يعرف العالم العربي اليوم مخاضا غير مسبوق. وبشائر التغيير تلوح في الأفق. لكن هناك تحديات وعقبات قد تجعل بعض البلدان العربية متخلفة عن ركوب قطار التغيير الحقيقي إلى حين. هناك مدخلان لهذا التغيير لا ثالث لهما، إما رحيل رأس النظام كما حدث في تونس ومصر وليبيا، وإما استجابة رأس النظام لمطلب التغيير بإرادة صادقة لا مواربة فيها ولا مراوغة. قلت مدخلان لأن التغيير، بما هو بناء يقوم على أساس متين، أكبر من أن يختزل في رحيل رأس النظام أو إذعانه لمطلب الإصلاح. لكن يبدو، وللأسف، أن بعض حكام العرب لا يعترفون إلا بالسيناريو الأول، بعد أن يصبح أمرا واقعا، وبعد أن يفوت الأوان لتسجيل أسمائهم بمداد من ذهب في صفحة من صفحات التاريخ المشرقة. وغالبا ما تكون للسيناريو الأول تكاليف مادية وبشرية ضخمة 1 ، وقد تكون له في بعض الأحيان تكاليف سياسية واقتصادية مستقبلية، في شكل التزامات إزاء القوات الغربية التي قدمت المساعدة ودعمت الحركة الثورية، أما السيناريو الثاني فقد يكون هو الأفضل من حيث قلة التكاليف، لكنه الأصعب من حيث إمكانية التحقق، والسبب سيكولوجية المستبد التي لا تسمح بشيء اسمه التنازل عن ملك السلطة والثروة والجاه والنفوذ، لذلك فإن هذا السيناريو هو الآخر لا يمكن تحقيقه إلا بفعل ضغط شعبي قوي تتحمل فيه القوى السياسية المنحازة للشعب مسؤوليتها. ومتى أذعن رأس النظام لمطالب الشعب، حقيقة لا وهما، وصدقا لا احتيالا، أمكن للحركة الإسلامية ولغيرها من القوى السياسية المشاركة في مؤسسات الدولة وتحمل مسؤوليتها في استكمال التغيير، بل قد يصبح ذلك واجبا لامناص عنه.

بعض الأنظمة العربية في أيامنا هذه ترفع شعار هذا السيناريو الثاني، لكن عند التدقيق وتتبع مجريات الأحداث يتبين أنها، وعلى حد تعبير ريمي لوفو، لا تريد إلا تغيير كل شيء من أجل أن لا يتغير شيء، وأخطر ما في محاولة التمويه هذه هي استقطاب فاعلين، من تيارات مختلفة، لهم شرعية مجتمعية ومصداقية مشهود بها، ليشكلوا قوة جذب لصالح هذا السيناريو بعد أن تم تهجينه. وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية قد فطنت لذلك، وانتهت بها قراءتها للمرحلة السياسية التي يمر منها الوطن العربي إلى تعليق مشاركتها في المؤسسات السياسية الرسمية للدولة، وما يؤدي إليها من انتخابات تشريعية أو محلية، إلى حين إحداث تغييرات حقيقة في بنية الدولة، بحيث يصبح للمشاركة في مؤسساتها جدوى وأثر ملموس، فإن حركات إسلامية أخرى، رغم شكواها المتكررة من عبثية المشهد السياسي ببلدها، تصر على المشاركة الرسمية، وتعتبر مقاطعتها للانتخابات وعدم وجودها في مؤسسات الدولة خطا أحمر. لذلك وجب التأكيد على أن الإسلاميين اليوم، كغيرهم من القوى السياسية، يتحملون المسؤولية كاملة في رفض محاولة التمويه والضغط لتحقيق تغيير حقيقي، وهذا لن يتأتى إلا بمراجعة بعض الحركات الإسلامية لسياساتها واستراتيجياتها، وفي مقدمة ذلك موقفها من المشاركة في مؤسسات الدولة في ظل الشروط السلطوية، خاصة وأن هناك تجربة حافلة بهذه المشاركة، التي سنخضعها خلال هذه الورقة للبحث والتقييم بعد وضعها في سياقها.من نافلة القول التأكيد على أن أغلب الحركات الإسلامية تنشط سياسيا، وتتبنى العمل السياسي تصورا وممارسة، وإن كانت تتفاوت كثيرا، ليس فقط على مستوى دينامية هذا النشاط، ولكن أيضا على مستوى التنظير له. ويرتكز هذا الموقف الإيجابي من العمل السياسي لدى الحركات الإسلامية إلى ثلاثة مرتكزات متداخلة:

