ما يعيشه المغرب هذه الأيام من تسويق سياسي وبهرجة إعلامية لملهاة الانتخابات وما سبقه من تهويل غير مبرر لتعديل دستوري فاشل بكل المقاييس يمكن اعتباره من أكبر عمليات النصب السياسي التي عرفها العالم الحديث. فالمهندسون لهذه العملية يحاولون الركوب على قطار الربيع العربي من خلال تصوير ما يحدث وكأنه يسير في ركابه ويؤدي لنفس نتائجه، غير أن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، ومن الواجب على كل رأي حر في هذه اللحظة المفصلية أن يتكلم بكل جرأة ليوضح للرأي العام خطورة ما يجري من تلبيس للحقائق وضحك على الذقون واستخفاف بالعقول.

حري بنا أن نقول الآن وليس في أي وقت لاحق إن هناك فرقا شاسعا بين تجربة الجارة تونس التي جاءت في سياق واضح وصريح قطع مع الاستبداد بشكل لا يدع أي مجال للتأويل أو الالتفاف، وبين مسرحية مخزنية تمدد في عمر الاستبداد وتجري في بركة آسنة من الفساد وسط سوق أزكمت رائحته الأنوف وأعرضت عن بضاعته الألوف.

فرق كبير بين تجربة سدت كل ذريعة أو منفذ لمشاركة أي رمز من رموز الفساد في النظام السابق وبين لعبة رموزها والمتحكمون فيها هم نفس الوجوه والأسماء وتشرف عليها نفس الهيئة وتواكبها نفس البهرجة وتتم بنفس الأساليب.

فرق كبير بين تجربة استطاعت أن تحرز على فتوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوجوب المشاركة فيها وجوبا شرعيا عينيا وبين عبث مخزني لن يزيد المغاربة إلا إصرارا على الممانعة والصمود حتى يتم إسقاطه كاملا. ولن يرضى الشعب المغربي بأقل مما رضي به أشقاؤه التونسيون. آنذاك فقط يكون بإمكاننا بل من الواجب علينا التسابق للإدلاء بأصواتنا بكل ثقة واستبشار.

إقبالهم وأشباحنا

إذا كان صحيحا أن ما حصل إثر الاستفتاء الدستوري الأخير يعد نجاحا جماهيريا متميزا وقفزة ديمقراطية تاريخية، فبماذا -إذا- يمكن أن ننعت الانتخابات التونسية التي لم يستطع أحد على الإطلاق التشكيك في نسبة مشاركتها العالية، حيث جاءت تأكيدا لصورة الطوابير الطويلة التي ضجت بها مكاتب التصويت حين اصطف الناخبون مند الساعات الأولى للصباح ووجوههم ضاحكة مستبشرة واثقة بغد ديمقراطي أفضل، وهي الصورة التي لم يفلح الإعلام الرسمي بالمغرب في رسمها على شاشاته رغم كل محاولات التجييش المادي والمعنوي رغبا ورهبا، حتى إنهم لو استطاعوا أن يحضروا أقواما آخرين ليملأوا الصفوف لفعلوا، ولو ملكوا أن يشتروا جميع الأصوات لما ترددوا. ولكن هيهات أن نحصل على مثل نتيجة حرة خرجت من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين بمقدمات مخزنيه لم تقطع ولو جزئيا مع أي من ممارسات العهود البائدة.

إن تصديقنا لما تم الترويج له إعلاميا في الاستفتاء الأخير وما يتم التسويق له من خلال الحملة الحالية من مشاركة تاريخية مزعومة على ضوء ما شاهدناه في التجربة التونسية لا يمكن أن يحيلنا إلا على افتراضين اثنين:

1- إما أن سلطاتنا قد تميزت بتنظيم محكم وضبط لا مثيل له للأعداد المشاركة وتمكنت من تغطية شاملة لجميع الدوائر مما شكل “عائقا” أمام وسائل الإعلام لرصد أي مظهر من مظاهر الازدحام في المكاتب كما حصل في تونس. وهذا ما لا يستقيم وحال أجهزتنا المعروفة بترهلها للخاص والعام.

2- وإما أن أشباحا لم يتسن التقاطها من طرف شاشات التلفزة -التي لم تتطور بعد لتتمكن من مواكبة هذا السلوك الجديد العجيب للإدارة المخزنية- هي التي ساهمت في رفع نسبة المشاركة حتى حققت أرقاما قياسية لا تتناسب مع مظاهر العزوف البادية والاحتجاج المستمر في الشوارع .

وفي الختام، من المفيد أن نشير أن التأثير الذي يحدثه بعض الإعلاميين والعلماء في التسويق وعيا أو بغير قصد لهذه الكذبة لهو أخطر بكثير مما يتم حياكته خلف الأبواب المغلقة. إلا أن عزاءنا في هؤلاء أن تجارب الجيران علمتنا أن خبراء تجميل الوجوه الشمطاء والأجهزة المستبدة لا تلبث حبال كذبهم القصيرة أن تلتف حول أعناقهم فإذا هم لعبة في يد صغار الثوار تتقاذفها على شبكات الانترنت وتروي قصصها المضحكة من جيل الى جيل.