حاضر الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، أمام ثلة من مسؤولي الجماعة وقيادييها في موضوع “قوة المؤمن واستثماراتها الدعوية والتنظيمية”، هذه بعض أهم الأفكار التي أورد:

القوة: المعنى والدلالات

القوة في اللغة خلاف الضعف، وتدور مجمل معانيها عموما على المتانة والتمكن والتأثير والنشاط، وتأتي عند الفيزيائيين بمعنى المؤثر الذي يحدث أو يحاول إحداث تغيير في الجسم حركة أو موضعا أو اتجاها، وبوسعنا أن نعرفها نحن بأنها: المؤثر الذي يغير أو يحاول تغيير أمرا ما بإذن الله تعالى)، فنخرج من دائرة نسبة الأشياء إلا غير فاعلها وبارئها سبحانه جل وعلا إذ لا حركة ولا سكون إلا بإذنه.

وقد وردت كلمة القوة في القرآن في 28 موضعا مختلفة الدلالة بحسب سياقها وموضعها، مما نختاره منها ما يبرز أن القوة صفة من صفات المولى عز وجل فهو سبحانه عز وجل الرزاق ذو القوة المتين الذاريات 58، والقوة جميعها في حقيقتها وكينونتها هي لله لا لغيره يقول الله سبحانه وتعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) البقرة، وهو القوي الأشد قال تعالى فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فصلت.

والقوة بعد تفضل ومنة منه على عباده متى استغفروه وتابوا إليه ورجوا رحمته وعفوه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) هود.

ثم إن القوة تحمل معاني الاستجابة لأمر الله التزاما وقياما وانتهاء وشهادة، قال تعالى مخاطبا موسى عليه السلام وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) الأعراف، وقال مخاطبا نبيه يحيى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) مريم، وقال تعالى مخاطبا بني إسرائيل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) البقرة، وقال تعالى خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) البقرة، وقال تعالى أيضا وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) الأعراف.

في الحديث النبوي الشريف ما يدل على خيرية وأفضلية المؤمن القوي ومحبة الله له مقارنة مع الضعيف وإن كان الخير يهم حتى الضعيف فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان”. رواه مسلم.

في فقه الحديث ما يبرز حرمة المؤمن أساسا كيفما كان ضعيفا أو قويا ففي كل خير على كل حال، بيد أن الأفضلية والخيرية والمحبة الإلهية متوجبة في حق المؤمن القوي، وفي الحديث أيضا توجيه بليغ إلى أنه حتى إن غلبت حالة الضعف التي هي طبع إنساني فعلى المؤمن أن يحرص على ما ينفعه بأن لا يستسلم للعجز الذي تجبره عليه الظروف، ولا للكسل الذي ينتج عن عوامل ذاتية داخلية من تلقاء القابلية للاستسلام، بل إن اللازم الذي يتوجب هو أن يقوم المؤمن مستعينا بالله متوكلا عليه، فإن أصابه شيء مما يكره فليعلم أن في ذلك خيرا له وليزم السكينة وليطمئن لقدر الله ولا يسلم نفسه لهواجس اللعين ووساوس الشيطان الرجيم تذهب كل مذهب.

أنواع القوة

إن العمل الجهادي الذي يأخذ أمر الله عز وجل بقوة، وينهض للشهادة بالقسط مستعينا بالله، مستعيذا به من العجز والكسل، مؤمنا بقدر الله وفعله الحكيم لا بد من أنواع من القوة منها:

– قوة الطليعة القائدة التي تجمع إلى عنصر القوة عنصر الأمانة إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين القصص: 26، مع تواضع وذلة تنغلق بهما أبواب الغرور والكبر القاتلين: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39).

– قوة التغلغل في الشعب صحبة وخدمة ومواساة وحضورا دائما في مجالسه ومنتدياته.

– قوة الحضور في الميدان مدافعة ومنافحة وتحملا لهموم الأمة ونصرة لقضايا مستضعفيها.

– القوة الاقتراحية علما وعملا بما يجدد دماء الدعوة ويفتح آفاقا ممتدة.

– قوة الصف محبة وانسجاما وتطاوعا بما يدفع التنازع المنشئ للفشل وذهاب الريح حيث الاختلاف في الرأي تنوع وإبداع لا تضاد وصراع.

– قوة الإعداد والاستعداد العقلي والنفسي والبدني والتقني والاقتصادي استجماعا للوسائل المادية وبناء للعدة الذاتية التي تسمع صوتك وسط مجتمع لا يفهم غير لغة القوة والأقوياء.

استمداد القوة

تستمد القوة من مناهل أساسية على رأسها:

– التوكل على الله عز وجل توكل المتيقن في وعده وموعوده حيث التوكل على الله جل وعلا أمان من مجهول المستقبل غير المعلوم وراحة قلبية مستعينة تضع نصب عينيها: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

– نيل الحظ من الله عز وجل وما ينجم عن ذلك من قوة الروح والإيمان.

– العلم بماهية علم الدعوة على أساس من وضوح في المنهاج وتكامله.

– امتلاك ناصية العلوم الضرورية لإنجاز المشروع الحركي تدبيرا وتنظيما وتواصلا.

– قوة المبادئ والوسائل.

– قوة المحبة والتصافي إذ الصفاء وعاء العطاء وتوزين العامل الذاتي ركن ركين في بناء القوة والاستمداد منها.