– أولها: الانطلاق من شمولية الإسلام؛ بحيث أن العمل الإسلامي القويم- في نظر الإسلاميين- لابد وأن يشمل مختلف جوانب الحياة، بما فيها التربوي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي…

– ثانيها: سقوط” الخلافة العثمانية”؛ بحيث أن هذا الحدث يعتبر من أهم دواعي نشأة الحركة الإسلامية، بصفتها حركة ذات منطلق تصوري وشكل تنظيمي ورهان جماهيري، وهو حدث سياسي بامتياز، الأمر الذي نتج عنه منح العمل السياسي الأولوية لدى العديد من الحركات الإسلامية..

ثالثها: أثر وتأثير الخطاب الذي دشنه رواد النهضة من أمثال عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا والأفغاني.. فهؤلاء الرواد أكدوا على أهمية الفهم الحركي للإسلام. والعمل السياسي بما هو تدافع واقتحام من أول مقتضيات ذلك الفهم الحركي…

ومع ذلك يلاحظ أن أغلب الحركات الإسلامية اقتصر نشاطها في البداية على أعمال دعوية وخيرية، قبل أن يتوسع ليشمل العمل السياسي، وذلك نظرا لما يتطلبه النشاط السياسي من إعداد تنظيمي وجماهيري. هذه الملاحظة لا تنفي أن بعض الحركات الإسلامية عرفت أشكالا للنشاط السياسي منذ أربعينيات القرن الماضي، فالأستاذ حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين رشح نفسه لبرلمان 1942 ثم لبرلمان 1944، والإخوان المسلمون في سوريا شاركوا في انتخابات 1947 و1949 ، بل الأكثر من ذلك شارك أول مراقب للإخوان المسلمين بسوريا،الأستاذ مصطفى السباعي، في اللجنة التأسيسية لدستور 1950 2 .

تميز العقد الأخير من القرن الماضي بما يمكن أن نصطلح عليه تكثيف العمل السياسي من قبل الحركات الإسلامية، بحيث شاركت عدة حركات إسلامية في الانتخابات البرلمانية أو المحلية، وإن كان ذلك بعض الأحيان يتم باسم مستقلين 3 ، وعقد بعض الإسلاميين تحالفات سياسية مع قوى أخرى 4 ، ومنهم من حصل على تمثيلية لافتة للنظر في بعض مؤسسات المجتمع المدني والهيئات النقابية، وظهرت عشرات المنابر الإعلامية المعبرة عن الصوت الإسلامي، وكان للإسلاميين حضور قوي ببعض الجامعات 5 ، كما كان لهم نزول حاشد إلى الشوارع بمناسبات مختلفة أبرزها مناسبة حرب الخليج الأولى سنة 1991. وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التكثيف للعمل السياسي من قبل الإسلاميين نذكر منها:

– تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية والإسلامية؛

– انهيار المعسكر الشرقي وما نتج عن ذلك من تراجع للإيديولوجية الاشتراكية التي كانت تعد أو ل منافس للإيديولوجية الإسلامية؛

– ثورة الإمام الخميني في إيران التي ألهبت حماس الإسلاميين ومنحتهم الشعور بإمكانية الوصول إلى السلطة في أقرب وقت.

