في المجتمعات الإسلامية لا يُقدم المسلم على فعل شيء حتى يعلم حكم الله فيه، والنصوص التي تبين أحكام التصرفات إما قطعية الدلالة لا تحتمل التأويل، وإما ظنية الدلالة تحتمل وجوها من التأويل، كما أن الكثير من الأحكام تُستفاد من طريق إعمال منهجية استقراء النصوص المختلفة، وهذه المنهجية هي التي أدت بالكثير من العلماء إلى القول بالكليات الخمس التي تنبني عليها مقاصد الشريعة:

كلية حفظ الدين

ويندرج تحتها الإيمان بالله واليوم الآخر والدعوة إلى تشييده على قواعد الاقتناع القلبي والعلمي والعقلي والاجتهادي لا على مجرد التقليد، وأداء العبادات وكفالة حرية العقيدة والتدين وحمايتها من كل تعد أو اختلال.

كلية حفظ النفس

حتى أن جمعا من علماء الفقه والأصول قَدَّموا الحفاظ على سلامة الأبدان على الحفاظ على سلامة الأديان، ولذلك أجازوا النطق بموجبات الكفر في حال الإكراه حفاظا على النفس، وأكبر عنوان لمقصد حفظ النفس هو إحاطة حق الحياة بقدسية خاصة بحيث يعد إزهاق روح واحدة بمثابة جريمة ضد الإنسانية، قال الله جل وعلا من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا 1 وشُرع القصاص صونا لحق الحياة ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون 2 ، ولنفس الغاية شُرع حق الدفاع عن النفس،وعلى أساس التكريم الإلهي للإنسان حُرم أي تعدٍّ عليه إما باسترقاقه وسلبه حريته، وإما بتعريضه لصنوف التعذيب والتصرفات الحاطة بكرامته، وإما بالانتحار، ويدخل في باب الحفاظ على النفس الإنسانية العمل على توفير الصحة النفسية ومشمولاتها من أمن من الخوف والقلق والاكتئاب والفقر والحاجة، وشُرعت الرخص لرفع المشقة والحرج عن الناس.

كلية حفظ العقل

العقل هو مناط التكليف، وما أحسن قول الإمام الغزالي العقل شرع من داخل، والشرع عقل من خارج) وهو ما عبَّر عنه ابن تيمية بقاعدة موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول)، فالمجانين والمعتوهون غير مخاطبين بالتكاليف، وللسفيه أحكام خاصة في الفقه الإسلامي، ويعرفون السفه بأنه خفة تعتري العقل، فتظهر التصرفات الطائشة أو الفاقدة للحكمة، وأفعال العقلاء منزهة عن العبث كما يقال، وأي فعل أو سلوك أو عادة تُسهم في تغطية العقل وتغييبه فهي محرمة شرعا وطبعا، وهنا يندرج تحريم المسكرات والمخدرات، لأنها تُفقِد العقل قدرته على العمل والتخطيط والتركيب والتحليل والمقارنة والأجرأة والاستقراء إلى غير ذلك من العمليات العقلية التي تأتمر بأمر اليقينيات القلبية والاعتقادية “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله” 3 ، وغير خاف ما لعمليات التفكر والتفكير والتأمل وطلب العلم وممارسة الاجتهاد من أثر على تنشيط العمل العقلي وتغذيته وتطويره، ويكفي في لفت انتباه الناس إلى مقصد الحفاظ على العقل إنزال القرآن الذين لا يستفيدون من عقولهم منزلة الحيوانات إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون 4 .

كلية حفظ المال

كاد الفقر أن يكون كفرا)، ولو كان الكفر رجلا لقتلته)، قولتان خلدهما التاريخ لعلي كرم الله وجهه، وفي أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز) على حد عبارة الأستاذ عبد السلام ياسين، فالمال هو عصب الحياة، وإنها لمثالية حالمة أن تطلب إلى الناس الحفاظ على الأبدان والأديان وأيديهم فارغة مما يقيم أودهم ويقيهم شظف العيش، وقد دُعي الإنسان إلى الاستماتة في الحفاظ على مُقوُّمات حياته المادية “من قتل دون ماله فهو شهيد” 5 ، ولأن غريزة التملك مركوزة في النفس البشرية فقد أحاطها الشرع بمجموعة من الضوابط:

– أولا: حتى لا يعتدي الناس بعضهم على بعض.

– وثانيا: حتى لا تُنشِب الأنانيات السلطوية أظفارها في المال العام بالسرقة والاختلاسات وسوء توزيع الثروة والاحتكار بتداول المال بين طائفة من الانتهازيين.

