يقول الله عز وجل في سورة إبراهيم: وَلَقَدْ أَرْ‌سَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِ‌جْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‌ وَذَكِّرْ‌هُم بِأَيَّامِ اللَّـهِ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ‌ شَكُورٍ‌. وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُ‌وا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْ‌عَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ، وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَ‌بُّكُمْ لَئِن شَكَرْ‌تُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِن كَفَرْ‌تُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ.

في تاريخ القافلة النورانية أيام لله عظيمة يسري نورها من لدن آدم ونوح وأبي الأنبياء إبراهيم وعيسى وموسى وأعظم الخلق وسيد الوجود محمد بن عبد الله عليه وعليهم أزكى الصلاة والسلام.

الغاية من التذكير بأيام الله أن ترجع القلوب إلى مرجعها ومرجعيتها الأولى لئلا تزيغ عن صميم الحق الذي أحياها بعد موات، ولا تلتفت عن المنعم المتفضل الذي أيد دعوتها وحفظها ونصرها ومكن لها في القلوب، وأن تستزيد من فضل الله بشكره على نعمه، وأن تعلم أن الله منجيها من المحن كما نجى نوحا ومن معه من المؤمنين من الطوفان، وكما نجى إبراهيم الخليل من النار، وأنه سبحانه مُخرجها من ضيق الأزمة كما أخرج سيدنا يونس من بطن الحوت، وأنه تعالى كاشف ضرها كما كشف الضر عن أيوب، وأنه عز وجل مغرق الفراعنة وجنودهم، مُمَكِّن للمؤمنين ولو بعد حين.

ومن أيام الله العظيمة الشأن في تاريخ الأمة المحمدية شهر الله المحرم، الذي شهد هجرة المصحوب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الحدث الأغر الذي استحق أن يكون مفتتحا لتأريخ دولة الإسلام.

أهل هلال المحرم فأهلت معه معاني الهجرة الخالدة، وتجددت به روح الذكرى مفعمة بطيب أنفاس الحبيب وهو يدعو ربه في ظلمات الليل ليكون عبدا شكورا، وليهدي قلوب العالمين إلى نور الحق، نديةً بنداه وهو يقطع الفيافي والقفار، ثاني اثنين، حاملا رسالة ربه إلى المدينة التي تنورت بمقدمه، وعزّت بحضرته، وبوركت بمقامه، فنصرته بفلذات أكبادها في بدر الفرقان، وفدته بصدورها في أُحد الدروس والعِبر، وحمته بأعينها في الأحزاب، وصبرت معه وصابرت ورابطت حتى جاء نصر الله والفتح فأكمل عز وجل دينه وأتم نعمته.

ينقضي بالعام الهجري الجديد (1433) الثلث الأول من القرن الخامس عشر، الذي تُوج بيقظة الأمة من رقدتها، وانتفاضتها على ظالميها، وبدا جليا ظمأها إلى موردها الأصيل، وحنينها إلى دينها الأثيل، ولمعت في الأفق القريب أولى أشعة الوعد النبوي بفجر صادق لا غروب لشمسه حتى تطلع من مغربها.

الغاية عظيمة: أن يسود العدل والحرية والكرامة مكان الظلم والاستعباد والهوان، وأن لا يُحال بين الناس وبين أن يسمعوا كلمة تذكرهم بالله وبلقاء الله وبموعود الله وبمراد الله في عباده. والضريبة تعظم بعظم الغاية، والطريق تشق على السائرين وترهقهم عقباتها الكأداء بقدر مأمولهم في ربهم، والقلوب تبلغ من الحناجر بحسب علو همة أهلها.

لعل المخاض عسير إذ تموج بالأمة الأحداث كما لم تمج بها من قبل، ولهذا تسعفنا ذكرى أيام الله، والذكرى تنفع المؤمنين، فنتلو الآيات عسى نعتبر بأيام الله ونفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم “أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا”.