ثلاثة تساؤلات تشغل المتتبعين للشأن المغربي بعد الإعلان عن نتائج انتخابات 25 نونبر الأخيرة:

– هل كانت هذه الانتخابات في مستوى تطلع المغاربة وهل استطاعت حقا أن تستقطبهم للانخراط فيها بكثافة؟

– هل تنقل نتيجة هذه الانتخابات المغرب إلى مرحلة تغيير حقيقي يتعطش له المغاربة اليوم قبل الغد ويضع حدا للفساد والاستبداد؟

– كيف ستؤثر هذه النتيجة في مسار الحراك الشعبي المتنامي بالمغرب؟

الجواب الواقعي والصريح عن هذه التساؤلات كفيل بإعطاء صورة جلية للمشهد السياسي المغربي في قابل الأيام.

ليس ثمة شيء إلا الدعاية

كعادة المخزن في إخراج مسرحياته، صاحب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة جلبة عظيمة سخرت لها كل الوسائل الإعلامية والدعائية المحلية المتوفرة، بل ساهمت فيها أخرى أجنبية اشترى النظام خدماتها أو تطوعت بدور في مسرحيته خدمة لرغبة الاستكبار العالمي في وأد الربيع العربي.

وقد كان المقصود من هذه الضوضاء ضياع الحقيقة وأصوات المعارضين في خضم سيل من الأخبار والتحليلات وبالتالي تثبيت الرواية الرسمية للحدث. فلا كلام في وسائل الإعلام الرسمية والمتواطئة إلا عن نجاح النظام المغربي في تمرير طبخة الانتخابات وعن النسبة المشاركة التي فاقت مثيلتها لسنة 2007، ثم عن النموذج الديمقراطي المغربي الذي لا مثيل له في المنطقة إلى غير ذلك مما هو مألوف وممجوج في الدعاية المخزنية. فكم أقام النظام الدنيا ولم يقعدها في ترويجه للديمقراطية الحسنية الفريدة قبل أن يتحول إلى الاعتراف بأن حقبتها كانت في حقيقة الأمر سنوات جمر ورصاص ارتكبت فيها فظائع يشيب لهولها الولدان في حق الشعب المغربي المقهور. وكم زغردت نفس المنابر لتجربة الانتقال الديمقراطي فلما انقشعت شمس الحقيقة من غبار الدعاية الرسمية تبين للناس أن تلك التجربة المزعومة لم تكن إلا سرابا خادعا وأن الواقع البئيس لم يزدد إلا سوءا. وكم أجلب المخزن بخيله ورجله ليقنع البشر والحجر أنه بمجيء الملك الجديد، آنذاك، سيفتح عهد جديد لمغرب مشرق يُقطع فيه مع عهد القتل والاختطاف وغصب الحقوق والثروات، ولم يمر إلا وقت يسير حتى انكشف زيفه وفشل في أول اختبار لصدق ادعاءاته. فقد عادت الاختطافات والتعذيب والمحاكمات الجائرة بأبشع مما كانت عليه أحيانا. كما استشرى الفساد بكل أبعاده حتى صار المغرب مَعَرّة بين البلدان. لكن ماكينة الدعاية لم تتوقف يوما عن ترويج الإفك ومحاولة تسويغ ما لا يُستساغ لا عقلا ولا ذوقا سليما.

كما عادت آلة البهتان تلك، بعد خطاب مارس الأخير، للعمل لتُشغّل نفس الأسطوانة المشروخة التي تتحدث عن مغرب جديد سيأتي به الدستور الجديد، اعترافا من المخزن بأن عهد ما قبل هذا التاريخ لم يكن إلا استمرارية للعهد القديم بكل موبقاته، ثم محاولة لتسويق وهم جديد بأسلوب أكثر غباءً وبلادة. ثم هاهي ذي أخيرا تطبل لنموذج مغربي فريد في نزاهة الانتخابات اعترافا كذلك بتزوير كل ما سبقها من استحقاقات.. فهل تنطلي حيلة المخزن على المغاربة الذين خرج مئات الآلاف منهم للشارع ليؤسسوا شرعيتهم الحقيقية؟ الجواب كان أجلى من أن تخطئه عين الأعمى: مقاطعة قل نظيرها في تاريخ المغرب فاضحة لمهزلة المخزن ومُعرّية لآخر ورقة توت كانت تستر عورته، ثم مسيرات حاشدة في ستين مدينة مغربية يومين بعد مهزلة الانتخابات لتؤكد على سمو الخيار الشعبي على ألاعيب المخزن وتزويره. لقد فضح أكثر من 80% من المغاربة كل المتواطئين مع سياسات النظام المغربي المستبد والفاسد وأسقطت عنهم أيضا أية صفة شرعية لتمثيل الشعب في نسبته الحقيقية.

