أثناء متابعتي للملحمة الانتخابية المصرية عبر مختلف القنوات الإعلامية العربية، استوقفتني مفارقة غريبة وعجيبة في آن واحد، هذه الغرابة التي جسدها المشهد الطابوري الشعبي أمام مكاتب التصويت المصرية حيث اتجه المصريون فرادى وجماعات نحو هذه المكاتب ليدلوا بأصواتهم بكل عزة وافتخار بعد أن استأصلوا رأس الفساد والاستبداد واسترجعوا كرامتهم المسلوبة. المشهد، فعلا، غريب، إذا ما قارناه بنظيره المغربي في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة خصوصا وأن الفارق الزمني بين المشهدين لم يتجاوز اليومين. ففي المغرب كانت الأجواء الانتخابية جد محتشمة سواء أثناء الحملة الانتخابية أو عند الإدلاء بالأصوات، حتى إن المنابر الرسمية الإعلامية لم تتجرأ على نقل الأجواء العامة أمام مكاتب التصويت، وأنّى لها ذلك أمام المقاطعة الانتخابية الشعبية الشاملة. لكن هذا الطرح يبقى مفتوحا على جميع الاحتمالات بالنظر إلى التخريجات الإحصائية الانتخابية المخزنية، فوزارة الداخلية أعلنت عن نسبة 45% من المشاركة في التصويت، وهذا قد يعطي انطباعا إيجابيا حول التقدم الملموس في نسبة المشاركة مقارنة مع النسبة المسجلة في انتخابات 2007 التي بلغت 37.%

وما لا يمكن التسليم به أو حتى تصوره هو النسبة المضاعفة في التصويت التي أعلنت عنها النشرة الإخبارية على الساعة الثالثة وهي ,422% في حين قد بلغت نسبة ,111 % في منتصف النهار. فكيف صوّت هذا الشعب؟! هل صوت أثناء أدائه لصلاة الجمعة أم عند اجتماعه مع العائلة حول مائدة الأكل؟ ! على كل حال في المغرب لا تستغرب….

هكذا وفي ظل نسق سياسي دستوري لا ينسجم مع أدنى معيار للديمقراطية، أفرزت لنا هذه الانتخابات الشكلية حكومة يتزعمها حزب سياسي ذو مرجعية إسلامية. وقد يبدو من خلال ما بعد 25 نونبر 2011، أن هناك التقاء عملي بين هذا الحزب والعقل السياسي الرسمي حول مواجهة الاحتجاجات الشعبية الميدانية بشكل يضمن استمرارية الميراث السياسي المخزني، الذي كان في وقت من الأوقات يراهن على المد اليساري في مجابهة الإسلاميين، لكن السؤال السياسي المحيّر هو: لماذا هذا اللجوء السياسي الطارئ الذي انتهجه العقل السياسي الرسمي؟

لعل معرفة الاستراتيجية السياسية المخزنية التي تتجسد في منظومة الغايات والأهداف التكتيكية ووسائل تنفيذها قد توضح لنا هذا الخيار السياسي الرسمي الجديد.

إن أهداف الخط السياسي الرسمي تقوم على أساس التجميع العملي لكل السلطات (التنفيذية + التشريعية + القضائية + الدينية) في قبضة الفاعل السياسي الأول، وهذا تكريس لنظام الحكم الفردي، بيد أن هذه الأهداف لن يكون لها بريق إلا بتفكيك المؤسسات الشعبية المدنية وامتصاص روح ممانعتها. لهذا اعتمد العقل السياسي الرسمي على آلية الاحتواء سواء لمؤسسات أو أفراد، بمعنى إقناع هذه الهيئات على تبني العقيدة السياسية الرسمية أو الوقوف بشكل أو بآخر أمام المد النضالي الميداني.

وإذا رجعنا إلى التاريخ السياسي المغربي سنجد أن هذه العملية دُشنت بعد الاستقلال باحتواء المقاومة وجيش التحرير وجهاز الأمن الوطني ثم احتواء الاتحاد المغربي للشغل وإقناعه بفصل العمل النقابي عن العمل السياسي حيث رفع المحجوب بن الصديق منذ 1963 شعار نعم للخبز لا للسياسة، كما تم الإجهاز على الروح النضالية لحزب الاستقلال في الانتخابات النيابية 1976، ونفس الآلية اعتمدها النظام لشل روح مقاومة الاتحاد الاشتراكي وذلك بزجه في الحكومة سنة 1998 وتوريط مناضليه بتحمل مسؤولية رئاسة المجالس البلدية والقروية.

وختاما أقول بأن التاريخ سيعيد نفسه إذا لم يستوعب إسلاميو الحكومة الدرس الاتحادي والاستقلالي وإذا لم يتسلحوا باليقظة والأمانة بعيدا عن الميكيافلية الانتهازية. أتمنى صادقا أن لا يُسحب البساط السياسي من تحت أقدام الإسلاميين، فالأصل هو الشعب.