للحالمين بالسلطة والهيمنة في الانتخابات الآتية، وكذا السادرين في أتون تخيل الإصلاح أو الوصول إلى دفة الحكم بالمغرب نقول: إنهم واهمون حقيقة لعدم درايتهم بالنسق السياسي المغربي أو متغافلون عن شراسة تمسك القصر بالسلطة أو متجاهلون للسقف السياسي الذي لا يحق لأي كان اختراقه أو تجاوزه إذا دخل الحظيرة المخزنية.

والدليل على ذلك هذه القبسات البديهية في ديدن التحليل السياسي مسندة بنصوص واضحة مبثوثة في الدستور الجديد، وهي تبين بجلاء حقيقة الحاكم الفعلي والمسير الرئيسي لدواليب السلطة بالمغرب.

إذا تخيلنا جدلا أن هناك حزبا حقيقيا كسب تأييدا جماهيريا واسعا بطرحه برنامجا انتخابيا متساوقا مع هموم الجماهير وتطلعاتها، ثم دخل حلبة الصراع السياسي وفاز بأغلبية ساحقة في البرلمان، فإنه في العرف الديمقراطي هو الحاكم بداهة بتلك النتيجة المنطقية التي تؤهله آنذاك أن يتولى زمام السلطة بالبلد، وينزل ما تعاقد عليه من برنامج بينه وبين الجماهير التي وثقت به فصوتت عليه.

لكن السؤال المحرج هاهنا هو: هل يستطيع ذاك الحزب إن فاز بنزاهة وشفافية حقيقية أن يحكم في المغرب على غرار الدول الديموقراطية؟

إن تأملا يسيرا لبنود الدستور الحالي وبعض فقراته المتعلقة بالذي سيحكم بعد الانتخابات، يحيلنا بوضوح إلى حقيقة مُرة، مفادها أن الحاكم الفعلي ليس هو الذي انتخبته الجماهير الغفيرة وفاز بنسب مئوية مرتفعة واستعد لتنزيل برنامجه على الأرض، بل هو القصر ومستشاروه. نعم القصر، بتجميع جميع السلط بيد الملك، فضلا عن هيمنة مستشاريه على جل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والقضائية وغيرها… في حين أن البرنامج الانتخابي الذي صوتت عليه الجماهير الغفيرة غدا سرابا وأصبح هباء تذروه الرياح.

في الفصل (65) يرأس الملك افتتاح الدورة الأولى للبرلمان، وفي الفصل (68) يستمع البرلمان بمجلسيه إلى الخطب الملكية الموجهة له… وفي الفصل (52) يخاطب الملك الأمة والبرلمان، ويتلى خطابه أمام كل من المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما، ودرج القصر على طرح الاستراتيجية والتصور البعيد المدى الذي يجب على الحكومة تنفيذه، أي إن رئيس الحكومة الذي ينتظر الحرية السياسية لتنفيذ برنامجه أصبح مقيدا بتصور القصر، وغدا أداة طيعة في يده لتنفيذ رؤاه.

ثم إن رئيس الحكومة الصوري هذا لن يصل إلى هذا المنصب إلا من بعد تعيينه أصلا من قبل الملك كما هو منصوص عليه في الفصل (47)، بحيث إن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

فإذا استقر الحال برئيس الحكومة الصوري وظن نفسه فاعلا سياسيا حقيقيا يفاجأ بإدراجه عضوا واحدا كباقي وزرائه طيعين لشخص الملك الذي هو رئيس المجلس الوزاري، بحيث إن الملك يرأس هذا المجلس المسمى بالمجلس الوزاري، الذي يتألف من رئيس الحكومة والوزراء، ولا ينعقد إلا بمبادرة من الملك، أو بطلب من رئيس الحكومة، وللملك أن يفوض لرئيس الحكومة، بناء على جدول أعمال محدد، رئاسة مجلس وزاري كما هو وارد في الفصل (48).

وقد يجادل واحد بأن الأهم من كل ذلك أن يتم تنزيل تصور رئيس الحكومة في المجلس الوزاري وإن ترأسه الملك… لكن الحقيقة الصادمة أن هذا المجلس محدد المواضيع التي يجب طرحها قبلا، ولا يحق لأي كان وإن كان رئيس الحكومة أن يتجاوزها وهي: التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، ومشاريع مراجعة الدستور، ومشاريع القوانين التنظيمية، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية، ومشاريع القوانين- الإطار المشار إليها في الفصل (71) الفقرة الثانية من الدستور، ومشروع قانون العفو العام، ومشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري، وإعلان حالة الحصار، وإشهار الحرب.

