تذكير

انعقد “مقدس” في دورة استثنائية يوم 9 أكتوبر2011 خُصصت لموضوع استحقاقات 25 نونبر 2011، وبعد التداول اتخذ المجلس وبالإجماع قرار مقاطعة الانتخابات المقبلة، كما انبثق عن المجلس نفسِه لجنة عُهد إليها بإنجاز وثيقة تحليلية لدواعي قرار المقاطعة يعمم نشره تنويرا للرأي العام المحلي والدولي، وتفنيدا لمزاعم المغرضين المدمنين على اتهام الجماعة بالسلبية والعدمية وإخفاء عجزها بالهروب إلى الأمام. وتوالت بعد المجلس تصريحات قيادات الجماعة توضح أسباب انتقال الجماعة من عدم المشاركة إلى المقاطعة والدعوة إليها.

نسائل في هذا المقال وثيقة “مقدس” في محاولة لتقييمها سياقا وبناءً وخلاصاتٍ:

“مقدس” المؤسسة

“مقدس” ويعني المجلس القطري للدائرة السياسية، وهو الهيئة المعنية بالشأن السياسي في جماعة العدل والإحسان، تشخيصا ومتابعة وتفاعلا مع القضايا المجتمعية وإنجازا للدراسات وإعدادا للبدائل في شتى المجالات وفق رؤية تنسجم والمشروع المجتمعي الذي تقترحه الجماعة بديلا لينعم الإنسان المغربي بالكرامة والحرية ويتبوأ مغربنا الحبيب مكانة مشرفة بين الأمم.

ينعقد “مقدس” مرة في السنة اعتياديا، وينعقد استثناء عند الضرورة، كما حدث خلال السنة الجارية حيث خصص دورتين: الأولى للاستفتاء والثانية لاستحقاقات 25 نونبر2011. وانتظام انعقاد الهيئات القطرية دليل على حيوية مؤسسات الجماعة وفعاليتها متابعة وتقييما وتقويما للسير العام وتطويرا لأساليب العمل.

اللجنة السياسية

انبثقت عن “مقدس” لجنة سياسية من متخصصين في العلوم السياسية عُهد إليها بتتبع التدابير والإجراءات القانونية والتنظيمية التي يريد النظام من خلالها التحكم -كالعادة- في نتائج الانتخابات؛ ولم يفت المجلس تحديد السقف الزمني لعمل اللجنة ـشهر انطلاقا من تاريخ 9 أكتوبر 2001 – وانضباطها للقواعد العلمية والموضوعية في التحليل بعيدا عن لغة التهريج والدجل السياسي اللذين تربأ الجماعة بنفسها عن الخوض فيهما.

وفي الأجل المحدد، وُفقت اللجنة، بحمد الله، لإصدار الوثيقة وعممت على وسائل الإعلام لتمكين الشعب، والمتتبعين خصوصا، من الوقوف على مبررات موقف الجماعة الداعي إلى مقاطعة مهزلة تسويق الوهم، على حد تعبير الوثيقة.

إن الجماعة من خلال لجنة تتبع الانتخابات المنبثقة عن دورة أكتوبر 2011 لـ”مقدس” تؤكد بالملموس على أمرين اثنين: أولهما “التأسيس السياسي” للقرار من خلال تمحيص الواقع الدستوري والسياسي والقانوني قبل اتخاذ قرار المقاطعة؛ وثانيهما حيوية مؤسسات الجماعة، حيث تمكنت في زمن قياسي رغم الظروف الاستثنائية التي تعمل فيها الجماعة عموما من إنجاز وثيقة – قد تكون الوحيدة – ساءلت الانتخابات من زوايا متعددة ووفق مقاربة شاملة كما سيأتي عرضه.