وإذا كان العنوان البارز لعقد التسعينات من القرن الماضي هو تكثيف العمل السياسي من قبل الإسلاميين، فإن العنوان الأبرز للعقد الأول من الألفية الثالثة هو ما يمكن أن نصطلح عليه محاولة ترشيد العمل السياسي، وقد تمثل ذلك في بعض المراجعات وصدور بعض الأوراق السياسية والبرامج الانتخابية عن مجموعة من الحركات الإسلامية. نذكر في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، البرنامج الانتخابي للإخوان المسلمين بمصر سنة 2005، وأيضا البرنامج الانتخابي لحركة حماس في انتخابات 2006، ووثيقة” النضال الديمقراطي مدخلنا إلى الإصلاح” التي صادق عليها حزب العدالة والتنمية المغربي في مؤتمره السادس، ووثيقة ” جميعا من أجل الخلاص” التي صادق عليها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الثانية عشرة سنة 2008… لاشك أن هذه الوثائق وغيرها لا تخلو من ملاحظات، لكن إصدارها في حد ذاته يشكل تطورا سياسيا، خاصة وقد تم التأكيد في جلها على بعض المبادئ الهامة من مثل احترام إرادة الشعوب، والدفاع عن المصلحة الوطنية، والتمييز بين العمل الدعوي والعمل السياسي، والحرص على مشاركة الجميع في التغيير..

وقد كانت محاولة الترشيد هذه إفرازا طبيعيا لمرحلة التكثيف. فتراكم تجارب العمل السياسي لدى الإسلاميين كشفت عن بعض الاختلالات، التي تطلبت اجتهادا لتجاوزها. يضاف إلى ذلك أن التحولات العالمية فرضت على الإسلاميين، كما على غيرهم، نوعا من التجديد، خاصة بعد أحدث 11 شتنبر 2001.. إلا أن عملية ترشيد العمل السياسي تمت في الغالب من داخل نفس الخيارات، بحيث لم تخضع هذه الخيارات نفسها للنقد والتمحيص.

يبرز في صفوف الإسلاميين خياران أساسيان للعمل السياسي هما:

– أولا: العمل السياسي من خلال تغليب المشاركة في المؤسسات الرسمية؛ كالبرلمان والحكومة والمجالس المحلية، وغير ذلك من مؤسسات الدولة 6 ؛

– ثانيا: الفعل السياسي من خارج المؤسسات الرسمية، وذلك من خلال المشاركة في بعض المنظمات والهيئات المستقلة عن الدولة، والتأطير الشعبي إما عن طريق بعض وسائل الإعلام المتاحة أو بشكل مباشر، وتبقى أهم الوسائل هي التظاهر في الساحات العامة من أجل التأثير في القرار السياسي والضغط في اتجاه معين 7 .

ومن الملاحظ أن الخيار الأول، أي خيار المشاركة في المؤسسات الرسمية، هو الأكثر بروزا، بحيث تتبناه الكثير من الحركات الإسلامية، نذكر من ذلك الإخوان المسلمين في مجموعة من البلدان (مصر، سوريا، الأردن، اليمن، السودان…)، الجماعة الإسلامية في باكستان، حزب السلامة في تركيا، جماعة السلفيين في الكويت، حزب العدالة والتنمية في المغرب…

وتعود غلبة هذا الخيار وسعة انتشاره مقارنة مع الخيار الثاني إلى التأثر بالفكر السياسي للإخوان المسلمين. فقد رأينا أن مؤسس الإخوان رشح نفسه مرتين للانتخابات في أربعينيات القرن الماضي، كما أن الأدبيات السياسية للإخوان لا تبدي أي اعتراض على المشاركة في المؤسسات الرسمية، بل على العكس من ذلك ترى فيها وسيلة لتحقيق الأهداف الإسلامية.هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن رجحان ذلك الخيار في الممارسة السياسية للإسلاميين يعود بصفة عامة إلى التأثر بفقه سياسي غالب في الوسط السني يجعل عصيان الحاكم والخروج عليه أمرا مرجوحا. كما أن شدة بطش الأنظمة السياسية بالإسلاميين ساهمت في تكريس هذا الاختيار.

