تذكير

إن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية الحقة مناسبة دورية يسترجع الشعب من خلالها سيادته فيعاقب أو يكافئ من كان انتخبه في عملية انتخابية سابقة ومكنه من السلطة لتدبير الشأن العام، فهي بهذا المعنى تجسيد لإرادة الشعب باعتمادها النزاهة وانفتاحها على كل الاحتمالات، وهي المدخل الأساس والوحيد لتداول حقيقي على السلطة في فضاء حقيقي لتعددية سياسية مسؤولة.

وقد وضعت جهات دولية مختلفة، على رأسها الأمم المتحدة، معايير متعارف عليها في تقييم كل عملية انتخابية؛ منها ضمان برلمان تمثيلي يعكس حقيقة إرادة الناخب، والحضور السياسي الشعبي للهيآت السياسية الفاعلة في المجتمع، وضمان حكومة مسؤولة وفاعلة، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإفراز معارضة برلمانية جدية، ونزاهة العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها.) 1

مجموع هذه الشروط والضمانات هو ما يعرف بالإطار الدستوري والسياسي والقانوني التنظيمي الذي فيه تُجرى الانتخابات، ومن خلاله يتم تقييم العملية ككل، لأن من صحت بدايته أشرقت نهايته كما يقال.

وفق هذه المعايير نقارن الانتخابات المغربية مقارنة عمودية بالتجربة الإسبانية ومقارنة أفقية بالتجربة التونسية الأخيرة لاختيار المجلس التأسيسي لصياغة مشروع دستور لتونس البوعزيزي رحمه الله.

الانتخابات الإسبانية

كعادة البلدان العريقة ديمقراطيا لا تتطلب الانتخابات تطبيلا وتهليلا وتبذيرا للمال العام وهدرا لوقت الشعب وتضييعا لفرص العمل، تم إجراء الانتخابات في ظروف عادية باعتبار الممارسة الديمقراطية مترسخة في العرف السياسي الإسباني. لذلك دخلت الأحزاب غمار التنافس الانتخابي مستفيدة بشكل ديمقراطي من وسائل الإعلام العمومي والشارع العام دون إقصاء أو تحجيم، فعرض الفرقاء السياسيون برامجهم المتسمة بالموضوعية، لم يزايدوا على بعضهم البعض، ولم يُسوقوا أوهاما، ولم يعِدوا الشعب وعودا عُرقوبيَّةً -نسبة لعُرْقُوب الذي يُضرب به المثل في عدم الوفاء بالوعود- ويتعهدوا بما لا يستطيعون إنجازه، بل الحزب الذي اكتسح أغلبية مقاعد البرلمان وضح لناخبيه أثناء الحملة الانتخابية أن إسبانيا تنتظرها سنوات عصيبة تتطلب تضحيات جساما وتعاونا جماعيا لتجاوز تبعات أزمة عالمية.

في هدوء إذن، ودون صخب أو تهريج سياسويين جرت الانتخابات وأعلنت النتائج وسارع من لم يحظ بثقة الناخب ليهنئ الفائز ويعترف بهزيمته بكل “روح رياضية”؛ ليشرع في أقرب الآجال تشكيل حكومة من رضي الشعب بعرضه مسابقا الزمن لتنزيل برنامجه الذي على ضوئه تم اختياره.

كم كانت كلفة الانتخابات الإسبانية مالا وزمنا وشغلا للشعب؟ هل توقفت عقارب مؤسسات الدولة تفرغا لتعبئة الشعب ليشارك في الانتخابات وتبشيرا بعهد لم يبزغ فجره منذ 1963 كما هو حال التجربة المغربية؟ هل ناشدت الحكومة الشعب الإسباني وتوسلت له بأنواع الوصلات الإشهارية والبرامج التهريجية في الإعلام الرسمي وجندت أعوان السلطة لتوزيع إشعارات المشاركة على المواطنين في بيوتهم مطبوعة طباعة راقية وعلى أوراق مصقولة، وهم -المواطنون- الذين كانوا يشدون الرحال بحثا عن وثيقة إدارية يستنسخون أوراقها ويؤدون رسومها ثم لا يظفرون بها إلا بعد نصب؟

انتخابات هي محطة -مجرد محطة- تقويم ومحاسبة واختيار جديد أو تزكية سابق، ليُستأنف عمل المؤسسات بعد أن يستفيد الجميع من دروس المرحلة متواعدين على التعاون حكومةً ومعارضةً على التفاني في تحقيق أكبر المصالح وتوفير أحسن الخدمات للشعب.

