه بحيازة أسلحة دمار شاملة والتهديد الإرهابي المزعوم.

بسقوط نظام صدام أعلن قادة القاعدة فتح جبهة جديدة بالعراق على أمريكا بعد أفغانستان، وتشكلت مقاومة وطنية عراقية وجندت إيران أتباعها لعرقلة مهمة الجيش الأمريكي فاكتملت بذلك صورة الميدان الملغوم الذي اتخذته أمريكا ساحة معركة دون دراسته مسبقا بما يكفي.

الهروب الكبير

الهروب الأمريكي من العراق كان حتمية عسكرية وإستراتيجية بسبب الخسائر المادية والبشرية الضخمة، وهي التي أثرت سلبا وبشكل كبير على الداخل الأمريكي اقتصاديا واجتماعيا و سياسيا.

وللتغطية على خروجها من العراق دون تحقيق أهدافها المعلنة على الأقل (نزع أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية والحرية)، عمدت الإدارة الأمريكية لسحب أغلب جنودها تحت جنح الظلام في غياب تغطية إعلامية حقيقية وأخرجت للعالم مناظر هوليودية سخيفة لمغادرة سفاحين بلباس عسكري.

وللتاريخ فقد عرقلت المقاومة العراقية الباسلة المخططات الأمريكية التي كان من بينها إعادة رسم خارطة المنطقة العربية بتفتيت دولها خدمة للمشروع الصهيوني الأمريكي.

ترى هل استفادت أمريكا فعلا من الدرس العراقي، وهي التي تحالفت ولا زالت مع كل الديكتاتوريات العربية في سبيل حماية مصالحها؟ أم تراها تعمل ليل نهار لاحتواء أي تحرك شعبي عربي مطالب بالحرية والكرامة؟