وإذا كان يوجد من أصحاب خيار الفعل السياسي من خارج المؤسسات من يرفض المشاركة من حيث المبدأ، ومن يقبلها من حيث المبدأ ويرفضها من حيث شروط التنزيل، فإن أصحاب خيار الفعل السياسي من داخل المؤسسات يقبلون ذلك من حيث المبدأ ودون اعتبار في الغالب لشروط التنزيل وظروفه، في هذا الصدد، يقول الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية بالمغرب، الدكتور سعد الدين العثماني: إذا كان جلب المصالح ودفع المفاسد مقصودا شرعيا، فإن الوسائل الممكنة من ذلك وسائل مشروعة ، لأن وسائل المقاصد الحسنة حسنة. وهذا يدخل في مجال السياسة الشرعية أي مجال الترجيح بين المصالح والمفاسد، وهو ما يجعل المشاركة السياسية المؤسساتية تارة واجبا وتارة مندوبا وتارة مباحا على حسب ما يكتنفها من أمور وما تستجيب له من تحديات) 8 . فالذي يلاحظ من كلام الدكتور سعد الدين العثماني، أنه حصر الأحكام الشرعية التي تؤطر المشاركة المؤسساتية في ثلاثة فقط هي الواجب والمندوب والمباح، ولم يذكر الحكمين الآخرين أي المكروه والحرام 9 ، مما قد يفهم منه أن المشاركة المؤسساتية الرسمية لا يمكن أن تكون في ظروف ما مكروهة أو محرمة، وهي دائما في دائرة المباح وما فوق المباح، ولا يتصور حسب تعبير الدكتور العثماني أن تكون تحت المباح.

قد يعترض معترض ويقول إن الإسلاميين من داخل هذا الخيار يرفضون أحيانا المشاركة في المؤسسات، مما يعني أنهم يقبلونها أحيانا ويرفضونها أحيانا حسب الظروف، كما هو الحال بالنسبة للعدالة والتنمية في المغرب، الذي رفض المشاركة في الانتخابات الجماعية لسنة 1997، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن التي رفضت المشاركة في تشريعيات 2010، وكذا الإخوان المسلمون الذين رفضوا المشاركة في جولة الإعادة لانتخابات مجلس الشعب التي أجريت بتاريخ 5 دجنبر 2010، بسبب ما ساد في الجولة الأولى من تزوير وفساد. وهذا صحيح إلى حد ما، إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه هو أننا نكون دائما، بالنسبة لهذه الحالات، في إطار رفض من داخل خيار المشاركة، فغالبا ما ترتبط أسباب الرفض بشروط ذاتية، أو ببعض الملاحظات المرتبطة بالإطار القانوني والتنظيمي، أو بصيرورة العملية الانتخابية، ولا ترتبط الأسباب أبدا بدراسة تمحيصية للشروط العامة، السياسية والدستورية، لخيار المشاركة المؤسساتية. غالبا ما يرتبط سبب عدم المشاركة بغياب بعض شروط النزاهة والشفافية في العملية الانتخابية ولا يرتبط بمدى توفر المصداقية والفاعلية فيما تفرزه تلك العملية من مؤسسات، وبالتالي فإن عدم المشاركة في جولة من الجولات الانتخابية لا يكون نتيجة لإعادة النظر في خيار المشاركة بالنظر إلى الظروف العامة والقواعد الدستورية والسياسية المؤسسة لها، وإنما هو شكل من أشكال الضغط من داخل ذلك الخيار نفسه، أي خيار المشاركة في المؤسسات السياسية الرسمية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، وباستحضار الخطاب الشرعي الذي تنطلق منه الحركات الإسلامية، فإن رفض المشاركة في تلك الحالات هو رفض في إطار ما هو مباح وليس رفضا لما هو مكروه أو حرام.

بعد هذا التوضيح نتساءل على أي أساس ينبغي أن يكون تقييم خيار المشاركة المؤسساتية للإسلاميين؟

غالبا ما يتم تقييم المشاركة المؤسساتية على أساس معيارين اثنين؛ المعيار الأول: النتائج المحصل عليها في صناديق الاقتراع، والمعيار الثاني: تحقيق الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة.