الانتخابات التونسية

قد يقول قائل: هذه إسبانيا بلد ديمقراطي وعضو في الاتحاد الأوروبي، وطبيعي أن تستجيب الانتخابات فيها لمعايير الجودة العالمية. لا بأس، ندع إسبانيا أو ما يسمى بالمقارنة العمودية ونقف عند التجربة التونسية الأخيرة في مقارنة أفقية مع بلد عربي مغاربي تحرر مؤخرا من نَيْر الاستبداد، وخاض أول تجربة انتخابية لاختيار المجلس التأسيسي لصياغة مشروع دستور يؤسس للنظام السياسي الذي يرتضيه التونسيون.

حظيت الاستحقاقات التونسية الأخيرة باهتمام كبير باعتبارها أول اختبار لمدى تعافي الممارسة السياسية من التحكم وتوجيه الإرادة الشعبية وفق هوى الاستبداد، وحازت علامة استحقاق المنظمات المتخصصة وترحيب المنتظم الدولي بها نزاهة وشفافية وصدقية. تسابق الشعب التونسي لصناديق الاقتراع، ووقف الناخبون في طوابير طويلة وانتظروا ساعات للإدلاء بأصواتهم لما تبين لهم أن الانتخابات في مثل هذه الظروف تعبر عن إرادتهم وتحترم اختيارهم. شعر المواطن التونسي بل أدرك أن لصوته معنى فبادر بتلقائية للتصويت صناعة للمستقبل وبكثافة إذ بلغت نسبة المشاركة 90%.

وعلى عادة الديمقراطيات العريقة سارع من خانته ثقة الشعب ليعترف أنه كان بعيدا عن نبض الشارع، وأن خطابه السياسي يعاني من خلل إن لم يكن على مستوى التصور والمرجعية فعلى مستوى التنزيل والتصريف وآليات التواصل.

انتخب الشعب التونسي دون ترغيب أو ترهيب ودشن مسيرة ديمقراطية وعهدا جديدا يؤسسان لمرحلة التداول على السلطة، وقطع دابر الفساد والاستبداد ليعانق الحرية والكرامة أولا وينخرط في إطار من تكافؤ الفرص لتحقيق التنمية ثانيا. هل اضطرت السلطة التونسية لاتخاذ تدابير تحكمية في النتائج؟ هل تخوفت من تدني نسب المشاركة الشعبية فاحتكرت جميع عمليات الإشراف وانتزعت من الفرقاء السياسيين المشاركين في الانتخابات وعودا قبلية بعدم التشكيك في النتائج بما فيها نسبة المشاركة؟

الانتخابات المغربية

بعد 48 سنة عن أول انتخابات تشريعية يقرر المخزن خوض غمار انتخابات سابقة لأوانها امتصاصا لغضب الشارع المغربي بقيادة حركة 20فبراير. وكسابقاتها منذ 1963 تجري استحقاقات 25 نونبر 2011 في أجواء التوتر وانعدام الثقة في السلطة الوصية.

ومن أبرز عناوين هذه المحطة الانتخابية:

1. تمرير تعديل دستوري زكى هيمنة المؤسسة الملكية بدءً من تحديد مجالات التعديل ولجنة الإشراف وآلية التتبع وطريقة الإقرار؛ دستور جعل كل كبيرة وصغيرة بيد الملك مباشرة أو بالعطف، علما أن مطلب الشارع هو انتخاب هيئة مستقلة كما حدث في تونس الثورة.

2. جو سياسي مشحون يؤكد مضامين دستور فاتح يوليوز وفق قاعدة: ما ترى لا ما تقرأ في الوثيقة الدستورية من تبشير بالحريات والحقوق. فأجهزة المخزن أمعنت في التضييق على الحريات قمعا للمتظاهرين السلميين وأوقعت في صفوفهم شهداء وجرحى ومختطفين، وتضييقا على الصحافة المستقلة، واحتكارا لوسائل الإعلام حيث لا تسمع إلا التبريك والتهليل لمبادرات المخزن. فأين الحق في التعبير عن الرأي المخالف والمعارض لعرض النظام؟ أليست الديمقراطية هي تدبير الاختلاف في وجهات النظر؟ أم إننا إزاء ديمقراطية مخزنية لا تتسع حُويصلتها لأكثر من رأي؟ ترى كيف سيكون التجاوب مع دعوة المقاطعة لو استفادت المعارضة الشعبية من حقها في التواصل المباشر الميداني مع الشعب أو من خلال وسائل الإعلام العمومي؟ الجواب يعرفه الجميع.

