روى البخاري وأبو داود رحمهما الله وغيرهما واللفظ لأبي داود عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ”.

في هذا الحديث الذي يعتبره العلماء عمدة الدين وثلثه يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أولا: أن النية الصالحة هي الباب الذي نلج به إلى العمل الصالح –أستغفر الله- بل إلى المولى جل وعلا.

ثانيا: أن العمل الصالح لا يكون صالحا مقبولا إلا بالنية الصالحة، فإذا فسدت النية فسد العمل.

ثالثا: أن العمل يعظم بالنية الصالحة الخالصة، ويحقر بزوالها.

رابعا: أن النية الصالحة عمل صالح يؤجر من استحضرها.

خامسا: أن النية هي السبيل إلى جزيل المثوبة عند الله عز وجل، كما أنها العامل الحاسم في مضاعفة الأجر، فبقدر نيتك تعطى “وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”.

سادسا: أن نطلب بأعمالنا أعز ما يطلب وهو وجه الله عز وجل “فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ”.

المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات

افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيته الغالية بأداة الحصر “إنما” لنفهم أن باب الدخول إلى العمل هو النية، وهذه النية يجب أن تكون خالصة لله عز وجل.

فالنية إذن هي الباب والمدخل ومقدمة العمل، فإجماع الفقهاء حاصل في أن أول فرائض القربات النية، فأول فرائض الوضوء والصلاة والصيام… استحضار النية بالقلب. ولهذا افتتح الإمام البخاري جامعه الصحيح بحديث عمر ابن الخطاب “إنما الأعمال بالنيات”، وكذلك فعل غيره من المحدثين رحمهم الله جميعا.

والنية أيضا قاعدة البناء وأساسه، فلا يمكن أن تؤسس المباني من الأعمال تحسبها صالحة، على مستنقعات النيات الفاسدة، قال الإمام السهروردي النية أول العمل، وبحسبها يكون العمل، وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم) 1 .

(أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)

سئل الفضيل بن عياض “ما أحسن العمل في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 2 ؟ قال: أحسنه أخلصه وأصوبه). قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة). ثم قرأ قول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا 3 .

نعم فما كان لغير الله جعله الله هباء منثورا، وما كان على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على صاحبه.

فيا حسرة على نفسي! ماذا أطلب بالعمل الصالح؟!

هم أرق الصحابة رضي الله عنهم فقد نشغ (كاد يغشى عليه) أبو هريرة رضي الله عنه ثلاث مرات قبل أن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعِلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلانٌ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعَكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ، أَنْ يُقَالَ: فُلانٌ جَوَّادٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ لَهُ؟ فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رُكْبَتَيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ أَوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” 4 .

من العادة إلى العبادة

يقول أحد الصالحين رب عمل عظيم تحقره النية، ورب عمل حقير تعظمه النية)، فهذا القارئ والمتصدق والمجاهد ذووا الأعمال العظام أوردتهم نياتهم سوء الختام.

ورب عمل تحتقره العقول عظيم عند الله بنية صاحبه، فقد يكون الأكل والشرب والسعي على العيال وملاعبة الأهل أعمالا عادية تعودتها النفوس والأبدان، لكنها تتحول إلى أعمال عظيمة تقرب صاحبها إلى المولى عز وجل. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس لك صدقة، وهدايتك الرجل في أرض الضالة صدقة” 5 .

وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: “(في بضع أحدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدثنا شهوته ويكون له فيه أجر؟ فقال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)” 6 .

من هم بحسنة

عن أبي العبَّاسِ عبدِ اللهِ بنِ عباسِ بنِ عبد المطلب رضِيَ اللهُ عنهما، عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربهِ، تباركَ وتعالى، قَالَ: “إنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالى عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً” 7 .

ما أعظم المولى جل وعلا يجزل العطاء لمجرد النية، ولعلم الصالحين بكرم الله وفضله كانوا يحصون أنفاسهم ويعدون خواطرهم لتكون قلوبهم في تقرب دائم لله عز وجل كما هي جوارحهم. فقد ذكر ابن الحاج أن أحد أصحاب سيدي أبي علي الوسيدي رحمه الله قال: كنت مع سيدي حسن في حائط له يعمل وإذا بشخص يدق الباب، فمشيت إلى الباب لأنظر من هو وإذا بسيدي حسن قد لحقني فسألني عن قيامي بأي نية قمت؟ فقلت: قمت لأفتح الباب، فقال: لا غير؟ فقلت: هو ذاك؟! أو قال: فعاب علي ذلك، وانتهرني فقال: فقير يتحرك بحركة عرية عن النية، ثم أخبرني أنه قام لفتح الباب وعد لي ما قام به من النيات فإذا هي نحو خمس وعشرين نية).

