بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم بين يدي هذه القراءة المشهدَ الافتراضي التالي: على غرار ما عرفته دول الربيع العربي من احتجاجات وانتفاضات ترمي إلى تمكين الشعوب من حريتها وكرامتها التي حرمت منها قرونا من الزمن، واسترجاع حقها في اختيار ومراقبة ومحاسبة من يحكمها، تداعى الشعب المغربي والإسلاميون بمختلف تنظيماتهم واليساريون واللبراليون والعلمانيون إلى القيام بهبة جماهيرية سلمية مبنية على أساس توافق مشترك على سقف المطالب وأشكال التحرك فتمكنوا من إرغام المخزن على اتخاذ إجراءات تفكك منظومات الاستبداد والفساد، وتحت هذه الإجراءات اندرج تحديد تاريخ تنظيم انتخابات حرة ونزيهة أسفرت -بعد إجرائها- عن احتلال حزب “العدالة والتنمية” للمركز الأول من حيث عدد الأصوات وعدد المقاعد، وعلى إثر ذلك تقدم له حزب “العدل والإحسان” وبعض الأحزاب اليسارية واللبرالية والعلمانية بتهانيهم، ليشرع الجميع – كل من موقعه في تحالف حاكم أو في معارضة قوية- في عملية بناء الوطن ووضعه على سكة العدالة والديموقراطية والحرية، هذا هو السياق الحق الوحيد الذي يجب تهنئة الفائز فيه، ويسمح لبعض إسلاميي المغرب بأن يُشبِّهوا فوزهم بفوز حزب “النهضة” في تونس، وكل تشبيه في غير هذا السياق فهو تشبيه في سياق مضلل.

ولعل مقارنة بين سير الأحداث في تونس ومصر سيتيح لنا تمييز السياقات الحقة من السياقات المضلِّلة، ليتبين لنا هل جرت انتخابات 25 نونبر المغربية في السياق الصحيح أو في السياق الخطأ؟

تونس: مهارة التجديف وسط الأمواج المتلاطمة

الاستبداد يوجد حالة من التبلد تظهر في صورة استسلام ولامبالاة يحسبها المستبدون نعمة استقرار توجب شكر الشعب لهم عليها، ولقد طالت تدابيرهم القمعية للحفاظ على ذلك “الاستقرار” أجساد الناس وأبشارهم ولم تطل قلوبهم وأرواحهم التي ظلت جمرا تحت التراب سرعان ما اتقد عند أول نداء حقيقي للتحرر من الاستعباد والاستبداد، فتلقى الناس في الشوارع الرصاص بالصدور العارية، فسقط الشهداء الواحد تلو الآخر إلى أن تغلب الدم على السيف، وفر الحاكم المتأله، ووجد الشعب التونسي ونُخَبه أنفسهم أمام شكل آخر من المؤامرات يرمي إلى الالتفاف على مطالب الثورة وإفراغها من مضامينها لولا يقظة الناس الذين لم يبرحوا الشوارع حتى اتضحت لهم ملامح التغيير الحقيقي المطلوب، ويمكن إجمال تلك الملامح في الأمور التالية:

1- انتخاب مجلس تأسيسي مهمته الرئيسة وضع دستور جديد للبلاد

2- إشراف هيئة مستقلة على تنظيم الانتخابات ابتداء من التسجيل في اللوائح الانتخابية وانتهاء بإعلان النتائج

3- إشراك توانسة المهجر في التصويت

4- تحييد الجيش وقصر مهمته على توفير الأمن وحماية العملية الانتخابية

5- الكشف عن المفسدين ومحاسبتهم

ووقع إجراء الانتخابات وسط إقبال كبير من المواطنين فاق كل التوقعات إذ زادت نسبة المشاركة على 80 %، وأظهرت نتائجها:

1- التقدم الكبير لحزب “النهضة” الإسلامي على منافسيه، فحصل على أكبر عدد من المقاعد، وأكبر عدد من الأصوات، وأكبر تمثيل للمرأة في المجلس التأسيسي.

2- مكافأة الشعب التونسي للحزب الذي قدم أكبر عدد من الشهداء والمعتقلين والمنفيين، وهي مكافأة نقلت الإسلاميين من الملاجئ والمعتقلات إلى مواقع الحكم والتدبير.

3- اختار الشعب جانب الاعتدال الإسلامي (النهضة) واللبرالي (المؤتمر من أجل الجمهورية ) واليساري (التكتل الديموقراطي)، ونبذ جانب التطرف المتمثل في الحزب التقدمي الديمقراطي الذي لم يغفر له الشعب مشاركته في حكومة محمد الغنوشي الالتفافية، وفي حزب العمال الشيوعي الذي يتقن لغة الخشب، ويتمترس خلف أيديولوجية بالية غريبة عن البيئة الحضارية التونسية.