3. إصرار المخزن من خلال أم الوزارات ذات التاريخ “العريق” والباع الطويل في التلاعب بإرادة الشعب وتزوير الانتخابات؛ وبحكم ما راكمت وزارة الداخلية من خبرة كبيرة ابتكرت أساليب للتزوير النزيه – على حد تعبير الفنان أحمد السنوسي (بزيز)- من خلال اعتماد تقطيع انتخابي مُحكم مع كل انتخابات وتمرير حزمة تدابير قانونية وتنظيمية تتحكم بها في النتائج بما فيها نسبة المشاركة لأنها هاجس المخزن.

4. بروز معارضة ذات طابع شعبي ممثلة في حركة 20 فبراير المدعمة بهيئات وتنظيمات سياسية وجمعوية جعلت المقاطعة تتجاوز مستوى العزوف واللامبالاة إلى مستوى الممارسة السياسية الواعية.

تحول كبير في المشهد السياسي غير مسبوق أربك حسابات المخزن، فتحول همُّه لضمان نسبة مشاركة لا تقل عما أعلن عنه في استحقاقات 2007 حيث قدرت ب-37%، علما أن نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية في تدنٍّ مستمر، ما يؤشر على تقهقر ثقة الشعب في الفعل السياسي ونجاعته في ظل هذه الشروط؛ فأي معنى لانتخابات لا تفرز نخبا حاكمة على أساس برامج سياسية؟ وأي معنى لبرلمان غدا الظفر بعضوية فيه وسيلة لتحسين الوضعية المادية وضمان تحقيق مصالح شخصية أو عائلية؟

5. أجواء الربيع العربي وما أحدث من هزات أطاحت بعروش أنظمة مستبدة، وعانقت من خلاله شعوب عربية الحرية وغدت تستشرف حياة الكرامة أسهم في أفول نجم ما يقترحه النظام المغربي من إصلاح. فهل يعقل والشعوب من حولنا تتحرر وتؤسس لعهد تداول حقيقي على السلطة وإبادة الاستبداد ومحاكمة رموز الفساد أن نوهم الشعب أن انتخابات 25 نونبر في ظل هذه الشروط سيصنع بها المغاربة مستقبلا جديدا؟ هل يعقل ورؤوس الاستبداد تتهاوى وتتساقط تساقط أوراق الحملة الانتخابية هذه الأيام أن نتحدث على أن التعديل الدستوري يؤسس لوضع دستور جديد تكون فيه السيادة للشعب؟ وإذا كان كذلك فما المانع أن يكون اليوم وليس غدا ربحا لوقت ضاع منه الكثير منذ جلاء عسكر الاستعمار؟

ضد التيار الإصلاحي والتصحيحي الذي أضحى واجب المرحلة عربيا وليس مغربيا فقط، وضد رياح الربيع العربي والحراك الشعبي المغربي الذي تقوده حركة 20 فبراير يقرر المخزن إجراء انتخابات يريدها تتويجا لمشروع إصلاحه لإضفاء الشرعية على ما أعلنه خطاب 9 مارس من مبادرات، فهي انتخابات مطلوبة لذاتها وليس أداة لفرز نخب سياسية تحكم وتنفذ برامجها وتحاسب بعد ذلك.

انتخابات عارية من شروط النزاهة والشفافية والصدقية “يغامر” النظام بخوضها، وعلى نسبة مشاركتها يراهن لتسويق إعلامي إقليميا وعالميا أن النظام السياسي المغربي نجح في تجاوز عاصفة “الشعب يريد”، وأنه فعلا استثناء عربي، لذلك لا مبرر لتخوف الاستثمار الأجنبي والخليجي خاصة من أن يختار المغرب محجا ومرتعا.

منذ 48 عاما عرف المغرب أول انتخابات تشريعية، والمفروض بمقياس الأشخاص فيمن يُشرف على عِقده الخامس الرشد والنضج والتنزه عن العبث. فكيف بتجربة انتخابية شارفت سن التقاعد ومنتخبين بلغوا من العمر عتيا واشتعلت منهم الرؤوس شيبا، ولم يشكروا شعبا منحهم ثقته عقودا وأعواما، وقابلوا إحسانه وثقته في وعودهم بالتواطؤ على مصالحه وتبذير ثرواته وفوتوا على البلد فرصا كثيرة لتنمية البلاد وإسعاد العباد؟ أليس حريا بهم عوض التمادي في تسويق الأوهام أن يعترفوا بما اقترفوا في حق هذا الشعب الكريم ما يكابده اليوم فقرا وجهلا ومرضا وإقصاءً وتخلفا؟ أليس من الرشد وكمال العقل أن يبادروا لتصالح الشجعان مع شعبهم ويعيدوا له -قبل أن ينتزعها- شرعية اتخاذ القرار والاختيار قبل فوات الآوان؟


[1] وثيقة “مقدس” دورة 9 أكتوبر 2011 الاستثنائية: حيثيات مقاطعة العدل والإحسان للانتخابات. \