إلا أنه ومن وجهة نظر خاصة نقترح في هذه الدراسة استبعاد المعيارين معا، لماذا؟

فبكل تأكيد أن المتتبع لمسار نتائج الانتخابات بالنسبة للإسلاميين، يلاحظ في السنوات الأخيرة التراجع على مستوى عدد المقاعد أو عدد الأصوات، فقد كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الكويت بتاريخ 16 ماي 2009 عن تراجع الإسلاميين – خاصة من وسط السنة- بحوالي نصف عدد المقاعد التي كانت بحوزتهم سابقا، وأسفرت نتائج الانتخابات التشريعية في البحرين عن تراجع النواب الإسلاميين من السنة، سواء من الإخوان المسلمين (جمعية المنبر الإسلامي) أو من السلفيين (جمعية أصالة)، فبعد أن كانوا يشغلون 15 مقعدا من مقاعد المجلس النيابي اكتفيا ب 7 مقاعد فقط في انتخابات أكتوبر 2010 ، ورغم أن حزب «العدالة والتنمية» في المغرب رفع عدد مرشحيه في الانتخابات البرلمانية لعام 2007، وقدم مرشحين في 94 دائرة انتخابية من أصل 95، فإنه لم يحصل سوى على 46 مقعدا أي بزيادة 4 مقاعد فقط عن انتخابات 2002 التي اقتصر ترشيحه فيها على 52 دائرة. هذا على مستوى المقاعد أما على مستوى عدد الأصوات فقد تراجع حزب العدالة والتنمية بما يفوق 100 ألف صوت..

رغم تأكيد هذه الملاحظة نستبعد تقييم المشاركة المؤسساتية الرسمية للإسلاميين من خلال معيار تتبع نتائج الانتخابات، الذي غالبا ما يتبناه خصومهم العلمانيين، للاعتبارات التالية:

– أولا: التقييم من خلال تتبع مسار نتائج الانتخابات هو تقييم من داخل منطق المشاركة المؤسساتية، وليس تقييما لخيار المشاركة في حد ذاته. وهذا المنطق يقتضي القبول بالنتائج سواء تزايدت أو تراجعت. وتراجع النتائج لا يعني بحال من الأحوال الفشل في الاختيار السياسي أو عدم أهلية الإسلاميين ممارسة العمل السياسي من خلال ذلك الاختيار، كما أن التراجع على مستوى نتائج الانتخابات في صفوف بعض الإسلاميين ليس عاما، فإذا كانت حركة مجتمع السلم في الجزائر، على سبيل المثال، تراجعت من71 مقعدا في البرلمان سنة 1997 إلى 38 في 2003 فإنها عادت إلى التزايد لتحرز 52 مقعدا سنة 2007..؛

– ثانيا: الضبط المسبق للنسق السياسي والدستوري وحالات التضييق والتزوير، كل ذلك يجعل من الصعب تقييم العمل السياسي للإسلاميين من خلال نتائج الانتخابات، وإن كان الإسلاميون الذين اختاروا المشاركة المؤسساتية الرسمية غير معذورين لأنهم يعلمون ذلك سلفا.

أما المعيار الثاني، الذي هو تحقيق الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، والذي غالبا ما يتبناه بعض السلفيين، الذين يؤاخذون على الإسلاميين تماديهم في اختيار المشاركة المؤسساتية الرسمية رغم أنها لم تحقق الدولة الإسلامية ولم تحقق تطبيق الشريعة، فإننا نستبعده هو الآخر لأن أغلب الحركات الإسلامية لا تتحدث عن تحقيق الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة كهدفين آنيين يرجى تحقيقهما من خلال المشاركة المؤسساتية الرسمية.

على أي أساس يكون تقييم خيار المشاركة المؤسساتية الرسمية للإسلاميين إذن؟

أقترح أن يكون ذلك على أساس الأهداف التي أعلنها الإسلاميون أنفسهم للتأسيس لاختيار المشاركة في المؤسسات الرسمية.

