استطاعت حركة 20 فبراير أن تحرك المشهد السياسي للمغرب، بعد جمود طويل، وذلك في سياق عام عنوانه الربيع العربي، وشعاره إسقاط الفساد والاستبداد، وفي ظل ثورة تواصلية جعلت الشباب يلتئمون في فضاء افتراضي اسمه الفايسبوك، يناقشون مستقبل المغرب السياسي، ويحكون عن تطلعاتهم ورغباتهم التي لم تخرج عن ثلاثة مطالب عشرينية حرية، عدالة، كرامة.

وجاء اليوم الموعود يوم 20 فبراير، وشهد شاهد ومشهود عن خروج ما يناهز 100 مدينة في المغرب حاملين شعارات سياسية واجتماعية وحقوقية… في جو من التظاهر السلمي، الذي ينم عن نضج في السلوك والأفكار ورغبة أكيدة في التغيير.

وما كان من المخزن إلا أن يرتب أوراقه، ويلعب اللعبة التي يجيدها، لعبة المناورة التي فقهها ردحا من الزمان، منذ بداية الاحتقلال سنة 1956، ومارسها مع جميع القوى السياسية، وكانت لعبة المناورة هاته كثيرا ما تنجح، وذلك لرهانه على أمية الشعب المغربي، الذي ظل في دار غفلون إضافة إلى القمع والتقتيل لكل مخالف معارض.

وهكذا جاء خطاب 9 مارس كمحاولة لفت عضد حركة 20 فبراير، والالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب المغربي، فكان الرد يوم 13 مارس و20 مارس وكل أحد بعده، وظنت القوى السياسية المحسوبة على المخزن، أن بانسحابها من حركة 20 فبراير، سوف يفرغ الشارع، لكن هيهات، فمافتئ أن امتلأ وزادت رغبته في التغيير الحقيقي، وهكذا نفذ صبر المخزن، واستعمل الورقة الثانية للأسف المحروقة بحكم تجارب التاريخ، وهي القمع والقتل والتهديد والتجييش الإعلامي، فكان الصمود والاستمرار، هو عنوان كل يوم أحد، هكذا عشنا تسعة أشهر من النضال، وكلنا عزم وإرادة على الرقي بهذا البلد العظيم، بنفس عزم الحركة الوطنية الحقيقية، التي دافعت عن المغرب أثناء الاستعمار، بعد أن تنكر له الجميع ووضعت الأيادي في الأيادي… لكن للأسف كانت اتفاقية إكس ليبان، التي التفت على المطالب الحقيقية للحركة الوطنية وجيش التحرير، وبعدها بدأ مسلسل التصفية الجسدية لمن تبقى وذكره التاريخ وهرب من هرب ومات من مات رحم الله الجميع.

بدل المخزن استراتيجيته القمعية، ووظف طريقة القمع بالوكالة، وذلك بتسخير بلطجية مؤدى لهم، وأغلبهم من متناولي المخذرات والشماكرية، ومنهم الموظفون المخزنيون ومنهم المنتمون للأحزاب الإدارية… فكان الرد “سلمية سلمية حتى تحقيق الحرية”.

وبرهن الشعب المغربي يوم 1 يوليوز عن عدم رضاه عن الإصلاحات الدستورية، التي قام بها المخزن بأسلوبه القديم المتجذر المنحة، واستعمل المنهج البصراوي في التصويت، وكادت أن تصل نسبة 90 في المئة من المصوتين.

