الواقع لا يرتفع

رغم المناورات المكثفة التي تقوم بها أجهزة الدعاية الرسمية للانتخابات التشريعية، لا يستطيع أحد أن ينكر أن المخزن قد ازداد اختناقه وضرب أخماسه في أسداسه بفعل تنامي الوعي الشعبي بتفاهة الانتخابات التي تجري في بيئة متعفنة، يصنعها مفسدون محترفون، مما فرض ضرورة مقاطعتها على نطاق غير مسبوق، تعبيرا عن السخط الشعبي الكبير على الطريقة الاستخفافية التي تتعامل بها السلطة المخزنية مع مطالب الشعب الذي يريد تغييرا حقيقيا سلميا يقطع مع البهلوانية السياسية ويؤسس لمشهد جديد.

الشعب لا يصنع قرارا، إذن الشعب لا قيمة له

في بيئة الاستبداد السياسي لا ينظر الحاكم إلى لشعب إلا كقطيع من الجوعى والمغفلين والمرضى والقاصرين. لا رأي لهم إلا أن يركعوا لجثةٍ أو يمدحوا بنت الحاكم أو يصفقوا لخطبة الزعيم حتى ولو لم يقل شيئا. وفي واقعنا السياسي الموروث منذ قرون لا يختار الشعب مَن يحكمه! بل يولد الحاكم حاكما وفي يده السيف والمال والسلطة! وهي الصفة التي لا تكون حتى للأنبياء عليهم السلام.

السلطة في المغرب بيد هيئات غير منتخبة: الملك ومستشاروه ومخابراته وجنرالاته ولجانه ومجالسه وأعوانه وعيونه وعماله، وما لا نعلم… أما “المجالس المنتخبة” فهي مجرد ديكورات تنشغل بهوامش تلهيها عن جوهر السلطة: ممارسة القرار وتحمل مسؤوليته والمحاسبة على تنفيذه.

لا سلطة تحد سلطة الملك. إذن لا معنى للحديث عن الديمقراطية وفصل السلط وممارسة معقلنة للحكم، ولا طائل من الانتخابات والبرلمان والحكومة إذا كانت منزوعة الصلاحية بنص الدستور وبحجة الواقع طيلة الخمسين سنة الماضية.

الدولة المستبدة تجمع كل العيوب ولا توفر لشعبها عدلا ولا اقتصادا ولا تعليما ولا صحة ولا كرامة بين الأمم. بل هي مجمع الشرور جميعها. لا يهمها سوى شخص الحاكم وثروته. والحاكم لا يرضى أن يعترض عليه أحد!!! قوله حق مقدس لا يُناقش ولا يُرد!!! وفعله فتح مبين لا منتهى لبركته ولا حد!!!

الحاكم المستبد رمزٌ لاستمرار الفساد تحيط به طُغمة فاسدة مفسدة تُزين له سوء عمله وتعينه على التمادي في باطله حتى تورده المهالك. ولنا في حكام العرب أقرب مثال.

الدستور ممنوح إذن القرار ممنوح

تحت ضغط الربيع العربي ومظاهرات حركة 20 فبراير، وليس استجابة لمطلب حزب من الأحزاب أو ضغط مؤسسة من المؤسسات، جاء الدستور المخزني ل2011 ممنوحا كسابقيه!!! لا جديد يذكر فيه!!!… كلامٌ للملك يوم 9 مارس 2011!!! نعتته الحاشية كعادتها بالخطاب التاريخي!!! ولجنة عيَّنَها الملك!!! روجت لها الداخلية أيضا بأنها تاريخية!!! واستفتاء مطبوخ ومفضوح!!! قالت التلفزة الآثمة قبله وبعده: استفتاء تاريخي!!! والنتيجة: “دستور تاريخي”!!! أي إنه ينتمي إلى تاريخ الاستبداد. ويكرس الاستعباد والفساد 1 ، وقل لي أي شيء ليس تاريخيا في ممارسات المخزن؟ الظلم، التخلف، الأمية، الفقر، البطالة، المخدرات…؟

واقع سياسي غامض وجامد لا جدوى فيه من الانتخابات مادام الماسك بالسلطة هو هو 2 ، وفعل السلطة هو هو، ووضع البلاد هو هو، وطريقة تسيير الأمور هي هي…والأحزاب كالأحزان هي هي. وضامن النزاهة غير نزيه؟ إيه!!!

الداخلية تشرف على الانتخابات إذن هي مزورة

متمرسة في الفساد هي وزارة الداخلية بالمغرب. تتعاطى التزوير بكل أنواعه، والتهديد بجميع أشكاله، والتدخل في أبشع صوره. لا دين لها ولا قانون يحكمها ولا سلطة تحاسبها!!!

مَن يحاسب مَن؟ أليس “حامِيها حرامِيها”؟ أليس “المستأمن خائن”؟ كما كان يفعل وزير الداخلية المصري (الحبيب العادلي) الذي كان يقتل الأبرياء ويلفق التهم للخصوم السياسيين ويزج بهم في السجن ليفرض على الناس النسبة المحبوبة عند الحكام العرب 99 أو 98 بالمائة!!! قبل أن ينتقل إلى مكانه الطبيعي الذي هو السجن طبعا.

صنعت الداخلية القانون الانتخابي ومررته كما تريد في برلمان مشلول الإرادة فاقد الهيبة، وطبخت التقطيع الانتخابي الملغم وفرضته كما تريد! وتدخلت بكل سفالة في الضغط على فلان وفلان، بالمال وقضاء المآرب والتخويف والتهديد والوعيد. وستخرج علينا بنتيجة مزورة يلعنها من بقي له بصيص أمل، وتصل إلى الباب المسدود… ثم يحيق المكر السيئ بأهله… وتُفضح المؤامرة أكثر… ويسقط الاستبداد.

وأخيرا لا ثقة في لصوص المواسم

لا ثقة في لصوص المواسم وتجار الأوهام ومتسولي الأعتاب وسماسرة الأسواق… فهم يحترفون الديماغوجية ويستغفلون عقول الناس ويحرقون البخور للأصنام. ويدورون كالمرضى بالصرع حول ضريحٍ بالٍ فقد بريقه لما اكتشف الناس أنه مجرد جيفة حمار دُفن على حينِ غفلةٍ من سكان الوطن. وحان وقت هجره. لأن الانتخابات في ظل الاستبداد كأنها العدم. 3


[1] انظر مقال: دسترة الاستبداد. https://www.aljamaa.net/ar/document/45687.shtml\
[2] الفصل 41 والفصل 42 من دستور 2011.\
[3] الحركة الإسلامية في مصر (أكثر من سبعين سنة من المشاركة) وتونس لم تجن من المشاركة الانتخابية أية فائدة إلا بعد زوال الاستبداد. فافهم.\