من الواضح جدا أن من أهم إنجازات ثورات الربيع العربي، هرولةُ المخزن المغربي إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة وسريعة، عبرت عن حجم الضغوط التي مُورست من قِبَلِ الشعب على عصابات الفساد والنهب العام. كما عبرت عن حجم النفاق السياسي الذي أزكمت رائحته الأنوف، وتعاونت على ترسيخه الذممُ الفاسدة. إذ لم تكن هذه الانتخابات في حقيقة الأمر “تدبيرا” سياسيا أملته مبادئ الديمقراطية والمصلحة العامة للشعب المغلوب على أمره، بل كانت فضحا لخوف عكسته إنجازات الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.. في قلوبٍ لم يَقْوَ أصحابها على كتمان دواعي الفزع والهلع عن جموع الجماهير، من مصير من مضى من حكام الجور، بن علي ومبارك والقذافي…

إن انتخابات 25 نونبر 2011 تؤشر بالواضح على استخفاف السلطات المخزنية بالشعب المغربي الأبي، حين تجاهلتْ مطالبَه المشروعة في حقه في الكرامة والحرية والديمقراطية والعيش الكريم.. وكأنَّ أصوات المتظاهرين السلميين، وآهات السكان المساكين من أبناء الشعب الذين توسطتهم حركة 20 فبراير في الشارع المغربي طيلة الأشهر الماضية، “أصواتٌ نشاز”، تخاطب أقواما في المريخ، أو تنادي أمواتا غير أحياء.. دعنا من ذكر الأموات الذين يبعثهم الله ليوم تشخص في الأبصار، لنسأل أسئلة شغلت الألباب والعقول، نطرحها لعلنا نضع الضماد على الجرح الغائر في واقعنا المغربي المغلوب على أمره. ماذا لو وُضعت مطالب الشعب على سكة حوار وطني تَجُرُّه قاطرة التغيير إلى مستقبلٍ يقطع مع جرائم الماضي وويلات الحاضر؟ بل ماذا لو وُضِعت الثقةُ في شبابنا، لما لهم من قيمة عظمى في البناء والتشييد والإعداد وتقديم الخدمات والتخطيط للمستقبل وهندسته؟ بل ماذا لو…؟ وماذا لو…؟؟؟ إنّ من له أدنى دراية بالتاريخ، يلمح أن الشعار المُردَّد على لسان فرعون “ما أريكم إلا ما أرى”، لا زال يكرر نفسه، كما يلمح أيضا في مقابل ذلك، من يقف في الصف الآخر، صَفِّ الرفض وقولِ “لا”.

إن حجم العزوف الشعبي عن الانتخابات بالمغرب لا يستطيع غِربال الدعاية المخزنية أن يخفيه. فمهما حاولت الدعاية الحزبية “شحن” المواطنين الأحرار للتصويت على هذا الحزب أو ذاك، ومهما حاولت الآلة المخزنية بشتى وسائلها غير النظيفة، بما فيها ترهيب السكان باعتقال شباب حركة 20 فبراير عامة، ونشطاء جماعة العدل والإحسان وغيرهم من نشطاء القوى الداعية إلى مقاطعة الانتخابات خاصة، فإن فئات الشعب المغربي وصلت درجةً من النباهة ما يجعلها على أهْبة الاستعداد لتكرار ملحمة المقاطعة التاريخية لانتخابات 2007 (بنسبة 80%)، لأنهم يعرفون تمام المعرفة أن بعد انقشاع صباح الانتخابات ستنكشف على الملأ العهود العُرقوبية، وسيتحلل كل ذي وعد من عهده، ولأن الذي عاين ويعاين المشهد الانتخابي في تاريخ المغرب، يقف حتما على حجم الزيف والأوهام التي يمثلها هذا المشهد ضمن مسرحية كبرى طالت فصولها، وقصةٍ شَعَّبَ “الأبطال” من دروبها.

ولعل الخلاصة العامة التي لا تخفى على كل ذي عقل سليم، أن ما يجري من مهزلة انتخابية مخزنية باسم “الإصلاح والتغيير” هي ذات خلفيتين: الأولى كسبُ المزيد من الوقت، من جهة، انتظارًا لمرور العاصفة، وخفوت رياح الربيع العربي التي لا تبقي ولا تذر، أما الخلفية الثانية، فتتمثل في استغلال ما انتفض الشعبُ ضده من فساد ومفسدين وغياب للكرامة والحريات وعيش كريم.. وذلك بغاية اختطاف زحف الربيع المغربي من أهله، والظهور بزي المصلح الحريص على شعبه.. وهو استغلال أشبه بصنيغ الغرب، الذي سارع إلى السير في طريق الربيع العربي تمهيدا لاحتوائه أو اختراقه.. “وأنى لهم التناوش من مكان بعيد”، في ظرفية لا مجال فيها لمراوغة التاريخ، وزمنٍ تخلخلت فيه أرصدة الثقة بين الناس حكاما ومحكومين وناخبين ومنتخبين، وأحزابا ومنخرطين.. ثقةٌ أنهكها الأملُ المُخَيَّب، والوعد الكاذب، والقول الخلاب ولا عمل. وتعاقبت على تجفيفها الذمم الفاسدة العاجزة عن الفعل.