فأين هو برنامج الحزب الذي انتخبته الجماهير وأعطت صوتها له ووثقت في الحزب لتنزيله؟

إن ما هو كائن حقيقة أن البرنامج المنفذ على أرضية الواقع إنما هو برنامج القصر وحكومته الخفية، ومهمة الحكومة الظاهرية ورئيسها إنما هي تنفيذ التعليمات المخزنية فحسب… فإن أبت، وهي أغلبية في البرلمان استطاع القصر أن يخالف إرادة الأمة – في حالة ما إذا تحققت هذه الإرادة بالوصول إلى انتخابات شفافة ونزيهة ولا يد لوزارة الداخلية فيها وهذا مستبعد حاليا – قلت في هذه الحالة قد يحل الملك البرلمان برمته كما هو منصوص عليه في الفصل (51).

فإذا تخيلنا ثانية أن رئيس الحكومة الصوري قد اتُخذت بعض آرائه المتعلقة بما هو وارد في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، فإن يده لن تطول مؤسسات كبرى يكون فيها الملك رئيسا لها كالقوات المسلحة الملكية ( فصل 53)، والمجلس الأعلى للأمن ( فصل 54)، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية (فصل 56، فصل 115)، والمحكمة الدستورية التي يعين الملك رئيسها كما ورد في استدراك الجريدة الرسمية عدد 5956 ليلة الاستفتاء…

ولا يحق لهذا المُعَين أن تكون له سلطة على تلك المؤسسات فحسب، بل إن أمر إفراغ سلطته يطول أشخاصا آخرين، كالسفراء (فصل 55)، ووالي بنك المغرب، والولاة والعمال، والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية (فصل 49) …

لكل ذلك نقول: إن البهرجة الانتخابية التي يُسَوق لها الحالمون بالسلطة إنما هي كذب حقيقي على الشعب، لاسيما أنهم في غالب الأحوال – إن رضيت عليهم السلطات المخزنية، وروجت نجاحهم الانتخابي زورا وبهتانا- لن يُكونوا سوى حكومة صورية مزينة للاستهواء الخارجي ومعروضة للتسويق الغربي، فهم بوضوح لن يحكموا ولن ينفذوا برنامجهم ولن ينزلوا تصورهم على أرضية الواقع، بل إنهم خادمون في غالب الأحوال لتعليمات القصر وتوجهاته التي لم تفض خلال عقود إلا لمزيد من الفشل الذريع في جل المجالات، سياسة واقتصادا وتعليما وتربية وتنمية وارتقاء حضاريا… تعليمات مخزنية غير معنية بمراقبة أو محاسبة، لاسيما أنها مقدسة لن تستطيع يد القضاء وكذا المحاسبة الاقتراب منها أبدا.

ثم إن تلك المجالس المفرخة (المجلس الأعلى للأمن، والمجلس الأعلى للقضاء، والمحكمة الدستورية، والمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ومجلس المنافسة، والهيئة المركزية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي…) مجالس مستقلة لا تصل إليها يد الحكومة أبدا، ولا علاقة لها بها وإن غرقت في لجة الفساد الآسنة، ليتضح بجلاء تقليص أي سلطة قد تنبع من الشعب، بمحاصرتها دستوريا وإهدار الإرادة التنفيذية لها، لتبقى الصلاحيات كلها دائرة في فلك السلطة المطلقة للملك ومستشاريه.

فإذا دخلنا إلى ديدن الثروة وتوزيعها فإن أي حكومة لن تكون لها السلطة أبدا في تقليص ميزانية القصر، أو القائمة المدنية للملك، لأن تحديد ميزانية الدولة لن يكون إلا بالانصياع التام لقانون تنظيمي مجهول يجعل المناقشة منصبة عليه فقط (فصل 75). بل إن أي حكومة لن تستطيع التحكم في الهولدينغ الملكي أو بسط سيطرتها على شركات القصر الكبرى التي تهيمن على النسيج الاقتصادي المغربي ككل، لأنها بعيدة عن استخلاص الضرائب الحقيقية من مثل هكذا شركات مقدسة، مما يجعل العمل الحكومي شاهد زور على هيمنة القصر على السلطة والثروة والتحكم في أرزاق المغاربة، أو متواطئا معه في غالب الأحيان، وهذا هو الراجح عند أرباب الأحزاب المخزنية، أو أصحاب المقاولات الحزبية بلفظ أدق.