– وثالثا: ببيان وسائل الكسب المشروع وغير المشروع (كالنصب والاحتيال والقمار…)، والنهي عن المعاملات المالية المشبوهة ووجوه الإنفاق غير المشروعة.

– ورابعا بالدعوة إلى تنمية المال واستثماره.

كلية حفظ العرض

إن بقاء النوع الإنساني واستمراره رهين بالتناسل، وهذا التناسل حددت له طرق شرعية تتمثل في الزواج المبني على المودة والرحمة والعلاقة التكاملية بين الرجل والمرأة، وهو الزواج الذي يشكل نواة لأسرة متماسكة عليها تتأسس المجتمعات القوية، ورتب الشارع على القذف في الأعراض واتهام الناس بغير وجه حق عقوبات معلومة حتى يقع قطع الطرق على الإشاعات ومحاولات زرع البلبلة والقلاقل والفرقة والشقاق بين الأفراد والجماعات. ويعد قطاع الإعلام من أكثر القطاعات التي لها ارتباط وثيق بصون سمعة الناس وأعراضهم لاسيما الإعلام الرسمي عندما ينخرط في تشويه سمعة المعارضين.

إن هذه الكليات الخمس تمثل الأساس الفلسفي الإسلامي لحقوق الإنسان، وعليها تُعرض جزئيات الواقع، وإن أي خلل يطولها سينتج عنه خلل في الحياة وفوت مصالح الدين والدنيا، وسيكتسي النهوض لسد ذلك الخلل صفة الوجوب الديني والإنساني، وبمقتضى هذا الوجوب قامت الثورات في تونس ومصر وليبيا وعلى الإثر سوريا واليمن:

ففي تونس اعتدى النظام البائد على كلية حفظ الدين فاتبع سياسة “تجفيف الينابيع” واتبع نهج “علمانية متطرفة” لم تُقِم أي وزن لهوية البلاد وانتمائها الحضاري، وروج لدين هو بالموت أشبه، ليس فيه إلا وجوب الطاعة للحاكم، وإمعانا في الحرب على الله والمؤمنين حاصر المساجد وجعل أكثر روادها من رجال المخابرات الذين يحصون الأنفاس على المصلين الذين يجب عليهم اقتناء البطاقات التي تحظر عليهم مغادرة مساجد أحيائهم للصلاة في مساجد أحياء أخرى، وإن فكروا في الانقطاع عن الصلاة فما عليهم إلا أن يرجعوا البطاقات إلى مقرات الداخلية، واعتدى على كلية حفظ النفس، فحرم آلاف الناس من حريتهم، ومارس كل أشكال القتل والتعذيب والترهيب، واعتدى على كلية حفظ المال، وشاركه في هذا الاعتداء النظامان البائدان المصري والليبي والنظامان المتهاويان السوري واليمني، فاحتوش الحاكمون الأموال، وانفردوا بالامتيازات، ونهبوا المال العام، وسلطوا أقاربهم على أسواق الخدمات والأعمال فأفسدوها وما أبقوا لعامة الناس إلا الفتات، فارتفعت أعداد الفقراء، واعتدوا على كلية حفظ العقل لما استخفوا بعقول مواطنيهم وخربوا التعليم، وأغرقوا شبابهم في المسكرات والمخدرات حتى لا يلتفتوا إلى واقعهم البئيس، وحاربوا الفكر الحر والاجتهاد المستقل، واعتدوا على كلية حفظ العرض بواسطة إعلامهم الذي دأب على الارتفاع بأقدار الأتباع والمتملقين إلى سماء التقديس والنزول بأقدار الأحرار والمعارضين إلى حضيض الشيطنة.

