بتكليف الملك للأمين العام لحزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة الأولى في عهد ما اصطلح عليه البعض “الملكية الثانية” في المغرب، يكون المسار الذي أسس له خطاب التاسع من مارس قد خطا خطوتين متفاعلتين -بغض النظر عن طبيعتهما- مع حركة الشارع المتحرك منذ قرابة السنة. لذا الخطوات المقبلة تسترعي الاهتمام أكثر ليس لكونها ستحمل الجديد في تغيير الدواليب المتحكمة في تسيير البلاد، ولكن لكونها خطوات في مسار صنف النخب والمتتبعين ومعهما السواد الأعظم من الأمة بين مساند لهذا المسار الرسمي -أو الممنوح- كما يسميه دعاة المقاطعة، وبين رافض لهذا المسار من جذوره بحجة انبثاقه من رحم العقلية المتحكمة المنعوتة بالاستبداد والفساد، وبحكم تشكله عبر دواليب السياسات المتحكمة المنعوتة -في نظر المقاطعين- بالتقادم والماضوية.

غير أننا نرى في هذا الصدد أن النقاش الجريء والأصيل الذي يجب أن تتأسس عليه كل النقاشات هو الرجوع الهادئ إلى الأصول الدستورية المقترحة لخلخلتها حتى يسهل التنبؤ بطريقة علمية بما قد تؤول إليه الأوضاع أو تستقر عليه الأحوال السياسية المستقبلية.

اعتماد هذه المقاربة في التحليل تفرض علينا التركيز في قضيتين أساسيتين تعتبران -في نظرنا- مناط الإصلاح المقترح وهما:

– قضية صلاحيات المجلس الوزاري برئاسة الملك وصلاحيات المجلس الحكومي برئاسة رئيس الوزراء.

– قضية صلاحيات الملك وصلاحيات رئيس الوزراء.

يزيد من تركيزنا على هاتين القضيتين، كون الداعمين لهذا المسار يبررون مساندتهم باعتباره مسارا انتقاليا من ملكية شمولية بصلاحيات مطلقة إلى ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم أو يتقاسم فيها الحكم الملك ورئيس الوزراء حسب مقتضيات دستورية مرتقبة. أما المقاطعون فيتحججون بكون الدستور الحالي هو صياغة جديدة لصلاحيات ثابتة مع التركيز على الحديث في كل شيء دون التنزيل عن شيء.

في هذه الفقرات سأركز على ما سبق ذكره بمنهجية تعتمد المقارنة لبعض الفصول من الدستور الحالي ذات الصلة، وسأعمد في نهاية المقارنة المجردة إلى إبداء بعض الملاحظات المنهجية والمنطقية لتسهيل الخلاصات.

بين الحكم والحكومة

هنا سأذكر بصلاحيات المجلس الحكومي والوزاري بغاية البحث عن مظاهر الحكم بين الصلاحيتين.ملحوظة: يتعين على رئيس الحكومة إطلاع الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة.

من يقرأ هذين الفصلين الرئيسيين من الدستور (49،92) لا شك سيقف على الحد الأدنى من الملاحظات التي سنتقاسمها مع المتتبع على الشكل التالي:

الملاحظة 1: جوهر صلاحيات الحكومة تتلخص في رسم السياسات العامة والعمومية والقطاعية، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تخرج هذه السياسات عن العنوان الأبرز (التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة) وهي أولى صلاحيات المجلس الوزاري. كما أن بعض الصلاحيات الأخرى المفوضة للحكومة، ما هي في حقيقة الأمر إلا تفصيل لصلاحيات المجلس الوزاري من قبيل:

• التوجهات العامة لمشروع قانون المالية مقابل مشروع قانون المالية.

• مشاريع القوانين التنظيمية مقابل مشاريع المراسيم التنظيمية.

الملاحظة 2: تجريد المجلس الحكومي من بعض الصلاحيات الحاسمة لحساب المجلس الوزاري من قبيل:

• مشاريع مراجعة الدستور.

• مشروع قانون العفو العام.

• إعلان حالة الحصار.

