الجذبة الإعلامية التي تلت الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب، والتي تريد أن تقنعنا قسرا أننا دخلنا عهدا جديدا من أبوابه الواسعة، لا يمكن أن تنسينا أن هذه الانتخابات تمت في ظل نظام شمولي مستبد، يتحكم بشكل كلي في اللعبة السياسية، يضع قواعدها ويرتب أوراقها، ويغير مواقع اللاعبين حسب ظروف الزمان، بما يحفظ قلاعه ومصالحه، هو من يختار ثم يبحث عن شرعية انتخابية تمويهية لاختياره.

ولعل هذا يذكرنا كثيرا بالظرفية الحساسة التي استلم فيها حزب الاتحاد الاشتراكي رئاسة الوزراء، حين علق المغاربة آمالهم العريضة على الحزب التاريخي المعارض الذي وزع الوعود يمينا وشمالا، قبل أن ينقشع ضباب المرحلة، فيكتشف الحزب، بكل تاريخه النضالي، أنه لم يكن سوى ورقة في لعبة كان ضحيتها دماء الشهداء ونضال المعتقلين، حيث ربح المخزن إبانها جولة من جولاته السياسية، ودفع الشعب ضريبة ذلك سنوات من الانتظار المفجع، يتحمل الحزب مسؤوليته الكاملة فيه.

ولعل أول ما يلوح من خلف الغبار الانتخابي الجاري، هو التزوير الذي عرفته نسبة المشاركة، فلم نر طوابير المنتخبين الذين قضوا ساعات طوال في انتظار دورهم كما في تونس، رغم أن عدد المصوتين في الانتخابات التونسية لا يتعدى نصفهم في المغرب، كما أن وزارة الداخلية المشرف الوحيد والأوحد على كل الإجراءات لم ولن تفرج عن محاضر المكاتب الانتخابية كما هو الحال في الديمقراطيات الشفافة، ويكفي أن نعرف، مما تسرب، أن عددا من وكلاء اللوائح الانتخابية فاز بأصوات لم تتعد المائة لندرك حجم المقاطعة التي عرفتها هذه الانتخابات. وحتى إن افترضنا جدلا بصحة النسبة الرسمية (45 في المائة)، فهي دون النصف، ولا تستقيم في ذهن عاقل محاولات تسويقها انتصارا تاريخيا، فنسبة المقاطعين من بين المسجلين في اللوائح الانتخابية يصل إلى 55 في المائة بفارق عشرة نقط، أما إذا أخذنا بعين الاعتبار الكتلة الناخبة فإن نسبة المقاطعة تتجاوز 75 في المائة، ولا يستطيع أحد أن يقنعني أن 18 مليون مغربي الذين قاطعوا الانتخابات التشريعية كانوا كلهم مرضى أو مسافرين أو غير مهتمين بالسياسة، ودليل ذلك ما حدث في تونس، فوضوح الأجواء السياسية وإحساس المواطن بكرامته الإنسانية وامتلاكه لإرادته كسر كل تأويلات العزوف الذي سوق لها النظام الديكتاتوري البائد والتي أصبحت رائجة في بلدنا هذه الأيام.

الأخطر في كل هذا، هو سكوت كل الأحزاب، في تواطئ غريب، على هذا التزوير الذي مس الإرادة الشعبية، إذ كيف يمكن لأحزاب ترفع شعار محاربة الفساد أن تسكت على أخطر فساد يهدد استقرار البلد الذي تدعي الدفاع عنه؟ ثم أين هو التأسيس الديمقراطي الرصين الذي بشر به الدستور الجديد؟ إن هذا مؤشر واضح على أن دار لقمان ستظل على حالها، وأن وزارة الداخلية، يد المخزن التي يبطش بها، ستظل مسلطة على رقاب العباد والبلاد.

لقد عانى المغاربة طويلا من القهر والظلم والتجبر، عانوا من الاستغلال والتهميش والتجهيل، وإن كانوا اليوم قادرين على تحمل هشاشة الوضع المعيشي الذي ألفوه وألفهم، فإنهم لن يصبروا على مطالب الحرية والكرامة التي تحترم كينونتهم وإنسانيتهم. لقد خسر الشعب جولة انتخابية جديدة، خسر فرصة الانعتاق والتحرر الحقيقي من قيود الاستبداد والظلم، خسر خطوة أولى لتثبيت أسس الديمقراطية والوطن الجميل الذي يسع كل أبنائه، خسر إرادةً تواطأ الجميع على التلاعب بها، وكرامة معلقة، خسر زمنا آخر سيضطر لصرفه في النضال والتدافع، بدل البناء والتنمية. ومهما دبجت الخطابات والشعارات فإن القبح لا يمكن أن تغطيه المساحيق الزائلة.