أعتقد أن القول بوجود خصوصية على مستوى تدبير الانتقال الديمقراطي قول متهافت إلى أبعد الحدود، ولا ينهض دليل على صحته سواء من العقل أو الواقع، كما أنه لا يصمد أمام أي نقد مبني على أسس سليمة. نعم، لا جدال في القول بالخصوصية الثقافية العامة أو السياسية رغم وجود قاسم مشترك على مستوى هذه الأخيرة لكن تبقى التجليات تختلف من بلد لآخر. لذلك فإن عملية الانتقال الديمقراطي لا بد أن تتوفر لها ثلاثة شروط أساسية وهي:

-الشرط المجتمعي العام.

-الشرط السياسي.

-الشرط الانتخابي.

وفيما يلي تفصيل هذه الشروط.

في الشرط المجتمعي العام:

يتمثل هذا الشرط في الانضباط إلى منطق “المصالحة” ومنطق “المشاركة”.

بالنسبة إلى منطق “المصالحة” فهو ضابط غير متوفر في الحالة المغربية، يدل على ذلك استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بقمع الحريات العامة، والتضييق على حرية الصحافة، واستمرار ملف الاعتقال السياسي، ومحاصرة قوى المعارضة الحقيقية، إلى غير ذلك من السلوكيات التي تمت بصلة إلى سنوات الرصاص، ولا زالت حاضرة بشكل أو بآخر في عهد أطلق عليه “العهد الجديد” ولم يتميز بعد عن سابقه إلا من حيث بعض الروتوشات التي تقف عند حدود الشكل دون الروح والجوهر.

أما منطق “المشاركة” فهو الآخر غير متوفر بحيث لا زال استفراد المؤسسة الملكية هو الموقف المهيمن، وهذا الاستفراد يقصي جميع الفاعلين سواء من داخل أطر النظام على مستوى التدبير أو من خارجه على مستوى التأطير.

على مستوى “التأطير التشاركي” يفتقر ما يسمى الانتقال الديمقراطي بالمغرب إلى هذا البعد تماما حيث المؤسسة الملكية هي المهيمنة على رسم التوجهات الكبرى والاختيارات الاستراتيجية للدولة، وهذا ما حدث في خطاب 9 مارس حيث رسم الخطاب الأطر المرجعية للدستور ولم تصغ انطلاقا من نقاش مجتمعي عام يعرض على الإعلام العمومي ويتابع من قبل الشعب، وذلك على فرض أنها موضع إجماع، وأن كل ما يصدر عن المؤسسة الملكية هو محل إجماع، في حين أنه لا زال من الأصوات المعارضة بقوة في الشارع السياسي من يعترض على الأطر المرجعية للنظام السياسي سواء من حيث الشكل أو المضمون، خاصة جماعة العدل والإحسان التي يستقطب خطابها الدعوي توجهات الشعب المغربي على مستوى الهوية، ويستقطب خطابها السياسي الانتظارات الشعبية على مستوى التنمية.

أما على مستوى “التدبير التشاركي” أو ما هو تنفيذي فإن المؤسسة الملكية حاضرة بقوة، بحيث لا يبقى للفعاليات السياسية، سواء التي ترأس الحكومة أو تشارك فيها، سوى تنفيذ توجيهات المؤسسة الملكية، وذلك عبر مجموعة من الآليات القانونية والدستورية، وهي:

– الآلية الأولى: كون خطاب الملك الذي يفتتح الدورة التشريعية هو الذي يرسم عمل البرلمان ويحدد أولوياته وليس الشعب أو نوابه.

– الآلية الثانية وهي خطاب الملك لا يناقش. وبالتالي فإن البرنامج الحكومي يتعرض للذوبان أو التماهي مع التوجهات الملكية.

– الآلية الثالثة وهي اللجان الاستشارية الموازية لمجموعة من القطاعات الوزارية.

