يهدف هذا المقال – بحول الله – إلى الوقوف على جانب في “المنهاج النبوي” للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، في إشاراته الفنية وملامحه ذات الصفة الأدبية المتوسَّل بها في تأدية المعنى وتوصيل الرسالة. مدركين في ذلك حدود هذه الملامح وموقعها في بنية المتن المنهاجي. إذ من الضروري الإلحاح على أن صفة البعد الأدبي التي وسمنا بها المنهاج النبوي ليست مقصودة في حد ذاتها، وإن كانت من مطالبه التي تُتَمِّمُ عناصر الإبلاغ. ولعل من أهداف هذا المقال أيضا، لفت الانتباه إلى هذا المتن الخصب في بعد من أبعاده، والذي يعد قاسما مشتركا بين نصوص أدبية وأخرى غير أدبية مع اختلاف في التوظيف. هذا فضلا عن إعطاء صاحب هذا المشروع المنهاجي وضعه الاعتباري، ومنزلته في العلم والفكر والمعرفة والتربية، فضلا عن اللغة والأدب والشعر. وقبل تبين ذلك، نبدأ بملاحظتين اثنتين:

الملاحظة الأولى: في السياق العام للكتابة المنهاجية

تسير كتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في اتجاه قاصد، يتجلى أساسا في توضيح مشروعه “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، والإقناع بنجاعته في التربية والبناء والتغيير. ذلك المشروع الذي تسنده رؤية تربوية ودعوية عميقة، وتؤطره دراية واسعة ومنفتحة على حقول معرفية وفكرية تخص مجالات التربية والدعوة والفقه والتاريخ والاقتصاد والسياسة والأدب والواقع وقضايا الأمة؛ وهي مجالات تتناغم وتتكامل فيما بينها في إطار من التعاضد الذي يشد بعضه بعضا في بناء مرصوص يختزل فهم الأستاذ المرشد حفظه الله للمنهاج النبوي تربية وتنظيما وجهادا.

الملاحظة الثانية: الأدب قطف من مشروع متكامل

إن الكتابة الأدبية الفنية لدى الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله كتابة شارحة لمشروعه “المنهاج النبوي”، بمزيد من التوضيح والتلطف بالكلمة الموحية والشاعرة توسيعا وتفسيرا. ومن جانب آخر، هي كتابة مُكمِّلة لهذا المشروع بمزيد من الإضافات اللطيفة لما في النثر التأليفي لديه. ثم إنها بالإضافة إلى ذلك مبنية على السياق العام لكتاباته، بما هي جزء لا يتجزأ من مشروع عام هو دليلُ منهاجِ دعوةٍ وبناءٍ ونصرِ كلمة الله، وتوصيلها بكل أساليب التبليغ النثرية والشعرية. وفي سياق ذلك يقول حفظه الله في مقدمة ديوان “شذرات”: وعظتك نثرا وعظتك شعرا *** دعوتك بالصبح والغَـلَسِ
دعوتك تصحب جمع الخيار *** وتذكر ربك في أنــُـسِ
وتطلب وجه الإله بصـدق *** وتبذل نفسك في الأنْفُــسِ

المنهاج النبوي والشعر

ظل الشعر في تاريخ الأمة ماضيا وحاضرا، مرآةً تنعكس فيها أخلاقُها ورؤيتُها لعلاقة الإنسان بالخالق عز وجل، ونظرتُها للكون والحياة؛ فهو مجال حكمتها، وديوان لغتها، ومنبع مصطلحاتها العلمية والنقدية والبلاغية، وسجل أخبارها وأيامها وأنسابها وعاداتها، وطريقة تفكيرها وبحثها عن الحقيقة. يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله: لو سألوا الحقيقة أن تختار لها مكانا تشرف منه على الكون، لما اختارت غير بيت من الشعر) 1 . لقد ظل هذا واضحا في سماء التجربة الشعرية العربية بالرغم من محاولة البعض تأكيد “صفاء الشعر” للإبداع دون غيره.

ولعل من الخصائص التي يتسم بها فن الشعر قابليتُه للتوظيف والاندماج مع بقية الخطابات الأخرى. ومن هذه الزاوية ينفتح المنهاج النبوي على جنس الشعر الذي يمثل الوجه الأدبيَّ الفني بامتياز لضروب الأفكار وخلجات الخواطر، إذ يجد المطلع على تجربة الكتابة المنهاجية للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، ما يلفت الانتباه بشكل واضح جدا، إلى انتشار الشعر عبر صفحات ومقاطع وفقرات متعددة من كتاباته، وفي مقدمتها، كتاب “الإحسان” (في جزأيه الأول والثاني) الذي يحضر الشعر في نهاية فقراته من وجهين: شعرٍ عمودي فصيح من ديوان شعر الرقائق على اختلاف عصور الأدب الإسلامي، وشعر عمودي فصيح من نظم صاحب الكتاب.

يقول الأستاذ المرشد حفظه الله في كتاب (الإحسان): في كتابي هذا أبدأ كل فقرة بالبسملة فكل كلمة ذو بال، وأرصع كل فقرة في البداية بدعاء قرآني أو نبوي أو بهما معا، وأوشيها بشعر يرقق الشعور. والشعر بعضه حكمة. روى البخاري في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر وما يكره منه، أن أبي بن كعب أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من الشعر لحكمة”. والحكمة كما قال البخاري في مكان آخر هي: “الصواب في غير النبوة”) 2 .