إن الحكم الرشيد يُعد من أهم المطالب الشَّرْطِية لحفظ الكليات الخمس المذكورة، وتُستفاد معاييره من خلال القيام بعملية استقراء واسعة للنصوص، ومن خلال تأمل تجربة الخلفاء الراشدين، وهي تجربة لم تنل حظها الكافي من التطوير والمأسسة بفعل الانقلاب المبكر الذي وقع عليها لصالح الملك العضوض الذي عض على الأمة بالوراثة وبيعات الإكراه، وصادر حق الناس في اختيار من يحكمهم بكل حرية،وتَقعَّد ذلك الانقلاب “بفقه الأحكام السلطانية” حتى أن أحد فقهائها لم يَتحرَّج من القول بأن البيعة تنعقد بمبايعة رجل واحد،واليوم تثور الشعوب في البلاد العربية والإسلامية لتقطع مع هذا الفقه السياسي التقليدي الذي حوَّلها إلى كمٍّ مهمل وصامت، ولقد بدأت دورة التغيير في كل من تونس ومصر وليبيا، وما زالت مستمرة بعد نجاح الثورات فيها، وهي الآن تشق طريقها وسط المزالق والمنعرجات نحو تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية والعادلة المنبثقة عن انتخابات حرة ونزيهة وعن دستور يُجسِّد الإرادة الشعبية، ويشارك الجميع في وضعه، كما أن تلك الدول شرعت في التغيير تحت عنوان “الثورة”، ولا أحد في المغرب تحرك للمطالبة بالتغيير تحت نفس العنوان حتى يقال للشباب الذي يحتج في الشوارع: إن كنتم تريدون الثورة فتفضلوا، وهو قول يستبطن ضربا من التحريض عليهم، والسخرية والتهكم واستعجاز قدرتهم على إنجاح التغيير، تماما كما تهكم ذات يوم جمال مبارك على شباب “الفايسبوك”.

في المغرب رامت دعوات التغيير إسقاط الفساد والاستبداد، بعد ذلك لا مشاحة في المصطلحات، وإن مبادرات دوائر الحكم اتسمت بالكثير من المكر والخداع والتخبط والارتجالية، وأرادت إشغال الناس بالأشكال لا المضامين، لأن المواطن العادي لا يفقه كثيرا في التعقيدات الدستورية ولا شأن له بها، ويزيدها تعقيدا انبراء مجموعة من النخب للتبرير والإشادة المجانية، وإنما يريد إجراءات ملموسة ومحسوسة، أما مادامت مصاديق الظلم ماثلة في الواقع فإن الدعوة إلى الانتخابات ما هي إلا بيع للوهم.

التأسيس الشرعي

إن تأسيس موقف المقاطعة على الفقه الشرعي والتصور الواضح هو مظنة الاطمئنان، وإن أدلة “فقهاء المشاركة” في الواقع المغربي تحديدا لا تَصمُد أمام النقد العلمي، وقلنا “فقه المقاطعة” تمييزا له عن “فقه القطيعة” الذي يعتزل أصحابه المجتمع، وقد يُكفِّرونه ويستخفون بعقول الناس، ويُكفِّرون الديمقراطية، ويعارضون “الانتخابات” من حيث المبدأ لأنها في اعتقادهم “بدعة غربية”. وليس نقاش “المشاركة” و”المقاطعة” وليد اليوم بل له نظائر في تاريخنا الإسلامي، وتُكُلِّم عنه تحت عنوان “جواز أو عدم جواز مخالطة السلطان الجائر”، ونسوق مثالا لذلك الجدال القديم/الجديد بذكر طرف من الرسالة التي وجهها التابعي أبو حازم الأعرج إلى ابن شهاب الزهري لما رأى منه ركونا إلى الذين ظلموا فقال: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك: أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] واعلم أنّ أيسر ما ارتكب وأخفّ ما احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوّك ممن لم يؤدّ حقاً ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يُدخلون الشكّ بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فيما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} [مريم: 59] فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام).

إن “فقه المقاطعة” يركز على مجالات التنزيل والتطبيق والواجب في الواقع، وله أصل في الكتاب والسنة وله تعلق بمدى تحقق المصلحة أم لا:

1. فمن الكتاب نضرب لذلك مثلا بقوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار 6 ، ويمكن التنبيه على موارد الاستشهاد في هذا النص فيما يلي:

أولا: تتضمن الآية نهيا صريحا عن الركون إلى الذين ظلموا، وتنص على علة النهي المتمثلة في الظلم، وترتب الجزاء على عدم الانتهاء (فتمسكم النار)، وكل هذا سيحملنا – بعد حين – على النظر في تعيين المحل لتنزيل الحكم عليه.

ثانيا: الركون إلى الذين ظلموا هو الميل اليسير إليهم، فما ظنك بالميل الفاحش.

ثالثا: الذين وقع النهي عن الركون إليهم هم “الذين ظلموا” أي أن الظلم طرأ عليهم فما بالك بالركون إلى الراسخين في الظلم.

رابعا: تُشعِر صيغة “الذين ظلموا” بأننا أمام تكتل منظم لا أمام ظالم واحد هو شخص الحاكم.

خامسا: لا يرتب الله عز وجل الوعيد الشديد إلا على الذنوب العظيمة ومنها مجرد الميل اليسير إلى الذين ظلموا.