وهكذا تتالت الأحداث بتونس بشكل سلس ينبئ عن ولوج البلاد لمرحلة جديدة يتم القطع فيها مع الاستبداد بصفة نهائية.

مصر: الأهم هو إنجاز الثورة

لم يختلف الوضع كثيرا في مصر عن مثله في تونس من حيث الخضوع عقودا من الزمن لنظام أمعن في قمع الحريات، ونهب الثروات، ومسخ الهوية، والتمكين للأجنبي، والحط من كرامة الناس، وإفساد الحياة السياسية، وأيقن المصريون -بعد نجاح الثورة التونسية- في إمكانية التخلص من حكم مبارك وذريته، فنزلت الملايين إلى “ميدان التحرير” من غير أن تتمايز في قناعاتها وانتماءاتها وتمكنت من إسقاط الحاكم في أقل من عشرين يوما، لكن الخطى قصرت بها عن إسقاط نظامه؛ لذلك خرجت الجموع من جديد لإنقاذ “الثورة”، وقطع الطريق على “الجيش” الذي بدت عليه أمارات التلكؤ في الوفاء بوعوده وتسليم السلطة للمدنيين، ولم يُسلِّم بإجراء الانتخابات إلا على مضض مخافة انكشاف نواياه الحقيقية، ولاعتقاده الراسخ بأن أي انتخابات حرة ونزيهة سيفوز فيها “الإسلاميون” بشقيهم المعتدل والمتشدد، وظهر للعيان أولا أن “الجيش” محاصر بخيار “الميدان” وخيار “الانتخابات” وأحلى الخيارين مر، وثانيا أنه لا مفر من تنظيم الانتخابات.

ولأول مرة في تاريخ مصر تأسست “اللجنة العليا للانتخابات المصرية” بتشكيل قضائي لتنظيم الانتخابات، وأسفرت نتائج المرحلة الأولى منها عن حصول التيار الإسلامي بممثِّلَيه الإخواني والسلفي على نسبة 65% من أصوات الناخبين الذين شاركوا بكثرة وبكثافة لم يسبق لها نظير منذ الفراعنة إلى الآن كما قال رئيس اللجنة.

المغرب: السياق المضلل

هل يمكننا أن نعثر على بعض المبررات التي تثبت أن ثمة تماثلا بين سياق تنظيم الانتخابات في كل من تونس ومصر وسياق تنظيمها في المغرب؟ لنتأمل هذه الخلاصات قبل الإجابة:

1- قبل العشرين من فبراير اقتصر عمل الحكومة على تدبير اللحظة، وإطفاء الحرائق الاجتماعية، وانتزع منها الملك ومستشاروه زمام المبادرة من خلال المجالس والقطاعات الموازية لإقناع الناس بأن ثمة “مؤسسة ملكية” تعمل في الميدان وتنجز.

2- الاستمرار في سياسة خلق الأحزاب الإدارية وفق سيناريو أعد سلفا بدقة ابتدأ بأحداث 16 ماي الإجرامية قصد الإجهاز على “الإسلاميين”، وبقيادة شخصية مقربة من الملك تمرست بأساليب القمع من خلال العمل في دهاليز “الداخلية”، و”فبركة” ملفات الضغط لاستعمالها عند الحاجة ضد الخصوم، والاستعانة برموز من اليسار السبعيني المتطرف، والتمكين لها حتى في محيط القصر نفسه، وتلك الشخصية لم تُخْفِ يوما إعجابها بنموذج حكم بنعلي وليلى.

3- بدا واضحا للعيان أن ثمة أيضا لوبيات تشتغل وتصل الليل بالنهار في سباق مع الوقت: “حزب فرنسا” و”اللوبي الصهيوني” على مستوى القرار الاستراتيجي، و”لوبي الأبناك” و”لوبي العقار” و”لوبي الاستثمار” على مستوى المعيش اليومي للمواطن. وفي كل المواقع الرسمية والإسلامية واليسارية والعلمانية واللبرالية شرفاء وفضلاء يعملون لمصلحة البلاد والعباد ويعانون في صمت ولسان حالهم يقول “العين بصيرة واليد قصيرة”.

4- مع اندلاع أولى الثورات بدأت الأرض تتزلزل من تحت أقدام الأنظمة المتسلطة، وبدأت الشعوب تُكسِّر حواجز الخوف والتردد، ومع انطلاق أولى الدعوات لاتخاذ يوم 20 فبراير موعدا للنزول إلى الشارع قصد التظاهر والمطالبة بإسقاط الاستبداد والفساد، ولم يُناد أحد بإحداث “الثورة”، وكان أول تنظيم أعلن دعمه الكامل -ولا يزال- لحركة 20 فبراير هو جماعة “العدل والإحسان”.