ويمكن تحديدها في أربعة أهداف كبرى هي:

أولا: امتصاص عنف الأنظمة وبطشها بالإسلاميين. يلاحظ أن هذا الهدف كان ولا يزال عصيا عن التحقيق، فالإخوان المسلمون في مصر، رغم تبنيهم لخيار المشاركة المؤسساتية الرسمية، تعرضوا باستمرار لحملات الاعتقال، خاصة في الفترات الانتخابية، ونفس الأمر يقال عن حزب البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة في المغرب، اللذان تم حلهما وصدر في حق بعض قيادييهما أحكاما قاسية ، رغم دفاعهما المستميت عن التغيير من داخل المؤسسات الرسمية ، بل إن عضوا من حزب العدالة والتنمية بالمغرب هو الآخر قضى ردحا من الزمن في السجن في إطار ما أصبح يعرف بقضية المعتقلين السياسيين الستة.

ثانيا: مواجهة تيارات الفساد، والدفاع عن الهوية الإسلامية، وتخليق الحياة العامة. مما لاشك فيه أن الإسلاميين من خلال وجودهم في بعض مؤسسات الدولة قد استطاعوا إثارة بعض القضايا الأخلاقية، كما استطاعوا إحراج بعض الحكومات بمطالبتهم احترام القوانين للإسلام في بعض المجالات الحساسة، لكن الحقيقة البادية للعيان أن الوجود في المؤسسات الرسمية لم يكن له دور كبير في مواجهة تيارات الفساد والدفاع عن الهوية الإسلامية وتخليق الحياة العامة. لا نقر ذلك فقط انطلاقا من ملاحظة الأوضاع العامة في العالم العربي والإسلامي، ولكن أيضا مما يشهد به بعض الإسلاميين أنفسهم.

ثالثا: توسيع فرص الحضور الدعوي وإمكانات التواصل مع الشعب. هذا الهدف تحقق بنسبة عالية، وإن كان من حين لآخر يتعرض بعض الإسلاميين المشاركين في المؤسسات، هم الآخرين، لبعض التضييقات. لكن إذا كان الإسلاميون المشاركون في المؤسسات حققوا تقدما على مستوى تحقيق التواصل فإنهم أخفقوا بالمقابل في تحقيق تأثير من خلال ذلك التواصل، بحيث منهم من فقد تدريجيا خطابه المتميز، وأصبح يظهر في أحسن الأحوال من طلاب الدنيا، أما في أسوأ الأحوال فإنه أصبح يظهر بمظهر الانتهازي والوصولي، خاصة حينما تجبر الأنظمة المستبدة بعض الإسلاميين على عدم الوفاء بوعودهم.

رابعا: الدفاع عن حقوق الناس، خاصة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. ظلت نتائج الإسلاميين على هذا المستوى، من خلال مشاركتهم في المؤسسات السياسية الرسمية، دون المطلوب، ليس فقط بسبب مشاركتهم المضبوطة في مؤسسات الدولة، والحد المنهجي من قدراتهم داخل تلك المؤسسات، ولكن أيضا لأن الأنظمة الاستبدادية أفرغت تلك المؤسسات من محتواها، وجعلتها عبارة عن أعجاز نخل خاوية، لا يمكن المراهنة عليها كثيرا في الدفاع عن حقوق الناس الاجتماعية والاقتصادية، ولعل هذا مما يفسر تنامي الاحتجاجات بعيدا عن تلك المؤسسات.