وانفتاح المنهاج النبوي على جنس الشعر يجسد إحدى ملامح أدبيته التي تترجم التعريف القديم للأدب بأنه حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف) 3 . ففضلا عن الأخذ بطرفٍ من فن الشعر، تَجْمَعُ كتب الأستاذ المرشد حفظه الله ما شاء الله من الأشعار المبثوثةِ في ثنايا صفحاتها، والمنثورةِ فيها هنا وهناك. إذ يضم كتاب “الإحسان” ما يزيد عن ألف بيت من الشعر الفصيح الذي انتُقي بعناية فائقة للتعبير عن معاني السلوك إلى الله عز وجل، ودلالات البحث عن مقامات الإحسان والقرب منه سبحانه وتعالى. وقد فطن لهذه الحكمة في جمع مختارات من الشعر الأوائلُ من السلف رحمهم الله، فانتخبوا في دواوين خاصة من جواهر القول وبديعه، وقاموا بتنضيدها وتنسيقها وترتيبها، وأبدعوا في عرضها.

وفضلا عن ذلك، تُؤَثِّثُ تجربةُ الكتابة والتأليف باحَةَ التجديد الإسلامي لدى الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، بمساحة شعرية خاصة من قوله ومنظومه، صدر منها لحد الآن ثلاثة أعمال شعرية من الحجم المتوسط، هي ديوان “شذرات”، و”المنظومة الوعظية”، وديوان “قطوف” في ثلاثة أجزاء. وسنخصص للموضوع – إن شاء الله – مقالا خاصا في غير هذا المقام.

إن توظيف الشعر في المنهاج النبوي زيادةً عن المَسْحة الأدبية الفنية الجمالية التي أضفاها على هذا المشروع التجديدي، بدلالة قول الأستاذ المرشد الآنف الذكر “وأوشِّيها بشعر يرقق الشعور”، إن هذا التوظيف يجسد مرجعيةً تتأكد فيها الوظيفة التأثيرية والتربوية للشعر، بوصفه صوتا يخاطب الناس ويثير أحاسيسهم ومشاعرهم بلغة فنية خاصة، لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان) 4 .

هذه الوظيفة التربوية التعليمية للشعر “لم تعد صالحة” مع بعض اتجاهات شعر الحداثة التي انعطفت بشعرنا العربي وِجهةً أخرى هي وجهة الشعر الغربي الحديث بِعُجَرِه وبُجَرِه. فمن زاوية نظرتها إلى الشعر، تراه إبداعا محوره الإبداع، أو فنا محوره الفن فحسب. يقول أدونيس في سياق انتصاره لهذه الفكرة: لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع) 5 . لأن تلك الوظيفة في رأيه تفرض موضوعات تعكس اهتمامات عملية وتفرض التعبير عنها بطريقة واضحة وسهلة ليفهمها العدد الأكبر) 6 ، ولأنها على حد تعبيره تتضمن حضور الآخر وغياب الأنا) 7 . فالشعر إذن، من هذا المنظور لا محل فيه للآخر ولا للجماهير، بل لا وظيفة له، ولا فائدة ولا منفعة، إنه بهذا المعنى لا غرض له إلا نفسه.

تلك بعض ملامح (الأدبية) في المنهاج النبوي في ناحيةٍ من نواحي الأخذ بطرفٍ من فن الشعر، وقبل إسدال الستار على هذه الأسطر نختم بالملاحظات الآتية: الأولى أننا أمام مؤلف محترف ومتمرّس يعرف صنعته جيدا. والثانية أن فنية المنهاج النبوي وبعده الأدبي ليسا بالمقوِّم النصي الذي يمكن تجاوزه والقفز عليه، بل يحتاج منا وقفات وقراءات شارحة متخصصة. والثالثة أنه من الضروري الإلحاح على أن صفة الأدبية التي وسمنا بها المنهاج النبوي ليست مقصودة في حد ذاتها، وإن كانت من مطالبه التي تُتَمِّمُ عناصر الإبلاغ.

كما نسجل بصدد الحديث عن حوارية المنهاج النبوي للشعر، التأكيد على مسؤولية هذا الأخير تجاه واقعه وعالمه وجمهوره، من خلال ما يضطلع به من وظائف تربوية وتعليمية ومعرفية وعلمية. يقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الشعر يدل على معالي الأخلاق) 8 ، ومما جاء من أقوال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: الشعر أعلى مراتب الأدب) 9 .

ويقول الأديب والناقد المغربي بن العباس القباج رحمه الله:إذَا الشِّعْرُ لَمْ يُوقِظْ مِنَ الشَّعْبِ رَاقِدًا *** فَلَا قَذَفَتْ دُرُّ القَوَافِي بُحُـورُهَا
وَرُبَّ قَـوَافٍ مِنْ دُمُـوعٍ نَظَـمْتُهَا *** فَكَانَتْ عُقُودًا وَالْأَمَانِي نُحُورُهَا
يَعِـزًّ عَلَى عَيْـني البُكَـاءُ وَإِنَّـمَا *** عَلَى ذِكْرِ أَوْطَانِي يَفِيضُ غَدِيرُهَا
10


[1] نقلا عن مقال: “هل يسمع شعراؤنا”، محمد بن العباس القباج، مجلة المغرب، ع.21، 1934.\
[2] الإحسان، الجزء الأول، ذ.عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط.1، 1998. ص.78.\
[3] مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، دار صادر، بيروت، ط.3، 2006، ص.448.\
[4] المنظومة الوعظية، ذ.عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط.1، ص.4.\
[5] تجربتي الشعرية، أدونيس، المجلة العربية للثقافة، مارس 1982، ص.274.\
[6] زمن الشعر، أدونيس، دار العودة، بيروت، ط.1، 1978، ص.37.\
[7] (م.س)، والصفحة.\
[8] العمدة في صناعة الشعر ونقده، ابن رشيق القيرواني، دار الكتب العلمية، بيروت، 1/28.\
[9] (م.س)، 28.\
[10] مجلة المغرب، ع.21،(م.س).\