أهابت الدولة على مرِّ الأيام الفائتة بالمواطنين إلى طرح الشكوك والتهم وتكثيف المشاركة في انتخابات 25 نونبر التشريعية، والتصويت على “الصلحاء” من المرشحين للنيابة عنهم في البرلمان، هو الأول في ظل الدستور الممنوح، المُوافق عليه مطلع شهر يوليوز الماضي في خيال “أم الوزارات” وزارة الداخلية بنسبة فاقت 98٪. فسخرت الدولة لبلوغ هذه الغاية، مُعتبـرة بخيـبتها في تحقيق المشاركة الشعبية المرجوة في الاستفتاء على الدستور الأخير، كلَّ ما تملك للتأثير والتغيير، من قنوات إعلامية، وخطباء مساجد وفقهاء، ومثقفين كتبة، وشخصيات من المجتمع المدني، ووسائل نقل جماعي، ومقدّمين وشيوخ وسفلة ومُعوزين، فضلا عن الدعم المالي السخي لكل الأحزاب.

وحتى تخلو الساحة لمُحترفي الانتخابات ليلعبوا لعبتهم المفضلة في شراء ضمائر المحاويج ودغدغة عواطف المحرومين المُجهّـلين، أطلق النظام المخزني أعوانَه من الأمن السرّي والعلني، حسب الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية لكل بلدة، لترهيب أو اعتقال أو تعنيف عدد من الناشطين الأحرار الداعين إلى مقاطعة الانتخابات المهزلة، واطئا بالأقدام أوّلَ وأهمَّ وأقدسَ ورقة في كتاب الديمقراطية حرية التعبير.

ودون كبير أمل، راهن النظام، في حملته ضد عزوف الشعب المتزايد عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، على ما روَّج من أفكار مغلوطة طيلة أشهر حول الدستور الجديد، وما يتيحه في زعمه من تناوب على السلطة، دستورٌ يتمتع فيه رئيس الحكومة المُعيّن من الأغلبية التي اختارها “الشعب” بحرية اتخاذ القرار وإدارة دواليب الدولة. كما راهن على مخاوف الناس من أن تتكرر في بلادنا مشاهدُ الإبادة الجماعية والدمار والعنف والنهب والاغتصاب التي وصمت الثورات العربية في ليبيا وسوريا واليمن؛ وعلى أموال المرشحين للانتخابات الممنوحة للبؤساء شراءً للذمم؛ وعلى تقليص عدد الناخبين إلى 13 مليون بدل 24 مليون؛ وعلى بعض الإجراءات الإدارية الجديدة “المانعة” من التزوير كالاعتماد على البطاقة الوطنية في تحديد الهويات؛ وعلى مشاركة إسلاميي العدالة والتنمية ذوي الرصيد عند الناس في الانتخابات وانخراطهم في المنظومة السياسية القائمة؛ وعلى الدعم الخارجي في شرق العالم وغربه.

ورغم كل هذه البهرجة السياسية، والحملة المسعورة العاتية، ورغم الأمية السياسية الشاملة، دون الحديث عن الأمية المعرفية التي تضرب أكثر من ثلث السكان، أبى أغلبية المواطنين عبر مختلف ربوع البلاد إلا أن يقاطعوا انتخابات الزور مقاطعة تاريخية، هي بمثابة صفعة ثانية على خدّ النظام المخزني، بعد صفعة مقاطعة الاستفتاء على الدستور. مقاطعة تاريخية أقرّ بها المراقبون الأجانب والإعلاميون المستقلون وكل نزيه. رفضٌ جماهيري تلقائي غير مسبوق كشف زيفَ الخطب الرسمية حول الديمقراطية والتنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي، وحجم البؤس الذي يهدّ المجتمع. رفضٌ أماط الحجاب عن مستوى النضج السياسي الذي بلغه الشعب، وعن الواقع الذي يمكن اختزاله في أن الشعب سئم اللعب والبهتان، وأنه لن يرضى بغير الديمقراطية والحرية والعدل والمساواة، ولن يحيد عن مطلبه الرئيسي أن يكون مصدرا للسلطة والتشريع وصاحب السيادة والقيادة. وحسبك دليلا على التزوير الفضيحة أن قفزت بسحر ساحر نسبة المشاركة بين الساعة الثانية عشرة زوالا والساعة الثالثة بعد الزوال، وهي فترة صلاة واجبة وغذاء واسترخاء من 11,5٪ إلى 22,4٪ !

أما رد النظام بإعلانه على لسان وزير الداخلية أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 45٪ فكان متوقعا. طالما أن الخيار الآخر، وهو الاعتراف بنسبة المشاركة الضعيفة جدا، مكلف سياسيا على المستويين الداخلي والخارجي، ويقتضي شجاعة أخلاقية وإرادة سياسية قوية.

إن إصرار النظام على الكذب، نسجاً على منوال القائد السياسي النازي كوبلز 1 ، بإعلان نسبة مشاركة فاقت 45٪ ليس عملا صبيانيا طائشا. إنه عمل سياسي ذكي يقوم على أسس نفسية واجتماعية مدروسة، يهدف النظام من خلاله إلى أن ينتهي الناس بتصديق ما يبثه بينهم. إنه أسلوب سياسي يعتمد على الكذب المُمنهَج 2 والتكرار المُبرمَج للأباطيل عبر وسائل الإعلام ذات الانتشار الواسع لغرس الحقائق المزيفة في العقول، ونشر أفكار الحاكمين.

جوزيف كوبلز هذا صديق ورفيق للطاغية الألماني أدولف هتلر. كان سياسيا بارعا وقياديا داهية. يعتبره الدارسون أحد رواد الحرب النفسية، والدعاية السياسية 3 ، والتأثير على الجماهير 4 . من أشهر أقواله شعار: اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس).

لكن الزمن غير الزمن. والربيع العربي نقض أفكارا وهدم معتقدات. ومنها أن ليس أحد مهما بلغ من الدهاء والحنكة والتجربة والبطش بقادر على قهر إرادة شعب.

إن استمرار النظام في إهانة الشعب الرافض لسياسة الإفساد والتركيع والتفقير والإقطاع يعتبر أكبر تهديد لاستقرار البلاد وأمن العباد. إنه يفتح الباب أمام كل الاحتمالات.


[1] بالفرنسية Joseph Goebbels. مات منتحرا سنة 1945. \
[2] Le mensonge systématique .\
[3] La propagande .\
[4] La manipulation des masses .\