اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ

كيف ضلوا فغضب الله عليهم؟

وإذ قد عرفت من وحي الفاتحة 5 أن نواقض العبادة الربانية ثلاث: تأله النفس، وسيطرة الهوى، والطاعة للشيطان التي مدخلها حب الدنيا وكراهية الموت؛ فتعال نستمع إلى وحي الفاتحة 6 يحدثنا عن نواقض الأخوة، وقد علمت من وحي الفاتحة 3 أن الأخوة الإنسانية تنتظم في ثلاث نواظم: الحب في الله عز وجل، والنصيحة الشورية، والطاعة في المعروف.

فما نواقض الأخوة؟

نسمع الجواب من قصة ابني آدم قابيل وهابيل؛ إذ كان قابيل أول من نقض عهد الأخوة، فقتل أخاه هابيل.

لماذا قتله؟

تقول: لأنه حسده.

ولماذا حسده؟

قربا قربانا فتُقبل من أخيه ولم يُتقبل منه.

يومئذ ظن قابيل أن أخاه قد أصبح خيرا منه؛ فطوعت له نفسه قتله، ليكون خيرا منه. أليس كذلك؟

بلى.

فها أنت ترى جرثومة الفساد: “أنا خير منه” من وراء القتل، ومن قبل حملت آدم على الأكل، ومن قبل حملت إبليس على الكبر والصد عن سبيل الله.

“أنا خير منه” كلمة خبيثة فاحذرها على نفسك؛ فمنها حب الدنيا الذي كاد يفسد على آدم دينه، لولا أن تداركه الله برحمته؛ ومنها الحسد الذي قطع ما بين الجِنّة والناس، وما بين الجِنّة، وما بين الناس؛ ومنها البغي، فهذا وسوس، وهذا قتل.

فسر على هذا السنن، وانظر إلى تأله النفس، يخرج منه حب الدنيا ليخدمها؛ ومن حب الدنيا، يخرج الحسد ليحوزها دون غيره؛ ومن الحسد، يكون البغي، والصد عن سبيل الله، وتقطيع أرحام الأخوة.

وإليك حديث داء الأمم ينبيك عن كل ذلك:

“سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: الأشر البطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي” 1 .

فتأملوا، إخوتي، البطر والأشر، تجدوه يرجع إلى الأنانية وتأله النفس؛ وتجدوا التكاثر والتناجش يرجع إلى حب الدنيا؛ وتجدوا التباغض والتحاسد يرجع إلى الحسد. ثم يكون البغي.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (10)المنهاج النبوي في التغيير

فهذه ثلاث قواصم: البطر والأشر، والتكاثر والتناجش، والتباغض والتحاسد. إي وربي إنها القواصم للعواصم النواظم: الحب في الله عز وجل، والنصيحة الشورية، والطاعة في المعروف.

وأم القواصم البغضاء والحسد؛ لكن أم النواظم الأخوية المحبة والسلام.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دب إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد والبغضاء هي الحالقة ليس حالقة الشعر ولكن حالقة الدين والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يثبت لكم ذلك أفشوا السلام بينكم” 2 .

وإن شئت أن تزداد تبينا فاقرأ سورة الحجرات، وتدبر في نهيها عن القواصم للنواظم.

ثم يكون البغي. وأشد البغي القتل، كفعلة قابيل؛ والصد عن سبيل الله، كوسوسة إبليس التي جملتها قوله: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى سورة طه الآية 120.

ويجمع ذلك قوله تعالى في سورة النحل في الآية 90: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

ولا يخفى على بصير، أن هذه المفاسد تقطع مابين الناس.

فالحذر الحذر، إخوتي، من هذه المفاسد الثلاث: البغي والفحشاء وتقطيع الأرحام؛ فإنها النواقض للمقاصد الاستخلافية: العدل والإحسان وصلة الأرحام.

ثم الحذر الحذر من تلك القواصم الثلاث: البطر والأشر، والتكاثر والتناجش، والتباغض والتحاسد؛ فإنها القواصم للعواصم النواظم: الحب في الله عز وجل، والنصيحة الشورية، والطاعة في المعروف.


[1] الراوي:أبو هريرة. المحدث:الألباني – المصدر: السلسلة الصحيحة- الصفحة أو الرقم: 680، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد).\
[2] الراوي: عبد الله بن الزبير – المحدث:المنذري – المصدر: الترغيب والترهيب – الصفحة أو الرقم: 3/367 – خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد.\