سياق الوثيقة

جاءت وثيقة لجنة “مقدس” في سياق عام يتوافق وموقع الجماعة في المشهد السياسي العام باعتبارها معارضة سياسية ترفض الاستبداد جوهرا، ولا تكتفي باختزال الفساد في أشكال تدبيرية لقضايا الشأن العام أو ما يُصطلح عليه في الفقه السياسي بالمعارضة الحزبية. في هذا السياق أصدرت الجماعة مذكرة “إلى من يُهِمُّهُ الأمرُ” سنة 2000، حيث شخصت فداحة تركة عهد نُعت بسنوات الرصاص والقبضة الحديدية واقترحت على الملك الشاب، وقتها، مداخل الإصلاح ليدخل إلى التاريخ من بابه الواسع، ثم جاءت وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” غداة مهزلة استحقاقات 7شتنبر2007 التي أكدت أن الوضع في البلاد لا يزداد على مر الشهور والسنين إلا ترديا وانحطاطا، وأن الهوة بين الشعب وبين الحاكمين لا تزداد إلا اتساعا وانسحاقا. حوالي 80% من المواطنين عبَّروا عن رفضهم للَّعِبِ.) 1 ، ودعت فضلاء البلد وشرفاءه لتكوين جبهة ممانعة ضد الفساد وتمييع الحياة السياسية إخراجا للبلاد من النفق المظلم والمسدود نتيجة حكامة غير راشدة طفحت بمؤشراتها السلبية تقارير المنظمات الدولية، وآخرها تقهقر مغرب مبادرة التنمية البشرية 16 درجة في التصنيف العالمي للتنمية، علما أنه مصنف عربيا في تقرير هذا العام في المرتبة 15 من بين 20 دولة مسبوقا بالجزائر ومصر وفلسطين وسورية ومتقدما ـولا فخرـ على السودان واليمن وموريتانيا وجيبوتي.

وقبل شهور والتفافا على مطالب الشعب في إصلاح حقيقي يقطع دابر الفساد سارع النظام لفرض طبعة منقحة لدستور تحكمي في مفاصل الحياة السياسية أصدر مكتب الدراسات السياسية دراسة تحليلية فضحت مزاعم الإصلاح ورصدت مظاهر الخلل الذي شاب الاستشارة الشعبية؛ وفي ذات السياق وانسجاما مع دعمها للهبة الشعبية المباركة ممثلة في حركة 20 فبراير المطالبة بإصلاح حقيقي وقطع دابر الاستبداد المغذي للفساد، تأتي وثيقة “مقدس” في دورة أكتوبر 2011 لتكشف انتفاء شروط المصداقية والنزاهة على استحقاق يراهَن عليه لإضفاء الشرعية على ما يعتبره النظام خطوة جريئة للإصلاح.

بناء الوثيقة

نتطرق بقدر من التفصيل إلى الأسباب الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية…) بهذه العبارة صدرت الوثيقة تحليلها، حيث تناولت موضوع الانتخابات المقبلة بمقاربة شمولية برهنت بالملموس العوائق الدستورية وتعفن المناخ السياسي العام الذي يصر النظام على إجراء الاستحقاقات فيه والتدابير القانونية والتنظيمية التي فرضها النظام في شخص أم الوزارات ليخلو له الجو فيتصرف في النتائج ونسب المشاركة خاصة كيفما شاء، في إخراج جديد لمهزلة تمرير الاستفتاء. دراسة تقع في خمس وأربعين فقرة، هذه مجالاتها:

• دستوريا: في ثماني فقرات (1-8) بينت الوثيقة العوائق الدستورية التي تفرغ الانتخابات من لبها باعتبارها آلية يختار بها الشعب ممثليه، من خلال مؤسسات: برلمان، حكومة ذات صلاحيات فعلية تمكنها من اتخاذ القرارات، وقبل ذلك تنفيذ البرامج التي على ضوئها يتم الاختيار. عوائق تتمثل أساسا في تحكم المؤسسة الملكية في القرار وهيمنتها على مفاصل الحياة السياسية وجعل مؤسسات الدولة العليا صورية؛ فالقرار بداية ونهاية للملك يؤكده الحضور الكثيف في دستور فاتح يوليوز ورصدته الوثيقة التي خلصت إلى القول: بعد هذه الصلاحيات الواسعة للملك نتساءل هل يبقى للانتخابات من معنى؟ وهل تشكل الانتخابات فعلا آلية للتداول على السلطة؟ أم إن هذه البهرجة الانتخابية لا تأثير لها في واقع الأمر على جوهر القرار السياسي، ليكون من أهم وظائفها تكريس الحكم الفردي وتلميع صورته ليس إلا.) 2 .

