لو افترضنا جدلا أن نسبة المشاركة في اقتراع 25 نونبر بلغت 45 في المائة المصرح بها من طرف وزارة الداخلية المشهود لها تاريخيا بتزوير إرادة المغاربة، ولو احتسبنا تلك النسبة من الكتلة الناخبة المقدرة ب24 مليون وأخذنا بعين الاعتبار الأصوات الملغاة، لما تجاوز المصوتون للأحزاب المشاركة في اللعبة السياسية المخزنية نسبة 20%.

ترى هل تجاوز نظام الحكم بالمغرب عقدته المزمنة المختزلة في نسبة المشاركة؟ وهل أغرت الانتخابات الأخيرة فعلا المغاربة بالمشاركة، أم أن الأمر لا يعدو كونه حلقة في سلسلة مأساة ملهاة عمرت أزيد من نصف قرن؟

1- ما إن أعلن وزير الداخلية المغربي نتائج اقتراع 25 نونبر، والتي قفزت بقدرة قادر إلى 45 في المائة عند الساعة السابعة ليلا، حتى توالت تصريحات “الزعماء” السياسيين الرسميين مشيدة بالنجاح الباهر والتجربة الرائدة ونجاح العرس الديمقراطي… وهلم مدحا.

للتذكير فالحملة الانتخابية انطلقت بإيقاع جد بارد ولم تثر اهتمام جلّ المغاربة في وسطها واختتمت بهواجس حقيقية من نسبة المشاركة، رغم تجييش البسطاء الذين رأوا فيها فرصة عمل دعائي بأجر مادي ورغم الإسهال الذي أصاب وسائل الإعلام الرسمية في التبشير بمحطة 25 نونبر.

الهواجس من نسبة المشاركة كانت المحرك الأساسي للكثير من زعماء أحزاب المخزن الذين ردّدوا بصيغ متعددة أن: انتخابات 25 نونبر كانت فرصة لاستعادة الثقة في الأحزاب والمؤسسات). هذه التصريحات تستبطن حقيقة لا يجادل فيها باحث منصف تقول أن: الأحزاب المغربية لم تعد منذ أمد بعيد مؤهلة لتأطير المغاربة وأنها لا تمثل إلا القلة القليلة منهم حد العدم، وأن المؤسسات التمثيلية ليس لها من تمثيل المغاربة إلا الاسم والريع المادي الذي يجنيه أصحابه.

الشاهد الأول عندنا مقارنة بسيطة بين الطوابير التي عرفتها الانتخابات المصرية الأخيرة والتي وصل طول أحدها كيلومترين وبين الفراغ البيّن والواضح أمام مكاتب التصويت المغربية شبه الفارغة، والصور أصدق أنباءً من التصريحات الرسمية.

والشاهد الثاني أن الأحزاب المشاركة في هذه الانتخابات (31 حزبا) لم تستطع أن تجمع أثناء حملاتها الانتخابية طيلة 12 يوم أكثر منى 600 ألف مواطن، أترك للقارئ الحصيف، بعملية حساب بسيطة، أن ينظر بجدية في فرية تمثيلية هذه الأحزاب للمغاربة.

2- مهما يكن فقد انكشفت بالواضح ملامح تدبير نظام الحكم بالمغرب للمرحلة المقبلة، والتي لن تخرج عن استمراره التحكم في كل مفاصل حياة المغاربة:

* سياسيا: التحكم بالحياة السياسية والانفراد بالملفات الاستراتيجية التي تهم الداخل والجوار الإقليمي والعلاقات الدولية، واستخدام الحكومة كواجهة ديكور ديمقراطي مع إشغالها بملفات بسيطة ومعارضة “تسخّن وتبرّد” في البرلمان والإعلام حسب المطلوب من دوائر الحكم الفعلية.

* اقتصاديا: تبخر الوعود الانتخابية بتقليص التضخم والتحكم في العجز التجاري وترشيد الميزانية وأزمة الديون… إلخ، واستمرار سيادة الظواهر الاقتصادية السلبية والاستفراد بأهم مقدرات البلد البحرية والفلاحية والمعدنية والخدماتية بما يزيد من توسيع الهوة بين أقلية مسيطرة وأغلبية كادحة مفقرة.

* اجتماعيا: لا شك أن لهذا الجانب أهمية قصوى في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، فسوق الشغل يعيش أزمة حقيقية مما يفرز سنويا عشرات ألوف العاطلين، والأمية مستشرية بشكل مخيف، وغلاء الأسعار يلهب جيوب المغاربة، والتعليم والسكن والصحة كلها في تدهور مستمر.

ومهما حسنت نية الحكومة الجديدة وأبدت استعدادها لتنزيل الوعود الانتخابية، فإن الواقع لا يرتفع والقيود ثقيلة، والإكراهات صعبة: تراجع الاستثمارات بفعل الأزمة التي تضرب أهم الاقتصاديات العالمية والتي لن تتوانى عن إصابة اقتصاد تابع، وضعف العائدات السياحية، تقلص تحويلات مغاربة المهجر وظهور بوادر هجرة معاكسة نحو البلد الأم بسبب أزمات الدول الأوربية.

إذا أضفنا إلى ذلك غياب الحكامة الجيدة وانعدام الرقابة والمحاسبة على ميزانيات ضخمة مرتبطة ببنية النظام المخزني والريع الاقتصادي وغياب مناخ الشفافية في المعاملات الضريبية والمالية، أدركنا مدى التهافت الذي نشهده اليوم على عملية فاسدة من الأصل بالمغرب اسمها: الانتخابات.