لم يكد المغاربة يستفيقون من هول الصدمة التي أصابتهم جراء خيبة الأمل الكبيرة من حكومة التناوب بقيادة عبد الرحمان اليوسفي، والتي جاءت في سياق خاص من أجل ضمان انتقال سلس للحكم بعد وفاة الراحل الحسن الثاني، حتى بدأت تلوح في الأفق معالم مرحلة إنقاذ جديدة بنفس القواعد ولكن بين وارث جديد للعرش وورثة جدد للمعارضة.

انطلقت فكرة التناوب التوافقي مع الملك الراحل الحسن الثاني منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، كتتويج لنقاش سياسي متنام عرفته البلاد حول ضرورة إدخال إصلاحات سياسية ودستورية وتوسيع أكبر لنطاق الحريات العامة عبر إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإشراك أطراف المعارضة التقليدية في تدبير الشأن العام. لكن المتتبعين لكواليس السياسة آنذاك كانوا على دراية تامة بأن المسألة كانت عبارة عن صفقة خفية استعمل فيها النظام فزاعة المد المتنامي والمتسارع للحركة الإسلامية متمثلة على الخصوص في جماعة العدل والإحسان، حيث تمكن ادريس البصري من إقناع معارضيه بأن الإسلاميين قادمون، وألا سبيل لتضييق الخناق عليهم إلا بتضافر إراداتهم جميعا لمواجهتهم، ولازال السياسيون يذكرون كيف كان يستهزئ ادريس البصري بالاتحاديين آنذاك قائلا لهم لقد طردتم في الجامعة الربيعية من طرف بعض دراري الإسلاميين فماذا تنتظرون أكثر من ذلك). ولم تكد تمر بضعة أيام حتى تأكد للجميع خفايا صفقة تفادي “السكتة القلبية”، فكيف كان يتوقع أحد آنذاك أن يقبل “الاتحاد الاشتراكي” قيادة حكومة بست وزارات للسيادة وهو الذي كان في مفاوضاته السابقة يستميت في معارضة إمكانية بقاء وزارة سيادة واحدة.

في مارس 1998 تولى عبد الرحمان اليوسفي مسؤولية الوزارة الأولى فيما سمي بحكومة التناوب، وبالفعل نال هذا الحدث حظه من الترحيب السياسي والإعلامي وتم تصويره كشكل مهم من أشكال الإنقاذ السياسي. ويبقى أهم ما ميز عمر هذه الحكومة هو وفاة الملك المؤسس لها سنة 1999 ليتولى بعده الحكم الملك محمد السادس الذي جدد الثقة في الحكومة مع بعض التعديلات الطفيفة.

إلا أن الصدمة الحقيقية كانت قد تمثلت في الردة السياسية لسنة 2002 حين عين الملك بشكل مفاجئ ادريس جطو وزيرا أولا للحكومة رغما عن نتائج الانتخابات، وذلك في وقت قد ظن فيه الجميع أن عهد التكنوقراطيين ولى بدون رجعة وأن الزمن القادم هو زمن حكم السياسيين. آنذاك فقط أيقن الجميع أن الملك الراحل قد تمكن من عقد أهم صفقة في نهاية حياته أمَّنت لابنه انتقالا مطمئنا للحكم وامتصت غضبا عارما كان من الممكن أن يفجر وضعا مغايرا جدا لما نحن عليه الآن.

بعد مرور أزيد من اثني عشر سنة على انطلاق تجربة التناوب التوافقي، يدخل المغرب في تحد جديد لنظام الحكم القائم متمثلا في التنامي المستمر لاحتجاجات فئات عريضة من الشعب المغربي تحت قيادة حركة 20 فبراير ضمن سياق الربيع العربي الذي أتى على أنظمة سياسية ظلت لمدة طويلة عصية على التهديد، فبرزت مرة أخرى “عبقرية” المهندسين الجدد لخرائط السياسة في محاولة لإنتاج سيناريو جديد من أجل حماية البنيات الحاكمة من تهديد حقيقي.

وبالفعل لم تكد تنطلق أول شرارة للاحتجاج في الشارع حتى بدأت الاجتماعات الماراطونية من جديد واللقاءات والمفاوضات. لقد بدا الحل واضحا جدا.. لا مناص من البحث عن سيناريو شبيه بسيناريو 1998. وبدا جليا أن ورقة حزب الأصالة والمعاصرة الذي كان يهيأ لقيادة المرحلة الجديدة قد احترقت بشكل كامل ولم يعد هناك مجال للمراهنة عليه في ظل الحملة الشرسة التي استهدفته، بل على العكس تماما لقد أصبح يعتبر أفضل كبش فداء تم تسمينه بوعي أو عن غير قصد ليقدم قربانا للشارع. وما هي إلا أيام قليلة حتى ابتدأت الملامح تتضح شيئا فشيئا حينما تفاجأ الجميع بالنبرة الجديدة لخطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية والذي استطاع في ظرف وجيز وفي مهمة شبه مستحيلة ثني العديد من رفاقه في الحزب ومناضليه عن الالتحاق بحركة الشارع، بل والقيام بمهمة الحارس الأمين للنظام الملكي بوصفه “ضامن الاستقرار” في استماتة وتفان كبيرين لم نعهدهما من قبل.

وجاء يوم 25 نونبر، واستطاع الحزب فعلا أن يحصد أغلبية المقاعد في البرلمان ليتأكد للجميع أن سيناريو 1998 سيتكرر من جديد. وسواء تعلق الأمر بصفقة جديدة أو بمجرد التقاء للإرادات فإن النتيجة تبقى واحدة، وهي أنه قد تم فعلا الحسم في اختيار المنقذ الجديد من الأزمة الحالية.

فهل يا ترى سيعيش النظام المغربي نفس النهاية السعيدة التي أعقبت حكومة التناوب ويربح أشواطا إضافية جديدة حيث يكون “بنكيران” الخلف ل”عبد الرحمان اليوسفي” في لعب دور المنقذ والمخلص ويؤكد للجميع – كما كان يروج في حملته الانتخابية – أنه الوحيد القادر على محاورة “شباب 20 فبراير”؟ أم إن الهبة الجديدة للشعب المغربي لن تسمح بتكرار نفس التجربة ولن تنتظر خمس سنوات أخرى حتى يفهم رجال الإطفاء الجدد ما فهمه سابقوهم بعد فوات الأوان؟