إن المخزن المتمرس في لعبة تزييف الحقائق وترويج الأوهام يسعى إلى تحويل الهزيمة المدوية إلى نصر. فهَمُّه الأساس أن يقنع الداخل والخارج بأن نسبة المشاركة في انتخاباته تعدت بكثير رقم 37% التي سجلتها سنة 2007. رغم أن وزارة الداخلية كانت قد أعلنت في تلك السنة أن نسبة المشاركة فاقت 52% بينما أعلنت “جماعة العدل والإحسان” حينها أن النسبة لم تتعد37%، ثم هاهي ذي الوزارة ذاتها ترجع لنفس الرقم (37%) لتمرر تزويرها للانتخابات الأخيرة معولة في ذلك على تواطؤ المستفيدين من عطايا النظام وضعف ذاكرة العامة. أما الحقيقة التي لن يستطيع المخزن بكل وسائله أن يحرفها وستبقى ساطعة على مر الزمن أن ما يقارب 80%من المواطنين لم يشاركوا في مهزلته وقاطعوا عبثه وعارضوا سفهه، فهزيمته بناء على هذه الحقيقة نكراء والزمن القريب كفيل بكشفها. رغم كل الجلبة التي صاحبت وتـَلَت انتخابات 25 نونبر يمكن القول أن المخزن فشل فشلا ذريعا في مناورته الأخيرة فهو لم يتمكن من استقطاب المقاطعين لمهزلته بل وسع دائرتهم ولم يستطع تمرير نسبة المشاركة الهزيلة رغم كل التعبئة والخروقات التي قامت بها أجهزته إلا بالتزوير الفاضح للأرقام، وقديما قيل: “ألا إن كذبة المنبر بلقاء”. فقد عجزت كل إمكاناته الدعائية عن تسجيل لقطة واحدة لطابور من الناس ينتظر متلهفا القيام بـ”واجبه الوطني” كما حدث في تونس قبلا ويحدث في مصر اليوم. والسبب واضح هو أن معظم المغاربة أدركوا أن الانتخابات الأخيرة لم تكن إلا محاولة مخزنية للالتفاف على مطالبهم وحقوقهم المشروعة فلم يأبهوا بها وقاطعوها بكثافة.

بين التغيير الجذري والتغيير بمنطق الاستمرارية

لم يعد يخفى على أحد أن ما يقع في المغرب الرسمي ليس إلا مناورات يحاول بواسطتها النظام المتحكم في الرقاب أن يخرج من دائرة خطر الزوال بفعل الحراك الشعبي القائم والمتعاظم في كل ربوع المغرب. بعد تمرير الانتخابات صار الكثير، خاصة دوائر الاستكبار الغربي، يتحدث عن النموذج المغربي في التغيير وقابليته للتصدير إلى بلدان أخرى لتلافي حدوث تحول جوهري يقلب بوصلة المصالح لفائدة الشعوب. لكن أليس في هذا تسرعا يعبر عن حجم المخاوف من نجاح هذه التجربة والقلق لما سيحدث بعدها؟

إن الزمن الذي ناقض كثيرا من التوقعات كفيل بتجلية الحقائق ووضع النقاط على الحروف. فسماح المخزن، الذي يعتبر التزوير صفة لازمة لتعاطيه مع كل الانتخابات، لحزب “العدالة والتنمية” بتبوء المرتبة الأولى في الاستحقاقات الأخيرة دليل على مدى إدراكه للخطر الداهم الذي يتربص به حقا وفعلا. فإلى وقت قريب كان خياره المفضل تذويب الحزب وسط تحالفات فلكية منزوعة الهوية يفقد من خلالها بريقه وشعبيته وينشغل بإثبات حسن نيته وجدارته باختيار دوائر القرار له. غير أن الوقائع فرضت، ربما، على المخزن زيادة الجرعة قليلا محاولا إضفاء بريق أكثر إغراءً على وجهه المستبد والفاسد.

