فرصة تاريخية

لا ينكر باحث أو مراقب أن الحركة الإسلامية بكل فصائلها في عالمنا العربي، مضافة إلى قوى يسارية، عانت من قبضة الأنظمة الاستبدادية؛ إذ تعرضت لحملة قمع شرسة وجولات تشويه حادة لم تسمح بعرض صورتها وأهدافها ومقاصدها الحقيقية، وهو ما أخر وصولها إلى دفة الحكم لتختبر الشعوب والعالم نمط تدبيرها لقضايا الشأن العام والعلاقات الدولية، فضلا عن مواطن قصور في بناء منظومتها الفكرية والسياسية في ظروف دولية معقدة ومتشابكة، وإن كانت التجربة كشفت لكثير من رجالها مجالات الضعف والقصور.

إننا نحكم هنا بالتأخير من منطلق التحليل، أما ما يريده الله تعالى ويفعله سبحانه بخلقه؛ فاليقين أنه لا عبث في كون الله وأن الإنسان لم يترك سدى؛ فكونه سبحانه صائر إلى ما رسمه جل وعلا، وهاهم الناس فرادى وجماعات في تدافع مستمر وصراع مرير وفق سننه جلت عظمته التي لا تحابي أحدا حيث المسؤولية الفردية والجماعية قائمة.

فمن المعلوم أن في فترة من الفترات التاريخية (الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات) اصطدمت الحركة الإسلامية مع الأنظمة السياسية المدعومة بقوة من الغرب، فنالت منها يد البطش نيلا شديدا حيث اختلطت الأوراق عند الكثير، واختلفت المداخل لإنجاز مهام التغيير والإصلاح.

ودون الدخول في تفاصيل صارت معلومة لدى الجميع، فإن التسعينات من القرن الميلادي الماضي والعشرية الأولى من القرن الحالي كشفت عن حجم التباين بين الخيارات في الباب، وأدت إلى تباعد الهوة بين أغلب مكونات الحركة الإسلامية في القطر الواحد، فضلا عن المجالين العربي والإسلامي، إلى أن فوجئ الجميع بانتفاضة الشعوب دون قيادة موحدة وجامعة، وهو ما ضيع وقتا وفرصا كادت أن تسرق بسببها ثورات شعبية تاريخية، إذ لا تخلو ثورة من ثورة مضادة.

الفرصة التاريخية: انتفاضة شعوب رفعت أو حاصرت الاستبداد فانطلقت الحركة الإسلامية من عقالها وسجنها لتبرز كأكبر قوة عاملة على إنجاح بناء قيادة التغيير والإصلاح والحفاظ على الخط الثوري ومقاصد الثورة.

وهنا يبقى السؤال الكبير معروضا على الجميع: ألا يمكن أن تساهم الحركة الإسلامية في محاصرة المد الثوري بدلا من المساهمة في إمداده بالزخم القيمي والمعنوي والحركي والتنظيمي للوصول إلى مداه وأفقه، خاصة أنها لم تكن مستعدة بما فيه الكفاية للقيام الجيد بمهام الموقع الذي بوأته إياها مقتضيات الثورات القائمة؟

مقارنة بين لحظة ثورية ولحظة إصلاح جزئية

هناك في مصر وتونس، وحتى في ليبيا بعد قليل من الزمن من الآن، وجدت الحركة الإسلامية وستجد نفسها في موقع التأهيل الجماهيري للحكم، وهنالك في الأردن واليمن وسوريا… المعارك ضارية، وهنا في المغرب مباشرة بعد انتخابات تأسست على تعديل دستوري يجد حزب محسوب على الحركة الإسلامية نفسه أمام ضرورة تشكيل حكومة منبثقة عن برلمان منتخب في سياق معين.

سنترك الأيام تحكم على حكومة مشكلة ضمن هذا السياق المحكوم بقواعد سياسية معروفة تاريخيا، ولن نقارن بين انتخابات ناتجة عن حراك ثوري تغييري جذري، وبين انتخابات ناتجة عن عملية استباقية استيعابية لنتائج تحولات كونية لا يتجاهلها إلا مجنون كالقذافي وأمثاله؛ فهناك فرق بين طوابير المنتخبين في تونس ومصر، وبين لقطات التصويت في صناديق الاقتراع في المغرب الذي يعلم الجميع أن المال الحرام كان وسيلة أساسية في صناعة مجملها.

ومع ذلك نعيش اليوم مغالطة إعلامية تتصدرها بعض وسائل الإعلام حينما تجعل التحليل الصحفي لا يفرق بين نتائج انتخابات ناتجة عن عملية ثورية شعبية، وبين نتائج انتخابات ناتجة عن عملية احتواء تاريخية بما هي لحظة إصلاح جزئي غير متخلصة من القواعد الأساسية الناظمة للعملية السياسية المعروفة بفسادها الشامل، ولا هي مقدمة صريحة لتغيير هذه القواعد وتخليص الحياة السياسية والمجتمعية من هيمنتها وتفاصيلها ومعانيها.