نعم فتح باب الحائط عند الصالحين خمسة وعشرون عملا صالحا.

بل انظر إلى الذي يطعم بني إسرائيل بلا طعام! فقد ذكر ابن عجيبة في كتابه النيات الصالحات أن رجلا من بني إسرائيل مر على كثبان رمل في مجاعة فتمنى في نفسه لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس. فأوحى الله إلى نبيهم أن قل له: إن الله عز وجل قد قبل صدقتك، وشكر حسن نيتك، وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به) 8 .

من عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف

نرجع إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي يرويه عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربهِ، تباركَ وتعالى، قَالَ: “إنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالى عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإنْ هَمَّ بهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إِلى سَبْعمئةِ ضِعْفٍ إِلى أَضعَافٍ كَثيرةٍ، وإنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ تَعَالَى عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلةً، وَإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً” 9 .

نتأمل في ذاك الذي هم بالحسنة وعملها، والذي يجازيه الله عنها بالأضعاف المتفاوتة، فما سر التفاوت في الأجر، والحسنة واحدة.

إنها النية لأن لكل امرئ ما نوى، وعلى قدر النية يكون الأجر، وعلى قدر الطلب يكون العطاء، فالناس متفاوتون في القصد، والله يجازي كل واحد على قدر ما يرجو من الحق عز وجل.

إذن فماذا نريد بالعمل الصالح؟

(ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ)

“سمع المسلمات والمسلمون ما ذم الله تعالى به زينة الحياة الدنيا، والترف فيها، والغفلة بها. وعلموا أن وراء الموت بعثا ونشورا وحسابا وميزانا وصراطا وجزاء في الجنة وعقاباً في النار. فاكتفى بحلال الله عن حرامه المومنات والمومنون، وزهد في الدنيا زهدا شديدا بعضهم. وبكى إشفاقاً من أن تفسد آخرتَهم دنياهم الصديقون مثل عبد الرحمان بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة.

“وسمع المومنات والمومنون قول الله تعالى: وللآخرة خير 10 ، وقوله: والآخرة خير وأبقى 11 ، فآثروا الآخرة على الدنيا وعملوا بمقتضى هذا الاختيار.

“وسمعوا قوله تعالى: وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا 12 ، فتنافسوا وسارعوا وسابقوا. وأرادوا الآخرة. تعلقت همتهم بالآخرة لأنهم يقرأون قوله تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا 13 . تعلقوا بالآخرة ونعم السعادة سعادة الأبد.

وطائفة من المومنين والمومنات استوقفت انتباههم، ثم سكنتهم، آية: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. ولا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا 14 . يريدون وجهه. يريدون وجهه”. 15

فليصحب من يعلمه حسن النية

نِعم الإرادة والقصد أن يطلب المؤمن وتطلب المؤمنة أعز ما يطلب كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله ألا وهو وجه الله، يرجو أن يكون من الوجوه الناضرة إلى ربها ناظرة، لأنه كما يقول الصالحون: من مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته).

ولكني أجد نفسي تركن إلى الأرض، ولا تسموا إلى ما طلبه الرجال الصديقون، فما السبيل لنيل ما نالوا؟

يجيب الإمام السهروردي رحمه الله فيقول: ومن لم يهتد إلى حسن النية بنفسه يصحب من يعلمه حسن النية).

لعل الإمام رحمه الله انتبه إلى الصلة التي جعلها الله بين إرادة وجهه، وبين الصبر مع الذين يدعون ربهم في آية سورة الكهف.

ولقد مر معنا ما حكاه ابن الحاج عن أحد شيوخه كيف كان يعلم تلميذه النية الصالحة لفتح الباب!

وكذلك كان يفعل سلف الأمة الصالح، فقد قال سفيان الثوري رحمه الله عنهم: كانوا يتعلمون النية للعلم كما يتعلمون العلم).

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.


[1] عوارف المعارف، ص 469.\
[2] سورة الملك، الآية: 2.\
[3] سورة الكهف، الآية: 110.\
[4] رواه الترمذي رحمه الله وغيره.\
[5] رواه البخاري رحمه الله في الأدب المفرد.\
[6] رواه ابن حبان رحمه الله في صحيحه.\
[7] رواه البخاري ومسلم وغيرهما رحمهم الله.\
[8] النيات الصالحات، ص 31.\
[9] رواه البخاري ومسلم وغيرهما رحمهم الله.\
[10] سورة الضحى، الآية: 4.\
[11] سورة الأعلى، الآية: 17.\
[12] سورة الإسراء، الآية: 21.\
[13] سورة الإسراء، الآيتان: 18-19.\
[14] سورة الكهف، الآية: 28.\
[15] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 1 ص 232-233.\