إن تحقيق مناط العلة (الظلم) التي بني عليه النهي (لا تركنوا) يحتاج إلى بيان مصاديق الميل اليسير إلى الذين ظلموا، فيمكن أن نذكر منها:

– التردد على نواديهم السياسية والثقافية بما يعرض المرء إلى الوقوف مواقف التهم،ومن وقف مواقف التهم فلا يلومن من أساء الظن به كما يقال.

– تبرير سياساتهم، وتقديم إخفاقاتهم في صورة إنجازات، وإضفاء صفات الرشد والحكمة على المواقف التي لا رشد فيها ولا حكمة.

– تحويل وسائل الإعلام إلى أبواق للدعاية وخدمة أجندة اللوبيات المتحكمة.

– المشاركة في انتخابات تفتقد إلى المصداقية، وتجري في ظل الفساد والاستبداد.

– قبول أعطياتهم التي تستنزف المال العام، وتُشترى بها ذمم رجال الدين والدنيا فلا يتكلمون إلا بقدر ولا يتصرفون إلا بحذر.

– الخطير أن يظهر الركون إلى الذين ظلموا في السلك الديني فيُنعتَ المعارضون بالخوارج، وتُستصدر الفتاوى التي لا ترى في الظلم وتوابعه من فساد واستبداد قدحا في شرعية الحاكمين.

ويحتاج الأمر أيضا إلى بيان مصاديق الظلم التي تُسقط أي حاكم إن تلبَّس بها عن مرتبة الاعتبار الشرعي حتى نطبق قاعدة (النهي عن الركون إلى الذين ظلموا) على آحاد صورها التي يمكن أن نعد منها:

– التمكين في البلاد لاقتصاد الريع والمقاولات العائلية، واحتكار ضيعات “الإصلاح الزراعي” و”المعمِّرين” و”مقالع الرمال” و”مداخيل الفوسفاط” و”رخص الصيد البحري”، والصناعات الغذائية والدوائية والمعدنية والفلاحية، وقطاعات الخِدْمات، واحتكارات أخرى ذات صلة بقطاعي المال والأعمال ومرتبطة بالدوائر العليا للحكم يديرها “لوبي العقار” و”لوبي الأبناك”، و”لوبي تجميل سيرة المُقترَحين للمناصب السامية في مواسم تغيير الولاة والعمال وكبار الموظفين في مختلف القطاعات”.

– مصادرة حق الناس في اختيار ومراقبة ومحاسبة من يحكمهم فعلا.

– التمويه على الشعب والنخب بتعددية وهمية، بينما الحقيقة أن الذي كان يحكم ولا يزال هو الحزب الوحيد المُمَثل في “القصر”، و باسم الدين تم التمكين أيضا لاستبداد ساحق ماحق أوسع المعارضين المبدئيين من أهل اليسار والإسلاميين قمعا وتشريدا، بما صار يعرف “بسنوات الرصاص”.

2. والسنة تابعة للقرآن الكريم في رسم ملامح ومعالم العدالة وفي التحذير من الظلم والفساد وذيولهما، لأنه يستحيل أن تتناقض مقاصد القرآن مع مقاصد السنة، وقد استغل الحكام وفقهاؤهم لمرات كثيرة في تاريخنا الإسلامي أحاديث السمع والطاعة ليحملوا الناس على تقديم بيعات قسرية إكراهية، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء القيام باستقراء واسع لتلك الأحاديث ليتبين لهم أنها تأتي على نوعين: النوع الأول يَنُصُّ ظاهر الأحاديث فيه على وجوب بذل طاعة مطلقة للحكام سواء عدلوا أم ظلموا كالحديث المروي عن عبد الله بن مسعود: “إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسلون الذي لكم” 7 ، وفي الحديث الآخر عن عوف الأشجعي: “”ألا ومن له والٍ فيراه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزع يدا من طاعة” 8 ، والنوع الثاني ينص على طاعة مشروطة ومقيدة: فروي ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “من أمركم بمعصية فلا تطيعوه” 9 ، وفي الحديث الآخر عن علي: “لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف” 10 ، وفي الحديث الآخر: “ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونَنَّ عريفا ولا شُرطيا ولا جابيا ولا خازنا” 11 وفي الحديث الآخر: “سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة”، والثابت في قواعد الأصول أن المطلق يُحمل على المُقيَّد،فلا طاعة مطلقة لحاكم.

