لم يعد أحد من المغاربة صغيرا كان أو كبيرا، شابا أو شيخا، رجلا أو امرأة، يصدق العبارات التي يرددها السياسيون والإعلاميون والمثقفون عبر وسائل الإعلام الرسمية من قبيل: “ضرورة المشاركة” و”التصويت على المستقبل” و”تفعيل المواطنة” وغيرها من الأكاذيب وأساليب التمويه المكشوفة.

لم يعد التصديق ممكنا

لم يعد التصديق ممكنا خاصة في زمن الربيع العربي الذي أطاحت فيه الشعوب الحرة بأصنام الاستبداد المتهالكة.

لم يعد التصديق ممكنا في زمن الثورات العربية التي تمكنت من نسف أعتى الأنظمة القامعة القاهرة المستكبرة في منطقتنا العربية.

لم يعد التصديق ممكنا والمغاربة يشاركون شعوب تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن فرحتها بمقاومة آلات الاستبداد وتزوير الإرادة الشعبية على مدى عقود “الدولة الوطنية” التي أنشأتها إمبراطوريات الاستعمار التقليدي في القرن الماضي.

ذلك أن التوانسة والمصريين والليبيين لم ينتفضوا إلا لأنهم سئموا وجود نخب سياسية أدمنت الكذب والارتشاء والقمع والتزوير، وأصروا على تجديد حياة العزة والكرامة والحرية، وإعادة تأسيس الدولة المدنية التي تحتكم إلى الشعب بوصفه مصدر السلطات لا إلى الحاكم الذي يموت فيورث الشعب والوطن لأبنائه وأحفاده.

نعم إن المغاربة انتفضوا هم أيضا في هذا الربيع العربي منذ العشرين من شهر فبراير الماضي، فأكدوا على مطالب دستورية وسياسية ظلت لعقود من تاريخنا المعاصر طي النسيان، بل ظلت تحت أقدام المفسدين ووراء أظهرهم.

انتفاضة الشباب واستئساد المخزن

انتفض المغاربة طوال أشهر، وبوتيرة متصاعدة، للمطالبة بدستور ديمقراطي نابع من الإرادة الشعبية، وبإسقاط الفساد السياسي والاقتصادي، وبإطلاق سراح المعتقلين السياسيين… وكانت المؤسسات المخزنية مصرة طوال هذه الفترة على مواجهة هذه المطالب المشروعة بسياسة التجاهل والإنكار والقمع والقتل، فوقع على أرض الاحتجاج السلمي شهداء في مقدمتهم كمال العماري، واعتقل المئات من أنصار الحرية والكرامة، وتم تكريم المفسدين في مناسبات متتالية.

كان يوم 9 مارس منطلق الالتفاف على مطالب حركة 20 فبراير عبر الدخول في مسلسل إعداد دستور جديد لم يختلف عن سابقيه سوى من حيث الظروف والملابسات. أما من حيث الجوهر، من حيث الصلاحيات المخولة للمؤسسة الملكية، فلم يقع التعديل المطلوب شعبيا وسياسيا. إذ احتفظ الملك بمزية الجمع بين السلطات والمسؤوليات المدنية والقضائية والعسكرية والأمنية، واستمر الحضور الشكلي لكل من مؤسستي الحكومة والبرلمان. وبالفعل فقد كان الاستفتاء على الدستور الجديد امتحانا للنوايا “الإصلاحية” لدولة عاجزة فاشلة.

لم تبادر الدولة

لم تبادر الدولة إلى تنظيف نفسها من طحالب الفساد السياسي والإداري والتعفن الاقتصادي والأخلاقي، ولم تتقدم خطوة في مسار “الإصلاحات” و”الأوراش” الكبرى التي أطلقتها، بل إن تلك الإصلاحات والأوراش تمثلت في تزوير إرادة الناخبين في منعطف الاستفتاء، وتم التعجيل بانتخابات برلمانية على إثر قوانين مستعجلة للأحزاب والانتخابات والملاحظة الانتخابية واستعمال الإعلام السمعي البصري ومتابعة المقاطعين والداعين للمقاطعة.

لم تبادر الدولة بمؤسساتها المخزنية العتيقة إلى تخفيف العبء المعيشي الذي يثقل كاهل المواطن في الطبقات الاجتماعية السفلى، بل واصلت طحنه ضمن دوامة الفساد المستشري في أجهزة القضاء والإدارة والاقتصاد.

لم تبادر الدولة المخزنية إلى تمكين المعارضين من التعبير الحر والنزيه عن مواقفهم من قضايا البلاد ومشاكلها. فكيف لمن أفسد عقودا أن يقوم بعملية الإصلاح؟

احتيال عقيم واستبداد مقيم

لم يشعر المواطن المغربي بأن ثمة تحركا جديا نحو مرحلة جديدة، وبأن حياة سياسية بدأت في التشكل والبروز. لم يشعر الفلاح والتاجر والبناء والمعلم بأن رحى المخزن أقلعت عن الدوران، أو بأن المخزن التقليدي بدأ في التحول إلى دولة تحترم القانون في كل الشؤون والمجالات.

لم يشعر المحامي والقاضي والمتصرف والمهندس بأن معايير الشفافية والكفاية والخبرة باتت هي الحاكمة في تسيير المؤسسات وتدبير الملفات وحسم القضايا الخلافية.

لم تشعر المرأة المغربية بأن أجواء الاحترام والتقدير وصيانة الأعراض باتت تهيمن على صورة المغرب داخليا وخارجيا، بعد أن أصبح المغرب كلمة تعني بيع وشراء النساء والغلمان في سوق الدعارة والنخاسة خليجيا وأوروبيا، وتعني أيضا تصدير اللحم الأبيض عبر طائرات الخطوط الملكية الجوية إلى كل أنحاء العالم.

لم يشعر التلميذ والطالب والباحث بأن آفاق المعرفة والتحصيل العلمي باتت سهلة الولوج لكل راغب، وبأن آفاق الشغل والعيش الكريم باتت مشرعة أمام كل عامل مجد.

ومرة أخرى.. المغاربة مقاطعون

ليست هي المرة الأولى التي يقاطع فيها المغاربة مسلسل التزوير والإفساد والتبذير، بل إن الثابت لدى كثير من الشرائح الاجتماعية والنخب السياسية هو النظر إلى التصويت بوصفه عبثا محضا ما دام الانتقال إلى مؤسسات سياسية ذات مصداقية أصبح من باب المستحيلات في ظل دستور يرسخ الاستبداد والتحكم في جميع السلطات، وفي ظل عقلية مخزنية تتغذى بالتعليمات والأوامر الهاتفية المزاجية لا بالنصوص والإجراءات القانونية، وفي ظل بيئة حزبية تنخرها أوبئة الفساد والتزوير والدعاية.

لقد أصبح من الأكيد لدى عامة المغاربة أن المشاركة في انتخابات صورية هي شهادة زور على واقع رديء متعفن لا ترشح منه سوى روائح التلاعب بأصوات الناخبين لصالح مؤسسة تشريعية لا تملك من الصلاحيات الدستورية والسياسية شيئا يستحق الذكر والإشادة.

إنني مغربي عاش أربعة عقود تحت سماء “السمع والطاعة”، وعلى أرض “قل كلمتك وتبخر”. أما اليوم فأنا مغربي يدرك أن الحقيقة الجلية في زمن الثورات العربية هي: قل كلمتك واثبت، وكلمتي الصريحة الفصيحة هي: أنا مغربي، إذن أنا مقاطع.