فهل تدخل نتيجة هذه الانتخابات المغرب إلى مرحلة تغيير حقيقي يتطلع إليه المغاربة اليوم قبل غد يضع حدا للفساد والاستبداد؟

نبحث عن الجواب لدى السادة الجدد لقبة البرلمان، فسرعان ما عبر قادتهم عن نيتهم في البقاء ضمن دائرة الاستمرارية وأفصحوا عن حدود تدخلهم في شؤون المغاربة مستقبلا. فقد نقلت وكالة فرانس بريس عن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية قوله: الملك هو رئيس الدولة ولا يمكن لمجلس الوزراء اتخاذ أي قرار مهم دون إرادته). هكذا عبر بأن حزبه لن يقوم بأي تغيير جذري ولن يتعارض ورغبات المؤسسة الملكية. وقد أكد سعد الدين العثماني على نفس المنطق حين صرح للقناة التلفزية الرسمية ليلة 27 نونبر بأن حزب “العدالة والتنمية” اختار التغيير من خلال الاستمرارية. وسيظهر هذا في نوع التحالفات التي سينخرط فيها الحزب، والتي لن تخرج عن دائرة الأحزاب التي تشكل العمود الفقري لحكومة عباس الفاسي التي اعتبرت من أسوأ الحكومات في تاريخ المغرب التي يتقاسم معها الكثير من التوجهات والأهداف وهذا ما سيتم تصريفه من خلال السياسات المزمع إتباعها، على حد قول السيد العثماني.

لا يمكن الحديث إذا عن تغيير حقيقي ستحدثه انتخابات 25 نونبر إلا في حدود تجديد اللاعبين والوجوه أما السياسات ومنطق الحكم فهو متجذر ومُكرّس بحكم الواقع وبموجب الدستور. فبواسطة التعديلات الدستورية الأخيرة أعاد المخزن انتشار صلاحياته وترتيب وضعيته في المشهد السياسي وسيّج تحكمه في كل شيء، السياسة والاقتصاد خاصة، ببنود قانونية دستورية توفر له القدرة على صناعة واحتكار القرار الاستراتيجي وتحميه، في نفس الوقت، من تحمل تبعات السياسات الفاشلة التي سيتولى وزرها الجهاز التنفيذي أي الحكومة والأحزاب المُشكّلة لها. فرغم كل الضجيج الذي أثير حول صلاحيات رئيس الوزراء لا تعدو الحكومة أن تكون لاعبا هامشيا في الواقع السياسي المغربي تتحرك في نطاق المسطر لها من طرف صناع القرار الفعليين في المطبخ السياسي المخزني.

العاصفة أقوى ومركب المخزن لا محالة غارق

لقد شهد الخاص والعام على العزوف الهائل عن التصويت الذي طبع انتخابات 25 نونبر2011، وعلى الإخراج البليد لمسرحية تكررت مشاهدها عشرات المرات على المغاربة، حتى عافوها وملوا مخرجيها والممثلين فيها. فالمخزن آخذ في الغرق في بحر لجي هو ثمرة سياساته الآسنة وخطاياه التي لا تغتفر، وكل راكب في سفينته أو متقدم لإنقاذه لا جرم لاحق به في مصيره. فالمرحلة أخطر من أن تكون لحظة تفكير في مصالح شخصية أو تحصيل لمكاسب فئوية.

إن العاصفة أقوى مما يتصور الغارقون في الأوهام والريح هوجاء ومركب الباطل متهرئ والعاقبة لمن اصطف مع جماهير الشعب لأن هذا الأخير أبقى من حاكمه. ولنا أكبر عبرة بما هو قائم حولنا، فلا شرعية تصمد في مرحلة التحول التاريخي العظيم الذي تمر منه أمتنا إلا الشرعية الشعبية المتحررة من كل مناورات الاستبداد وإغراءات الفساد. فأنّى لمقاربات المخزن من أن تفي بالغرض أو توقف الطوفان الاحتجاجي الشعبي الرامي لتطهير المغرب جذريا من بؤر الفساد والاستبداد وبناء مستقبل مشرق حقا ينعم فيه الجميع بالعدل والكرامة والحرية. وما الزخم الذي سُجّل في مسيرات الأحد 27 نونبر إلا دليل على تنامي الوعي العام واستمرار التعبئة الشعبية حتى تحقيق كل المطالب بدون مساومة ولا تنازل.