• إشهار الحرب.

• التعيين في المناصب المدنية الهامة مثل والي بنك المغرب والسفراء والولاة والعمال.

الملاحظة 3: بعض الصلاحيات التي قد تمنح القوة للمجلس الحكومي يتناولها على سبيل الاقتراح على المجلس الوزاري:

• السياسة العامة للدولة.

• المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

• اقتراح حل مجلس النواب من قبل رئيس الحكومة.

الملاحظة 4: باقي الصلاحيات فنية لا تفضي ممارستها إلى التمتع بالحكم:

• التداول في السياسات القطاعية.

• طلب الثقة من مجلس النواب.

• التداول في مشاريع القوانين قبل إيداعها بمكتب مجلس النواب.

الملاحظة 5: العبارة الواردة في مستهل الفصلين والمتمثلة في كلمة ( يتداول) تثير التساؤل لكونها لا تعبر عن المطلوب ألا وهو التقرير بعد التشاور. بحيث لا يعقل أن يتداول مجلسين في قضايا نفسها دون التصريح بحق الحسم لأحدهما. وهو ما يفتح النقاش على مصراعيه حول جدوى اعتماد لغة كهذه.

خلاصة:

الجديد الذي حمله الدستور بخصوص الحكومة هو أنه ألزم الملك باختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات التشريعية، إلا أن القانون الانتخابي المعتمد يلزم الحزب الفائز بتشكيل حكومة شبه ائتلافية تتوزع صلاحيتها بين الجانب الفني المعروف من عمل كل الحكومات (خصوصا العلاقة مع البرلمان) وصلاحيات أخرى تتأرجح بين الاجتهاد في الاقتراح إلى المجلس الوزاري برئاسة الملك أو تفصيل بعض مقترحات المجلس الوزاري على سبيل التبني والالتزام.

بين الملك ورئيس الحكومة

قيل في خضم النقاش حول الدستور الجديد إن الملك قد تنازل عن بعض صلاحياته لرئيس الحكومة المنتخب من أجل مزيد من تكريس الديمقراطية وتجسيد الإرادة الشعبية التي يطالب بها المقاطعون، في حين تمسك المقاطعون لمسار الإصلاحات المقترحة أن هذه التنازلات لم تمس جوهر الحكم، بل لامست بعض المجالات المعزولة أو المقيدة دستوريا وعمليا بصلاحيات عليا.

ومن أجل رفع اللبس عن هذا النقاش سنحاول تجميع بعض النصوص الخاصة بصلاحية المؤسستين للوقوف عند صدقية دفوعات كل فريق.قراءة هذه الفصول ومقارنتها ببعضها يسمح بإبداء الملاحظات التالية:

الملاحظة 1: تتميز صلاحيات الملك بالنهائية، أما صلاحيات رئيس الحكومة (خصوصا ما يترتب عنه تغيير في الشخصيات أو البنيات الأساسية للحكم) فتتميز بالطبيعة الاقتراحية. كما أن التفويض الممنوح لرئيس الوزراء من قبل الملك في بعض المهام يشترط الاتفاق المسبق حول جدول الأعمال أو سقف التداول.

مثال ذلك: إقالة الوزراء، رئاسة المجلس الوزاري من قبل رئيس الوزراء، رئاسة المجلس الأعلى للأمن، اتخاذ المبادرة بمراجعة الدستور.

الملاحظة 2: بعض الصلاحيات المخولة لرئيس الحكومة هي نفسها مخولة لرئيس المحكمة الدستورية المعين أو رئيس مجلس النواب أو المستشارين: اتخاذ المبادرة بمراجعة الدستور،إ حالة الاتفاقيات الدولية قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المحكمة الدستورية.

الملاحظة 3: حق اقتراح حل مجلس النواب من قبل رئيس الحكومة (الفصل 104) يعتريه اللبس لعدة معطيات:

• للحكومة أغلبية في مجلس النواب، وحل المجلس يعني بالضمن حل الحكومة نفسها، وهي الصلاحية التي يمكن الوصول إليها بأقرب الطرق، وذلك باستقالة رئيس الحكومة الذي يترتب عنه إقالة الحكومة.