بكل تأكيد مستوى تحقيق تلك الأهداف يختلف من تجربة إلى أخرى، ليس فقط بالنظر إلى الفاعل الإسلامي الذي يوجد وراء التجربة، ولكن أيضا بالنظر إلى نوع مؤسسات المشاركة، هل هي وطنية أم محلية؟ هل هي صورية بالكامل؟ أم لها هامش من المصداقية؟ لكن الصورة العامة، التي تتأكد يوما بعد آخر، هي الإخفاق في تحقيق تلك الأهداف بالشكل الذي كان منتظرا. التأكيد على هذه الحقيقة لا ينفي بعض النتائج الإيجابية للعمل السياسي الإسلامي من داخل المؤسسات الرسمية، والتي غالبا ما يشهرها أصحاب هذا الخيار في وجه خصومهم، وهي بشكل أو آخر تتحدد في الآتي:

– الإسهام في إكساب الإسلاميين تكوينا ميدانيا وخبرة عملية؛

– الإسهام في إبراز واقعية المشروع الإسلامي، والانتقال به من التصور المجرد إلى التمحيص العملي؛

– الإسهام في دفع أوصاف الإرهاب والانعزال والانتظار والرفض عن المشروع الإسلامي؛

– الإسهام في إبراز تميز أبناء المشروع الإسلامي من خلال حضورهم وجديتهم وانضباطهم، فالكثير من الباحثين يشيدون، على سبيل المثال لا الحصر، بالديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية بالمغرب وبحسن تدبيره للحملات الانتخابية.

لكن، وكما يقال ليس كل ما يلمع ذهبا، فإن تلك النتائج الإيجابية سرعان ما يخف بريقها إذا استحضرنا ما يقابلها من نتائج سلبية لمشاركة الإسلاميين في المؤسسات الرسمية. ويمكن حصر تلك النتائج السلبية حسب ما يعلنه الرافضون لذلك الخيار في الآتي:

– الإسهام في “شرعنة” الأنظمة السياسية المستبدة وإضفاء الطابع الديمقراطي عليها؛

– الإسهام في تحريف ما يدعو إليه الإسلام من مبادئ سامية وقيم جليلة في الحكم، بحيث يتم إسقاط تلك القيم والمبادئ على واقع الاستبداد والمستبدين، فيوصف العض على الحكم بالوراثة بأنه بيعة شرعية، ويوصف الاستبداد بالرأي بأنه عزم الإمام. وهكذا؛

– الإسهام في فرض نوع من الحصار الذاتي على الحركة الإسلامية تحت شعارات مختلفة “مشاركة لا مغالبة” “قوة مؤثرة لا مسيطرة”؛

– الإسهام في إحداث نوع من التوازن الذي ترغب فيه الأنظمة السياسية، ليس فقط بين الإسلاميين وغيرهم من القوى السياسية، ولكن أيضا بين بعض التنظيمات الإسلامية نفسها، فحزب العدالة والتنمية بالمغرب يقدم وظيفة جيدة للملكية تتجلى في خلق نوع من التوازن الذي يخدم استراتيجية الدولة في تعاملها مع أكبر حركة إسلامية؛ أي العدل ولإحسان التي لا تزال تشتغل خارج قواعد اللعبة السياسية 10 ؛

– الإسهام في إحداث نوع من الاختلاف والإرباك الداخلي في صفوف الإسلاميين، ليس فقط بين المشاركين في المؤسسات الرسمية وغير المشاركين، ولكن أيضا داخل صف المشاركين أنفسهم، بل والأكثر من ذلك داخل نفس التنظيم، بحيث أصبح الحديث عن تيارات للمتشددين وأخرى للمعتدلين، وأحيانا تحدث انسحابات من الصف، كما حدث في الأردن سنة 1991 عندما انسحب الإخوان المشاركون في الحكومة من جبهة العمل الإسلامي، هذا بالإضافة إلى بعض السلوكات المنحرفة الناتجة عن فتنة السلطة لبعض أبناء الصف الإسلامي؛

– الإسهام في زعزعة الثقة في المشروع الإسلامي، وذلك نتيجة لعدم تحقيق الإسلاميين لأهدافهم المعلنة من جهة أولى، ولما حدث من اختلاف وإرباك في صفوف الإسلاميين من جهة ثانية، وبسبب ما ظهر من سلوكات منحرفة عند بعض الإسلاميين بعد مشاركتهم في مؤسسات الدولة من جهة ثالثة.