وهاهي الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المغاربة سئموا العبث، وأنهم غير آبهين بمسرحية الانتخابات فقد ضاقوا ذرعا من التنميق والتزويق، وقاطعوا الانتخابات سواء من حيث التسجيل، حيث إن العدد غير المسجل بلغ أكثر من تسعة ملايين أي حوالي عدد ساكنة تونس، أما المسجلين فقد بلغ حسب وزارة الداخلية 13 مليون ناخب، بتناقص عن انتخابات 2007 بلغ مليونين وخمسين ألف، أو من حيث التصويت حيث ظلت المراكز فارغة، لا يدخلها إلا آحاد المصوتين، جلهم بقوة المال الحرام، أو بدفع من رجال السلطة، وتمخض الجبل فولد فأرا، وخرج وزير الداخلية برقم 45 في المائة من المشاركين، وحتى إن قبلنا هذا الرقم فإنه قياسا مع الكتلة الناخبة الحقيقة والتي تفوق 22.000.000 فإن النسبة الحقيقة هي 24 في المائة، هذا دون احتساب الأصوات الملغاة ودون الحديث عن التجاوزات الانتخابية، فعن أي حكومة سيتحدثون وعن أي وضع سياسي سيطبلون ويزمرون.

كانت هناك بعض أحلام يقظة، تمر خاطفة من أمامنا، من بينها أن المخزن يمكن أن يتدارك الأمور ويستفيد من الدروس الإقليمية، ويعلن عن النسبة الحقيقة للتصويت، ويقر بالمقاطعة الشعبية، ويبدأ في البحث عن أسباب هذا العزوف التاريخي للمغاربة، والتي يعرف هو الإجابة عنها، ثم ينتقل إلى فتح نقاش جاد مع كافة القوى السياسية، ويتبلور عن هذا الحوار ميثاق سياسي يعرض للاستفتاء الشعبي يكون مضمونه: أي مغرب نريد؟ ثم يرتب وضع خريطة سياسية جديدة للمغرب.

كم كنا أطفالا صغارا حينما كنا نسمح لهذه الأحلام أن تخاطب وجداننا، كم كنا سذجا حينما كنا نعلق بصيص أمل على مخزن مبني تاريخيا على اللعب على المتناقضات و”فرق تسد” و”ما أريكم إلا ما أرى”…

هكذا إذن انتهت مسرحية الانتخابات التشريعية، لكن بخطة مخزنية مدروسة وبإيعاز من قصر الإلزيه في فرنسا، حيث كان يملك قطعة شطرنج ملتحية في جلبابه القديم الرث، وما أن وصل دورها حتى وضعها في الطاولة، ونسي متعمدا أن الطاولة فقدت رجلين، وقليل من الرياح يمكن أن تطيح بها، الرجل الأولى: هي الدستور الممنوح غير الديمقراطي الذي رفضه الشعب، والرجل الثانية: الانتخابات التشريعية التي يشهد الكل بطلانها ولا شعبيتها.

هكذا إذن يريد المخزن أن يحول بوصلة التدافع السياسي، إلى نقاش انتخابي مريض، شبيه بحكايات ألف ليلية وليلة والسندباد التي لا تنتهي، في لعبة ماكرة يريد منها أن يصدم حركة 20 فبراير بأي حكومة محتملة، بما فيها الحكومة الملتحية، التي تأكد إعطاؤها الضوء الأخضر، لكن السؤال المطروح هل هذه الخطة غائبة عن هذه الأحزاب المجرورة إلى عيد أضحى جديد؟ لا أعتقد ذلك، لكنها السلطة حينما تكون هدفا وغاية وأمنية، آنذاك تكون الغاية تبرر الوسيلة.

إنه لمن الرزانة السياسية والحكمة أن تطعن الأحزاب في هذه المهزلة الانتخابية بما فيها الفائزة زورا وبهتانا، وأن تعتبر نتيجة الانتخابات لا تعبر عن الديمقراطية الحقيقة التي يريد أن يحياها الشعب المغربي وقدم في سبيلها الغالي والنفيس.

سواء تعقل المتعقلون أو تمادى المتمادون، فإن حراك الشعب لن ينتهي حتى تحقيق المطالب العادلة بجميع الطرق السلمية، التي تربى عليها في سفينة كبرى تسع الوطن اسمها حركة 20 فبراير.