• شرطية تنفيذ هذه الصلاحية باستشارة الملك ورئيس المجلس يحيل على التساؤل حول طبيعة هذه الاستشارة وآليات تدبيرها.

• حل مجلس النواب يعني عمليا الدخول في الاستثناء وهو ما يعتبر مستبعدا جدا في ظل أنظمة عربية يعتبر الاستقرار فيها خطا أحمر. مما يعني منح صلاحيات مجردة أو شاذة، ومما يزيد من تضعيفها أن هذه الصلاحية ممنوحة أصلا للمك حيث يحق له حل مجلسي البرلمان مجتمعين.

الملاحظة 4: إعطاء الصلاحية لرئيس الحكومة في قضايا استثنائية ومقيدة (اقتراح تعديل الدستور) على حساب تجريده من صلاحيات ملحة ومرتبطة بالقضايا اليومية للمواطنين (تعيين القضاة والسيادة الكاملة على قضايا العدل) يعتبر بدعة يتميز بها الدستور الجديد.

الملاحظة 5: استمرار تبعية البرنامج الحكومي لتوجيهات الخطاب الملكي أمام البرلمان نظرا لعدم قابلية هذا الأخير للناش وفقا لمقتضيات الفصل 52.

الملاحظة 6: يعتبر الفصل 95 القاضي بإلزامية إقرار القوانين التي يتم عرضها على البرلمان من أجل قراءة جديدة تهديدا حقيقيا لعملية التشريع.

الملاحظة 7: تعتبر عضوية رئيس الحكومة في بعض المجالس أقل شأنا من عضوية بعض الشخصيات الأخرى. مثلا يحضر رئيس الحكومة للمجلس الوزاري برئاسة الملك، أو يحضر للمجلس الأعلى للأمن كأي عضو آخر من أعضاء المجلس. في حين يحضر مثلا الرئيس الأول لمحكمة النقض للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بصفته رئيسا منتدبا.

الملاحظة 8: يحرم رئيس الحكومة من بعض الصلاحيات التي تمنح بالمقابل لبعض الشخصيات الأقل شأنا في هرم السلطة.

مثال ذلك حق الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى في اقتراح عضو واحد من بين ستة أعضاء يعينهم الملك في المحكمة الدستورية.

من غير التباس

من غير المعقول أن نحاسب رئيس الحكومة أو الحكومة مجتمعة على صلاحيات ليست لهم، ومن غير المنطقي أن يدعي رئيس الحكومة أو أحد أعضاء فريقه أن له القدرة على النبش في قضايا استراتيجية أو مصيرية لأن فصول الدستور واضحة في هذا الباب. ومن لا يزال يجادل فإني أقترح عليه الخلاصة التالية.

إذا اتفقنا أن الحكم والسيادة هي حق التقرير على الأقل في المجالات التالية: المجال العسكري، إعلان الحرب، التشريع، الأمر بتنفيذ القوانين، الأمر بتنفيذ الأحكام، استقبال واعتماد السلك الدبلوماسي، الحقل الديني، تعيين المحكمة الدستورية، التعيين في المناصب والوظائف الهامة، فإني أقترح عليك أن تقرأ ذلك من خلال الفصول الآتية:

الحقل الديني: الفصل 41

التعيين في الوظائف الهامة: الفصل 49

الأمر بتنفيذ القوانين: الفصل 50

التعيين في الوظائف العسكرية: الفصل 53

المعاهدات والتعيينات الدبلوماسية: الفصل 55

الموافقة على تعيين القضاة: الفصل 57

حق طلب القراءة الجديدة للقوانين: الفصل 95

استقلالية وتبعية السلطة القضائية: الفصل 107

إصدار الأحكلم وتنفيذها: الفصل 124

تعيين المحكمة الدستورية: الفصل 130

ملتمس وتصويب

المرجو عدم إحراج الحكومة ورئيسها بالسؤال حول هذه القضايا المذكورة لأنها ليست من اختصاص مجلس حكومتهم الموقر.