لا يخفى عليك وأنت البصير، أن الأمر الشرعي، يوافق الوضع الفطري للإنسان.

قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ سورة الروم الآية 30.

فما جاء، في سورة الفاتحة، من معاني العبادة الربانية، والأخوة الإنسانية، والقوة العمرانية، التي هي مقاصد الأمر الشرعي؛ كل ذلك يواتي طبيعة الإنسان، كما خلقه الله، الرب، الرحمن، الملك. فالربوبية اقتضت العبودية، والرحمة اقتضت الأخوة، والملك اقتضى العمران.

فانظر، رعاك الله، كيف مقاصد أمره، تستجيب لأمهات أسمائه وصفاته.

جاء في الحديث “إذا قاتل أحدكم أخاه، فليتجنب الوجه. فإن الله خلق آدم على صورته” 1 .

وهكذا يكون الأمر الشرعي، موافقا للوضع الفطري، مجلى الفاطر وصفاته.

ماهي مقومات الفطرة؟

نسترشد في ذلك، بقصة آدم كما حكاها القرآن؛ فهو عليه السلام، مثال الإنسان الفطري، إذ هو الإنسان الأول، خلقه الله سبحانه، من طين وروح، قال تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ سورة ص ألآية71، 72.

فمن الطين، الجسد جاء؛ وجاء، معه، الروح الحيواني يلبي حاجته للطعام والأمن من طريق الشهوة والغضب؛ قال تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى سورة طه 118، 119.

ومن النفخة، الروح الإنساني أشرق؛ وأشرقت معها الحاجة إلى العلم، ورحمة الأنس بالعشير، وطلب الحرية والكمال؛ فتفقد ذلك، واحدا بعد واحد، في هذه الآيات البينات:

– قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا سورة البقرة الآية 31.

– وقال عز من قائل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا سورة الأعراف الآية 189. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ سورة الروم الآية 21.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (1)

– وقال علت كلمته: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى سورة طه الآية 120.

وإذا تأملت مليا، وجدت كل هذه الحاجات، ترجع إلى واحدة: طلب الكمال: الخلد والملك الذي لا يبلى؛ هذا الذي لاسبيل إليه، إلا من طريق العبادة؛ من أجل ذلك، جعلها الله الغاية من الخلق، فقال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات الآية 56.

قد علمت، أن الدين عبادة ربانية، وأخوة إنسانية، وقوة عمرانية؛ وجاءك في هذه، أن الدين يواتي فطرتك، فهو مجيب لندائها، مستجيب لدعائها؛ فسؤل الحرية والكمال، يؤتاه العابد المحسن في عبادته؛ والشوق الظامئ إلى الأنس بالعشير، ترويه الأخوة الحانية: الزوج، والولد، والأبوان، والقريب، والجار، والصديق، والإنسان؛ والفقر إلى الطعام والأمن، يسده العمران الأخوي: الإمارة والفلاحة والصناعة والتجارة، ومنها تكون المكاسب والأرزاق، والمعاش والرياش.

وفي كل ذلك، العقل آلة؛ فإن كان للعبادة، فهو العقل الديني؛ وإن كان للأخوة، فهو العقل التجريبي؛ وإن كان للقوة العمرانية، فهو العقل التمييزي. وهو العقل النظري، تمده العقول الثلاثة؛ فيستعين بالحد الحقيقي والرسمي والاسمي؛ ويستعمل البرهان، يستنبط الجزئي من الكلي، ويستقرئ الجزئي ليظفر بالكلي؛ ويرتقي من المعقولات الأوائل إلى الثواني في التصور والتصديق، ويؤلف ما بينها سببا وشرطا ومانعا، ومابين القوة والفعل فيها، خروجا ودخولا وظهورا وتبادلا وسيادة وتداولا.

فالعقل النظري، تمده العقول الثلاثة، التي تسبح في عوالم ثلاثة: العالم الجسماني، والعالم الروحاني، والأفق الأعلى.

ثم أنت تعلم، أن هذه العقول تستعين بالدماغ والحواس جسمانية وروحانية، على التدريج؛ من الحس الظاهر، الذي تأتيه الحواس بما بصرت به أشتاتا؛ فالمشترك، الذي تأتيه به جميعا؛ إلى الحس الباطن، الذي يبدأ بالخيال يجرد من الحس المشترك صورا، ويستودعها الحافظة: خزينة المدركات، والواهمة: خزينة المشاعر.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (6)نواقض الأخوة

وإن أردت تزداد بيانا بشأن هذه العقول والعوالم فارجع إلى ابن خلدون رحمه الله في مقدمته.


[1] الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2612. خلاصة حكم المحدث: صحيح. \