5- رأى المخزن أنه لا بد من رسم سياسة استباقية تقوم أولا على تشويه رموز حركة 20 فبراير، وثانيا على إرغام الأحزاب على إبداء موقفها من الحركة بشكل واضح وصريح، وثالثا على القيام بإجراءات شكلية لا تفكك منظومة الاستبداد والفساد ولكنها “تعيد الانتشار” و”توزيع الأدوار” من قبيل “التعديلات الدستورية”، ورابعا على اجتناب الرموز التي نادت حركة20 فبراير بفضحها ومحاسبتها، فحان قطاف أحد أكبر رؤوسها، ولم يجد حزب”العدالة والتنمية” أي صعوبة في الإطاحة به وجعله يتوارى عن الأنظار.

6- لقد كان حزب “العدالة والتنمية” منطقيا مع مساره الخاص منذ 1981، ولكنه لم يكن منطقيا مع المسار العام لسياق الربيع العربي، لكنه استغل بشكل ذكي الضغط “السياقي” على النظام، ولما كان من المتعسر عليه توجيه اللوم للملك، اختار أن يوجه اللوم لصديق الملك.

7- تجمعني نقاشات صريحة وودية مع أخ عزيز لي في حزب “العدالة والتنمية” قلت له يوما: هناك رأيان تسطيحيان: الرأي الذي كان يوجه اللوم “للعدل والإحسان” لأنها تنسق مع “الشيوعيين ووكالين رمضان” وكأنه مطلوب إليها أن تنقب عما في ضمائر الناس وتشق عن قلوبهم، وتبدي وجوها متجهمة للأخوات المتبرجات، والرأي الذي يسفه- كرد فعل مفهوم- عزم “العدالة والتنمية” الدخول في تحالف مع “التقدم والاشتراكية” وهو أب التنظيمات اليسارية، واعتقد أصحاب هذا الرأي أنه من حقهم أن يتمثلوا بقول الشاعر: “لا تنه عن خلق وتأتي مثله”.

8- رأينا كيف اقتضت السياقات الحقيقية في كل من تونس ومصر إشراف لجان مستقلة على تنظيم الانتخابات، وإشراك مواطني الدولتين بالمهجر في التصويت، وإرجاء وضع دستور جديد للبلاد إلى ما بعد ظهور نتائجها، وهو ما لم يتم بتاتا في المغرب: فوزارة الداخلية ذات الخبرة الكبيرة في تزوير الانتخابات نصبت نفسها مشرفا على العملية من بداياتها إلى نهاياتها، وهي حَكَم ذو مطمع وغير نزيه، وأعظم تزوير طال انتخابات 25 نونبر هو تزوير نسبة المشاركة التي لم تتجاوز قطعا 24%، جزء من هذه النسبة فقط هو الذي أوصل حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكومة التي كان بإمكانه أن يصلها وكتفه “أكثر سخونة” بمساندة قاعدة شعبية واسعة تنتزع الحقوق ولا تعطى لها في سياق تدافعي سلمي وتشاركي لا في سياق مضلل، والحزب إن تمكن الآن من تفكيك منظومة الفساد والاستبداد حقا وصدقا سيكون الكل شاكرا له، وسيقال للتنظيمات الغاضبة وعلى رأسها حركة 20 فبراير: “كفيتموه بغيركم”.

وإلى أن يتحقق ذلك وفي سياق الربيع العربي لا يَطْمَعَنَّ أحد في أن تَحيد “العدل والإحسان” عن أحد شروطها قيد أنملة، ويلزم تدبير الاختلاف الإسلامي- الإسلامي بشكل حضاري يترفَّع على لغة التخوين والنعت بالعَدمية، وما أحسن أن يتوجه القادة الإسلاميون إلى قواعدهم بهذه المقولة للأستاذ عبد السلام ياسين: ينبغي أن نقبل الواقع الطبيعيَّ بصدر رحب، واقعِ وجود الخلاف عند الإسلاميين، وأن نعالجه المعالجة البناءة، وأن نَفْسَح المجال للرأي والرأي المخالف. ويتوقف نجاحنا في الدعوة والدولة على قدرتنا وحكمتنا في تصريف الخلاف من خلال قنوات معارضة صادقة غير منافقة، صادعة بما عندها لا منطوية على الكمد، وما هذه الخلافات بين الصحابة رضي الله عنهم التي أدت إلى المقاتلة بالسيف إلا صنعٌ من صنع الله تعالى لنعتبر ونتعلم أن الموافقة الصامتة لا تكون إلا بين الأموات أو المقهورين المسلوبين صوت الحرية).