في الكثير من الأحيان يلجأ أنصار المشاركة غير المشروطة إلى السيرة النبوية ليستمدوا منها حججهم وبراهينهم، كالإحالة على “صلح الحديبية” وهو في الحقيقة يُسعف المقاطعين بالحجة أكثر من المشاركين،لأن العنوان الأكبر لصلح الحديبية هو أن يُخَلِّيَ الملأ القرشي بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الناس، لذلك قَبِل بعَقْد هُدنة يأمن فيها الناس على أرواحهم وممتلكاتهم،وفي أجواء السلام والحرية تَبارت دعوة أنصار التغيير (المسلمون) ودعوة أنصار الجمود والآبائية في التفكير (ما وجدنا عليه آباءنا: المشركون)، فكان النصر حليف الدعوة الأولى، فأي حرية تبقى عندما تُزِور الإرادة الشعبية،ويُحتكر الإعلام العمومي ولا يُمكَّن منه إلا السائرون في ركاب الدعاية المخزنية إما بالأصالة أو بالتبع.

وثمة حديث دال أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما، مؤداه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُهلك الناسَ هذا الحيُّ من قريش، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم” 12 والمقصود هو أحد البيوتات القرشية التي خرج منها الذين انقلبوا على الخلافة الراشدة وسنوا السنة السيئة: توريث الحكم واغتصابه، فلو أن الناس أعتزلوهم أول الأمر وأخذوا على أيديهم لما تدحرجت بهم دورة التنازلات إلى الحرمان – قرونا من الزمن – من الحرية في اختيار من يحكمهم، لأن المقاطعة تَحشُر المفسدين في الزاوية وتفضحهم، وتضعهم بين خيارين لا ثالث لهما إما القيام بإصلاحات حقيقية صادقة والإقلاع عن الفساد لخدمة البلاد والعباد وإما الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام نحو المصير المحتوم إن الله يُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلِته.

3. إن المقاطعة في الظرف الراهن راجحة أيضا بميزان المصلحة الدينية والوطنية، والقائلون بأن تلك المقاطعة تخدم المفسدين واهمون، فهل أوقفت المشاركات المتكررة في المحطات السابقة الفساد،وهل قطعت الطريق على الاستبداد، وهل أزاحت الوجوه القديمة عن تصدر مجالس التقرير ووضع السياسات وهي التي تكن عداء دفينا للإخوة من الإسلاميين المشاركين، وتمعن في ضرب مقومات الأمة الفكرية والحضارية، وفي الابتزاز بدعوى الحفاظ على الأمن والنظام العام وتفويت الفرصة على “العدميين” و”المتطرفين”، بشكل يحمل على الاعتقاد بأن المحطة الانتخابية في المغرب يُراد منها الحفاظ على سياسات سابقة (والمشارقة يقولون: اللي يجرب المجرب بيتو مخرب)، ولا يراد منها انبثاق مشروعية سياسية جديدة كما هو الشأن في الديمقراطيات الحقة والصحيحة، هذا فضلا عن أن المشاركة توقع في مفسدة الاستسلام لكيد الاحتواء المنظم، ومفسدة تغميض الأحوال على الناس بلفها في خرق الشعار الإسلامي والوعد الخيالي.

الخلاصة والحكم

إن المشاركة الانتخابية تعتريها الأحكام الخمسة؛ فهي قد تكون في بلد ما محرمة، وقد تكون في آخر واجبة، وفي آخر مكروهة، وفي آخر مندوبة، وفي آخر مباحة، إلا أنها على النحو الهجين الذي تتم به الآن في المغرب تعد ضربا من ضروب الركون إلى الأنظمة والمؤسسات التي لا تتحرى العدالة في سلوكها، ولذلك فهي جديرة بالوصف الدارج على الألسنة والكثير الورود في الصحافة أي “اللعبة الانتخابية”، وبالتالي يترجح لدينا بالأدلة الشرعية والنظر المصلحي عدم جواز المشاركة وأن “المقاطعة” هي الحكم الصائب والصحيح إلى أن تتنزه الانتخابات عن نعت “اللعبة”، وأخلاقيات الحوار تقتضي الحكم على الاختلاف بين “المشاركين” و”المقاطعين” بمقاييس الخطأ والصواب لا بمقاييس الكفر والإيمان.


[1] المائدة، 32.\
[2] البقرة، 179.\
[3] البخاري، كتاب الإيمان.\
[4] الأنفال، 22.\
[5] أخرجه أبو داود (2/275) والنسائي والترمذي (2/316) وصححه، وأحمد (1652 – 1653) عن سعيد بن زيد).\
[6] هود، 113.\
[7] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، 2/113.\
[8] المصدر نفسه.\
[9] علاء الدين الفارسي، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، باب طاعة الأئمة، 7/44.\
[10] نفسه.\
[11] نفسه.\
[12] البخاري، كتاب المناقب، باب علامات البنوة في الإسلام، مسلم، كتاب الفتن.\