كلما توالت الأحداث يتأكد الابتعاد السحيق للنظام السياسي المغربي عن مواصفات الأنظمة الديمقراطية، التي يزعم أنه اكتسب العضوية في ناديها بتمرير دستور فاتح يوليوز العاري من الصدقية والمصداقية؛ إذ الأنظمة الديمقرطية تقوم على شرعية شعبية يجسدها دستور، السلطة فيه للشعب وإرادته المعبَّر عنها من خلال استحقاقات شفافة ودالة، والأنظمة الديمقراطية تنضبط للإطار القانوني وتخضع له، كما يخضع له الأفراد، وتهيئ له الإدارة المستقلة لتنفذ والقضاء النزيه ليفصل.

وحيث إن الدستور القديم الجديد يُشرعن لهيمنة الحاكم ويعلو به فوق القوانين والمحاسبة، وحيث إن الدولة بأجهزتها القضائية والأمنية والتنفيذية خادمة للحاكم، فلا حُرمة لمن يجرؤ على معارضته، بل يغدو مستهدفا في عرضه ومصدر رزقه وراحته وصحته وبيته بإجراءات تحكمية ـ التعليمات ـ إن لم تُسعف المساطر القانونية.

في نظام مثل هذا يسود “منطق” العبث، إذ تتملك المخزن حالة مزاجية غريبة في سلوكه مع معارضيه. وقد كان نصيب جماعة العدل والإحسان وافرا من هذا السلوك، فضدا على القوانين والأعراف الدولية وبقرار عار من أي سند قانوني فرضت السلطات الأمنية المخزنية الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والإحسان يوم 30 دجنبر1989، وتحت الضغط المحلي والدولي اضطر النظام لرفع الحصار التحكمي يوم13 دجنبر 1995، لتأتي الأوامر والتعليمات بالخبر اليقين، ناسخة ما تناقلته وكالات الأنباء الأجنبية، أن الحصار لم يُرفع.

والتفافا على تداول حقيقي على السلطة وتنفيسا لاحتقان شعبي تراكم منذ انتفاضة الخبز في الثمانينيات من القرن الماضي تم تسريح المعتقلين السياسيين والسماح بعودة المبعدين واستثني طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر.

وتحت ضغط الشارع المطالب بإصلاح حقيقي عناوينه: حرية، كرامة، عدالة تم توظيف حملة الشهادات العليا في محاولة للالتفاف على الهبة الربيعية، ووظف ضمنهم طلبة العدل والإحسان ـ المعتقلون سابقا ـ بصفتهم حملة شهادات عليا، ثم تراجع المخزن فألغى قرارات توظيفهم بإجراء إداري/التعليمات.

وردا على انفضاح شبكة تجسسه على الجماعة واكتشاف أحد عملائه المندسين في صف العدل والإحسان اختطفت الفرقة الوطنية سبعة من قيادييها بفاس، وبعد الإمعان في تعذيبهم والنيل من كرامتهم لفقت لهم تهمة اختطاف جاسوس المخزن وتعذيبه، وأمام مساندة حقوقية محلية ووطنية ودولية لملفهم بُرئ المتابعون بما نسب إليهم، ليستدرك المخزن بعد شهور من التماطل واللعب على عنصر الزمن ويُدينهم بما قضوا.

رُفع الحصار، لم يرفع الحصار.

سُرح معتقلو الرأي، لم يُسرح طلبة العدل والإحسان.

وُظف أطر الجماعة، لم يوظفوا، بل ألغي القرار.

بُرِّأ معتقلو الجماعة بفاس، لم يُبرأوا، بل أدينوا.

سياسة نقض الغزل ـ كما يقال ـ ومزاجية وارتباك تؤكد أن “منطق” العبث هو المتحكم في سلوك المخزن، وأنه بذلك يعيش مرحلة ما قبل الدولة، فتصرفات العقلاء منزهة عن العبث، فكيف بتصرفات دولة. مزاجية غريبة تعتبر حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم هبة مخزنية لا ينالها إلا العازفون على وتره وفق ما يعشق من إيقاع.

إن النظام المخزني بهذه المقاربة يفقد رصيده السياسي ويستهلك من حيث لا يدري مخزونه الشعبي، إن كان له رصيد أو مخزون، ويدفع من ما زال يثق في شعاراته البراقة بهذه الممارسات ليلتحق بالشارع الغاضب المنتفض المطالب بنظام سياسي وفق المعايير الدولية. ولو تبصّر المخزن لاهتدى ـ وأنى له ذلك ـ أنه بهذا التضييق على جماعة العدل والإحسان يسدي لها خدمات كبيرة تنمي شعبيتها وتضاعف قاعدة متعاطفيها وتزكي براءتها من الانخراط في بهتان المخزن.

إن أي متتبع لمسار جماعة العدل والإحسان يعرف يقينا أن هذه الأساليب لم ولن تنال من عزيمتها ولا من تصميمها على نصرة الحق والدفاع عن المستضعفين مهما كلفها ذلك من ثمن ما دامت الغاية هي رضا الله، والسعي مع أصحاب النيات الحسنة لخدمة هذا الشعب الذي يستحق، كغيره من شعوب الأرض، الحرية والعزة والعدالة والكرامة.