حكى لي أحد رجال التعليم، ونحن نناقش ما يعتمل في منطقة بوعرفة من حراك شعبي وما يقابل ذلك من قمع شرس تمارسه قوى “الأمن” على المحتجين السلميين، أن من أكبر ما يسبب له حرجا مع تلاميذه عند دراسة جغرافية منطقة بوعرفة هو ما يتعلق بالأنشطة الاقتصادية، ففي هذا الربع من البلد الذي صنفه الجنرال ليوطي (Leauthey) الفرنسي ضمن المغرب غير النافع وجعلته سياسةُ من خلَفوا ليوطي يحجز مكانا مريحا ضمن هامش الهامش في مغرب الاستقلال، لا تكاد تجد ما يستحق أن يُنعت بنشاط اقتصادي بالمعنى المتعارف عليه، اللهم أطلال منجمية هي مما خلفه الاستعمار الفرنسي بمدينة بوعرفة كان يستخرج منه المنغنيز قبل أن يتوقف نهائيا سنة 1967م.

هذا ال”أثر” هو ذكرى نشاط اقتصادي وهو التاريخ والجغرافيا والسياحة وكل شيء، هو، إضافة إلى ما يلحق به من سكة حديدية وطرق معبدة وأبنية لم تهزمها عوادي المناخ، شاهد ودليل على أنه قد مرت من هنا دولة، كانت تحلم بأن تستثمر ما في بطن الأرض وما على ظهرها لخدمة مشروع استعماري ضخم، كما تعري هذه الشواهد حقيقة من استلموا الزمام بعد الاستعمار ومن أتخموا أهل هذه المنطقة بالأماني ونثروا على رؤوسهم الوعود على مدى عقود، ثم لما تحرك المقهورون لإيصال أصواتهم إلى من يهمهم الأمر، لم يبخلوا عليهم بكل جبار عنيد لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة، ولسان عصاه يقول: “ليس في المنطقة ما يستدعي التدخل السريع غير احتجاجات من يطالبون بمزيد من الحقوق والحريات.. أي نعم فهمتكم”. ولما وصل أحدهم إلى بوعرفة ذات “زيارة ملكية” سأل أحد السكان في استغراب: “قل لي بربك ما الذي يبقيكم في هذه القفار؟” فأجابه المواطن بعفوية: “نحن باقون هنا لكي تجدوا من يستقبلكم حينما تزورونها”!!.

ينقسم سكان منطقة بوعرفة حسب نمط عيشهم إلى قسمين: بدو رحل وسكان قصور مستقرين، كلاهما لا يزال يصارع من أجل البقاء مستعينين بما تجود به أنشطتهم البدائية، أو بما يعود به أبناؤهم المغتربون داخل الوطن وخارجه، لا يزال المستقرون منهم متشبثين بدواويرهم ومنهم من جعلته تقلبات السياسة في أقصى التخوم (عين الشعير، فجيج، إيش، عين الشواطر …) يتأمل ما اقتطع من أراضيه بجرة قلم على صفحة خريطة، يعيش بين اليأس القاتل تارة والأمل المعذب تارة أخرى، ويتجرع لوحده مرارة هزيمة سياسية جنت أول ما جنت على أرض أجداده وما غرسوا فيها، ويزيد من عذابه طول انتظار قطار التنمية أن يصل، وإذا ما وصلت منه قطرة قيل له إنما هي التفاتة عاطفة ومنحة حانية. والقسم الآخر، أي الرحل، يعيش وهو غير مدين لأحد بنعمة البقاء غير خالق السماء، إذا أذن لها أن تمطر وأذن للأرض أن تعشب، وإلا فملاذ الفريقين مخزون الصبر الذي بلورته سنون الصراع مع ضراوة المناخ، وقساوة الحكام.

هل يعلم يا ترى مصدرو التعليمات الصارمة بإرسال أبناء الشعب في بوعرفة إلى المستشفيات إذا ما سولت لهم نخوتهم الخروج للاحتجاج، هل يعلمون بأن تعليماتهم تنفذ بدقة؟ هل يعلمون أن ذاكرة الشعب قد عادت إلى سنوات الرصاص وأن الحقيقة التي باتت أكيدة هي أن المخزن هو المخزن؟ وأن حوارا صامتا يجري بين رمزين في موعد كل وقفة تقمع، بين رمز المخزن: الجدار الذي تشكله جحافل قوى القمع، وبين رمز حقوق الإنسان: جدار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المكان الذي أصبح مسرحا للمجازر المخزنية، حوار تقول فيه الروح الحقوقية للروح المخزنية: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ لا تستطيع روح المخزن المجبولة على القمع صبرا مع المطالبين بأكثر الحقوق أساسية، كما لا تستطيع مساحيق التجميل أن تصمد أمام واقع صارخ يشكل الاستثناء داخل الاستثناء المغربي. وإذا كانت تصرفات الداخلية طوال الفترة الماضية حركت بعض القلق لدى المتفائلين من موجة “الإصلاحات” فإن ما يجري في بوعرفة وحده كفيل بأن يعصف بكل ذرة أمل في نوايا الإصلاح.

بين تردي الخدمات وإحكام القبضة القمعية، مصائب المخزن حين تنزل لا تنزل منفردة، قررت وزارة الصحة قبل أشهر إيقاف خدمات الطاقم الطبي الصيني الذي ظل يقدم خدماته ليلا ونهارا للساكنة وبمهنية وتفان كبيرين، ترك هذا القرار فراغا يتحمل ثقله بعض من تبقى من الأطر الطبية القليلة…. ويح العدا؟ أيحدث هذا في مستشفى إقليمي على بعد خطوات من العمالة وساكنها؟ أيغمض جفن لوزيرة الصحة لسماع هذا النبأ كما لم يغمض لها جفن حين باتت الليل في باب مقر حزبها كيلا يسبقها أحد لرأس اللائحة؟ أتراها على علم بأن الذين تستوزر عليهم هم أيضا في سباق أبدي كلما حكمت عليهم قلة الأطر الطبية أن تسابق بهم سيارة الإسعاف يد الموت على مدى مئات الكيلومترات؟

يسائل هذا الواقع المزري مهندسي الدساتير ومؤلفي المعزوفات التي تمجد “الخطابات التاريخية” عن مكان هذه المنطقة من الإعراب المخزني الذي يرفع ويكسر كما شاءت له قواعد اللغة المخزنية، يسائلهم عن سر هذه الهجمة التي دُشنت مع هبوط النسخة المعدلة من الدستور المانح الممنوح، الدستور الذي نقش في فصوله نقشا ما يراه من الثوابت، وعلى رأسها “إمارة المؤمنين”، يسائلهم وهو يتأمل النسخة الفاروقية من دستور إمارة المومنين العمرية في أحد بنوده الخالدة أخاف إن عثرت بغلة بالعراق أن يسألني ربي: لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟). ألا كم من الألوف المؤلفة تعثرت في طريقها نحو العيش الكريم في بوعرفة.. فهل كنت لتخشى من سؤال ربك عن مثلها يا… “عمر”؟