في الشرط السياسي:

لا يماري أحد في أن الانتقال الديمقراطي على المستوى السياسي لا بد له من مقومات أساسية:

المقوم الأول: القطع مع الماضي بجميع آثاره الدستورية والسياسية والقانونية.

المقوم الثاني: إعادة التعاقد بين الحاكم والمحكوم.

المقوم الثالث: وينبني على المقوم الثاني وهو إعادة توزيع السلطة بين الحاكم والمحكوم.

والحال أن ما يحدث في المغرب لا يمت بصلة إلى الانتقال الديمقراطي لافتقاره على المستوى السياسي إلى المقومات الثالثة السالفة الذكر، وهو لا يعدو إعادة ترتيب الأوراق قصد إرسال رسائل مفادها أنه تمت الاستجابة إلى المطالب الشعبية التي تعبر عنها حركة 20 فبراير والتنظيمات الداعمة لها في الشارع.

ثم إن التعاقد السياسي في المغرب إلى حدود اللحظة ليس تعاقدا بين الحاكم والشعب إنما هو تعاقد بين من يسير الحكومة وبين المؤسسة الملكية على أرضية شروط المؤسسة الملكية. فإذن التدبير الحكومي وفق المنظور الأخير هو على مقتضى “تفويض” السلطة وليس “تفويت” السلطة. وفرق كبير بين التفويت والتفويض حيث تكون في الأولى مِلْكية حقيقة للسلطة والقرار، وفي الثانية مجرد ممارسة السلطة بالوكالة تحت التوجيه.

في الشرط الانتخابي:

تأتي الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية في المرتبة الأدنى من سلم الممارسة الديمقراطية دون أن يقلل ترتيبها هذا من أهميتها. كما أن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية تكون وسيلة لا غاية في ذاتها.

العملية الانتخابية في البلدان التي لا تعتمد مبدأ “فصل السلط” ومبدأ “توزيع السلطة” أساسا للممارسة الديمقراطية السليمة لا تكون ذات جدوى، حيث تكون العملية الانتخابية هدفا في حد ذاته وليست وسيلة إلى ممارسة السلطة الحقيقية. لذلك أقول إن العملية الانتخابية تفتقر في المغرب إلى مقومين أساسين هما:

مقوم الرهان: حيث إن رهان ممارسة السلطة مفتقد لغياب الشروط الدستورية والسياسية، وحيث أن الأحزاب السياسية تقبل دخول العملية الانتخابية فإنها تتعاقد بشكل ضمني على عدم ممارسة السلطة، كما تتعاقد بالمقابل ضمنيا على تنفيذ ما تأمر به السلطة الحقيقية التي تمتلكها المؤسسة الملكية. لذلك فقد لوحظ أن رهان المشاركة كان رهانا أساسيا للعملية الانتخابية في غياب الاهتمام بمن سيفوز في الانتخابات.

مقوم المشاركة: تفتقر الممارسة الانتخابية إلى المشاركة الحقيقية حيث إن الكتلة الناخبة هي 24,956,953 في حين أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية لا يتجاوز عددهم 13,626,357، ونسبة المشاركة المصرح بها من طرف وزارة الداخلية هي 45 بالمائة. فإذا بالاستناد إلى لغة الأرقام فإن المصوتين لا يتجاوز عددهم الربع على أقصى تقدير.

هذا إلى جانب كون العملية الانتخابية طبعها الاستعجال والارتجال، كما أنها تنبني في المغرب على أساس التهييج لا على أساس الإقناع حيث المهم بالنسبة إلى الدولة هو نسبة المشاركة لا من سيفوز.

وغير خاف أن العملية الانتخابية في المغرب مرتبطة بتمثلات لدى عموم الناخبين كرستها الثقافة السياسية للنخبة وهي أن عملية الاختيار تتم على قاعدة المصلحة وترابطاتها. كما يرتبط الترشح في الثقافة السياسية المغربية بالرغبة في مراكمة الثروات وليس خدمة الصالح العام.