إننا حينما نجعل الموقع الذي تبوأه حزب النهضة وحزب الحرية والعدالة وحزب النور في مصر هو نفس الموقع الذي تبوأه حزب العدالة والتنمية في المغرب نكون أمام عملية تمويه وتزوير كبيرين في بناء المواقع والمواقف من الحالتين.

فالموقع الأول تتويج لعملية ثورية شاملة مازالت في مخاض التصفية والمرحلة الانتقالية حيث المواجهة مع قيادات الثورة المضادة، أما الموقع الثاني فهو ناتج عن ضرورة سياسية صورها رجالها أنها عملية تغيير؛ وما هي إلا لحظة إصلاح جزئي لا يعدو أن يكون عملية التفاف هائلة وفق خبرة تاريخية في الباب على تصاعد المد الثوري الشعبي في المغرب.

ومن هنا نستفيد الدرس النهضوي الجذري: إن الانتخابات الحقيقية لن تحصل ما لم ينجز واقع الحرية ابتداء وساعتها تنجز العملية الانتخابية في سياق بناء قواعد الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية؛ فالحرية أولا والانتخابات ثانيا. ولذلك فعلى قوى التغيير أن تولي وجهها لهذا المطلب المصيري.

شرط القيادة المجتمعية في تحقيق المقاصد الثورية

ستمر الأيام والسنون والأعوام وسيسأل حزب النهضة عن حركة النهضة أين هي؟ وسيسأل حزب الحرية والعدالة عن علاقته مع جماعة “الإخوان المسلمون” وعن التراث التربوي والروحي الذي تركه الشهيد حسن البنا أين هو؟ وسيسأل حزب العدالة والتنمية عن علاقته مع حركة التوحيد والإصلاح وعن رصيدها الدعوي والحركي أين هو؟

نعم أسئلة جوهرية ومصيرية ما زالت تنتظر القيادات التاريخية التي انتقلت بالجملة أو شبه الجملة من بناء تنظيمات فكرية أو دعوية إلى مباشرة العمل السياسي التفصيلي من مواقع المسؤولية. أسئلة كبرى ولحظات مراجعات جذرية جديدة سنعيشها بعد بين يدي هذه التجارب التي لن تكون إلا مؤشرا واضحا عن حجم المسؤولية التي تنتظر الحركة الإسلامية والأمة جمعاء.

إلى ذلكم الحين لا بد من أن يفضي بنا التحليل إلى التأكيد على أن الحركة الإسلامية ليست موضة سياسية ولا هي لون من ألوان الطيف السياسي سواء بعد إنجاز الثورة أو بعد الدخول الجزئي في دهاليز حكم استبدادي تاريخيا، وإنما هي قضية دعوة، قضية حياة مشروع كوني غايته الدلالة على الله شئنا أم أبينا ومن لم يحسب هذا الحساب ويعمل عليه وفق قواعد تجديدية في مجالات الفكر والحركة والتربية وتدبير الشأن العام وغيرها، فما هو إلا رقم من الأرقام التي تفرزها المعادلات السياسية هنا أو هناك حيث يحتاجها الخبير الاستراتيجي في معاهده ومراكزه.

ومن ثمت يجب على الحركة الإسلامية، وها قد أوصلتها اللحظة التاريخية إلى عتبات الحكم والدولة والسلطة، أن تستدعي رجال الله أهل الله من العلماء العاملين والدعاة الربانيين أرباب القلوب حماة الملة الحقيقيين لقيادة الشعوب والأمة نحو وحدة القلوب والوجهة والقضية ووحدة الجغرافيا لبناء القوة التي تمكن العالم من أن يعيش حرا كريما، وذلك مسار طويل يطلب رجاله.

لذلك فمآلات الثورة في عالمنا العربي والإسلامي كمآلات الثورات التي مرت عليها السنون فرجعت على نفسها تأكلها ما لم ينهض رجال الله إما لينجزوا واقع الحرية الضرورية فيسيروا مع الأمة إلى مدى التحقيق الكامل لمقاصد الثورة، أو ينهضوا بعد أن نهضت الشعوب التي أنجزت ثورتها وقامت بالواجب عليها ليبقى واجب القيادة المجتمعية الانخراط في بناء مستقبل القوة والوحدة وخدمة العالم على قواعد الحرية والكرامة والعدل.

وهكذا لا ينبغي أن تغري حاملي مشروع التغيير الجذري لحظة إصلاح جزئي مهما كانت البهرجة فيقع الانحراف عن المسار، لأن القيادة السياسية اللحظية لا يمكن أن تقوم مقام القيادة المجتمعية التاريخية أبدا، حيث إن سقف القيادة السياسية من طبعه أن يكون أدنى بكثير من سقف القيادة المجتمعية، وهذه هي معضلة التغيير الثوري والجذري في عالمنا العربي والإسلامي.