• سياسيا: على امتداد اثنتي عشرة فقرة (9 – 20) بينت الوثيقة أعراض تعفن البيئة السياسية التي يُصر فيها النظام على تقطيع أوصال الإرادة الشعبية وتقديدها – من القديد وهو لحم مُشبع بالملح تفاديا لتعفنه – بعد عملتي الذبح والسلخ التي تكفلت بهما عملية تسويق الدستور وتمريره؛ إذ لا يمكن التسليم بنزاهة الانتخابات استنادا لنصوص دستورية بعيدا عن توفير الضمانات الكفيلة بتنزيل الدستور وما يقره من حقوق وحريات. في هذا المجال استوقفت الوثيقة مفردات الالتفاف على إرادة الشعب مرة أخرى في إصرار “عجيب” على السباحة ضد تيار رياح التغيير: قمع المعارضة الحقيقية، تنكيل بالمظاهرات السلمية وإسقاط شهداء مباشرة أو بالوكالة، تكميم الصحافة المستقلة ومحاكمة رموزها، التهديد بقطع أسباب الرزق (حرمان أطر جماعة العدل والإحسان من التوظيف نموذجا)، تمييع الحياة السياسية بفرض تكتلات مشوشة وتحالفات ورقية استباقية لقطع الطريق على لون سياسي رغم ما أسداه من خدمات للمشروع المخزني تشويشا على حركة 20 فبراير، ترهيب المقاطعين.

• قانونيا وتنظيميا: ميزت الوثيقة في هذا الصدد بين الشكل وبين المضمون، فخصصت للجوانب الشكلية خمسَ فقرات (21 – 25) أبرزت ارتجال وتخبط الوزارة الوصية في سن القوانين المنظمة للانتخابات، فمن ارتباك وتسرع تحت ضغط الشارع في تحديد موعد الاستحقاقات، إلى صياغة فضفاضة وغير دقيقة لنصوص القوانين إلى وضع المجلس الدستوري أمام إكراه الزمن حتى لا يتمكن من الفحص والتدقيق، ما يترك الباب مشرعا أمام وزارة الداخلية لتفسير القوانين وتأويلها وفق هواها.

أما مضامين القوانين، فأفردت لها الوثيقة حصة الأسد، ففصلت القول على امتداد عشرين فقرة (26 – 45) في قوانين عبرت بوضوح عن نوايا المخزن وأهدافه؛ فهو، وانسجاما مع غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح، يسعى لضمان مشاركة واسعة تُشرعِنُ لما أسس له خطاب 9 مارس، لذلك فالهمُّ بالنسبة له هو حجم المشاركة توسّل إليها بمجموعة من التدابير من قبيل زيادة 70 مقعدا في البرلمان، وهو رفع غير مبرر لعدد النواب ليصل إلى 395 نائبا، وما سيكلفه ذلك من أموال الشعب، علما أن العبرة ليست بعدد النواب، وإنما بحضورهم وجديتهم وكفاءتهم، وبمدى ما يتمتعون به من سلطة تشريعية ورقابية وتقييمية.) 3 ، إلى الإبقاء على نفس نمط الاقتراع ومراجعة جزئية للوائح الانتخابية، إلى تهميش وإقصاء المغاربة المقيمين بالخارج وعرقلة ترشيح المستقلين، إلى اعتماد تقطيع انتخابي تعسفي، إلى – وهذا “مسك” التدابير التحكميةـ استفراد وزارة الداخلية بمختلف أطوار العملية الانتخابية ما يغدو معه التشكيك في صدقية النتائج ونسب المشاركة مشروعا.

الخلاصات

مما سبق، يمكن استخلاص ما يلي:

1. إن انعقاد المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورتين استثنائيتين في حوالي أربعة أشهر لتدارس موضوعي الاستفتاء والانتخابات دليل على التفاعل القوي للجماعة مع مستجدات الساحة السياسية من جهة، وتقديرها لطبيعة المرحلة وخصوصيتها وما سيتمخض عنها من قرارات قد ترهن مستقبل البلاد من جهة أخرى.

2. إن انعقاد المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان للتداول في موضوع من قبيل الاستفتاء والانتخابات برهان على فعالية مؤسسات الجماعة واضطلاعها بمهامها دحضا لمن يحلو له اتهام الجماعة بزاوية يستفرد فيها الشيخ بالقرارات.

3. إن إنجاز هكذا وثيقة وفي زمن قياسي ـأقل من شهرـ رغم الإكراهات والظروف الاستثنائية التي تعمل فيها الجماعة يؤشر على ما تتوفر عليه من قاعدة معتبرة من الأطر والكفاءات في شتى التخصصات، الأمر الذي يؤهل الجماعة – والحمد لله – لتقديم بدائل واقتراحات ذات مصداقية للارتقاء بالبلاد وتحسين أحوال العباد.

4. إن الجماعة بإنجاز وثيقة تحليلية ونقدية للعملية الانتخابية تؤكد أنها تجاوزت المواقف المبدئية – على تعبير المناوئين – إلى موقف موضوعي يستند لدراسة نزيهة بعيدا عن المزايدات السياسوية والتي لم تعد تنطلي على المواطن العادي فكيف بالمتتبع.

5. إنه مع هذه الوثيقة وبالنظر إلى الانتكاسات التي تراكمت في الذاكرة الشعبية بداية بأول انتخابات تشريعية عام 1963 ونهاية بأم المهازل سنة 2007 وما تقترفه الأجهزة الأمنية من مناوشات قمعية لنضالات حركة 20 فبراير واستهداف رموزها على امتداد المغرب، وما يتخذ المخزن من تدابير نزوعا للمقاربة الأمنية، وما يُمطَرُ به المشاهِدُ للإعلام الرسمي من هرج ولغط سياسويين لم يعد أمر مقاطعة الانتخابات يتطلب كبير عناء، بقدر ما أضحى إقناع الشعب بمجرد قَبول فكرة الانتخابات وبالأحرى المشاركة فيها يتطلب جهدا شاقا.

وختاما، إن جماعة العدل والإحسان تصرح الوثيقة أنه وتحملا للمسؤولية أمام الله عز وجل في هذا المنعطف التاريخي الذي تمر منه الأمة، وغِيرة على وطننا الحبيب الذي يعبث به العابثون، ووفاء لدم الشهداء والمعتقلين وكل الشرفاء من أبناء الشعب المغربي، الذي يستحق كغيره من الشعوب حياة كريمة حرة، نقاطع الانتخابات ونؤكد دعوتنا إلى مقاطعتها، وذلك بالنظر إلى إطارها السياسي والدستوري والقانوني الذي يفرغها من أي محتوى ديمقراطي، ويجعل وظيفتها الأساس تزيين صورة النظام السياسي وإلهاء النخب والشعب بلعبة انتخابية لا أثر لها في القرار السياسي، ولا اعتبار لها في امتلاك السلطة) 4 .


[1] مذكرة “جميعا من أجل الخلاص” الصادرة عن “مقدس” بتاريخ: 8 دجنبر 2007.\
[2] وثيقة اللجنة السياسية لمقدس دورة أكتوبر 2011.\
[3] المرجع نفسه.\
[4] المرجع نفسه.\