إن الكثير من هذه السلبيات لا ترتبط بالمشاركة في مؤسسات الدولة من حيث المبدأ، ولكنها ترتبط بالمشاركة المؤسساتية الرسمية المشروطة في عمقها بشروط الاستبداد والسلطوية، وإن كان ظاهرها يبدي غير ذلك.

كثيرا ما يقال أن الابتعاد عن خيار المشاركة في المؤسسات الرسمية قد ينتج عنه أمران أحلاهما مر؛ إما الانزلاق نحو تبني العنف في التغيير السياسي، وإما الركون إلى زاوية الانعزال والانتظار بعيدا عن أي فعل أو تأثير وترك المجال للمفسدين ليعيثوا في الأرض فسادا. احتمالان واردان لا يمكن أن يستهين بهما كل من اطلع على تجارب المدارس والحركات الإسلامية في الماضي والحاضر، لكن دونهما، كما يذهب إلى ذلك أنصار الفعل السياسي من خارج المؤسسات الرسمية، الحضور المؤثر في المنظمات الأهلية والهيئات المجتمعية، والاقتراب من الشعب بمختلف الوسائل المتاحة، والاستماع إلى نبضه، والتفاعل مع قضاياه، والاصطفاف إلى جانبه في التدافع من أجل حياة كريمة وحرة، ولعل ما عرفه العالم العربي في نهاية سنة 2010 وبداية سنة 2011 من انتفاضات قادها الشباب من خارج المؤسسات الرسمية بأسلوب سلمي وحضاري، وكان من نتائجها إلى حدود الآن عزل مستبدين في مصر وتونس وقتل مستبد ثالث في ليبيا 11 ، لدليل ساطع على أن إمكانات التغيير عن طريق الضغط الشعبي تبقى أهم بكثير من إمكانات التغيير التي تتيحها مؤسسات رسمية تظهر الديمقراطية وتطمر الاستبداد.

—————————–

كنت كتبت الأفكار الأساسية والخطوط العامة لهذه الورقة في إطار دراسة مستفيضة عن الإسلاميين والعمل السياسي -غير منشورة- قبل انطلاق الربيع العربي، لذلك فإن استنتاجاتها لاتهم، الآن، بلدانا عربية أقدمت على تغييرات جوهرية في بنياتها السياسية والدستورية، أوهي على طور القيام بذلك، الأمر الذي جعل، وسيجعل، للمشاركة في مؤسسات الدولة معنى، ولكنها تعني إلى حد بعيد بلدانا أخرى يتم فيها الالتفاف على نسائم الربيع العربي من خلال تغييرات شكلية، قد تكون مشاركة الإسلاميين في المؤسسات الرسمية إحدى عناوينها البارزة.


[1] في الحالة الليبية تتحدث الأرقام عن 50 ألف قتيل وجريح، بالإضافة إلى الخسائر المالية والاقتصادية التي تقدر بملايير الدولارات.\
[2] يقول المستشار عبد الله عقيل في كتابه”من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة”: “اختارت دمشق الدكتور مصطفى السباعي نائبا في الجمعية التأسيسية عام 1949 ولم يمض على إقامته في دمشق سوى بضع سنين…..ولقد قاد معركة القرآن تحت قبة البرلمان، كما قاد المظاهرات في دمشق من أجل الدستور، وتمكن السباعي وإخوانه من استبعاد الطابع العلماني عن الدستور وفرض الطابع الإسلامي على معظم أحكامه سنة 1950”. انظر الصفحة544 و545 من الطبعة الرابعة للكتاب، التي كانت سنة 2006.\
[3] على سبيل المثال لا الحصر شارك في المغرب أعضاء من حركة التوحيد والإصلاح بصفة مستقلين في الانتخابات الجماعية التي نظمت يوم 13 يونيو 1997 وشاركوا في الانتخابات التشريعية التي نظمت بتاريخ14 نونبر 1997 تحت يافطة حزب” الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية”. وفي اليمن شارك مجموعة من السلفيين المنتمين لجمعية الحكمة اليمانية بصفة مستقلين في انتخابات 1997، ولم يقدموا صورهم أثناء الترشيح لأن ذلك حرام في اعتقادهم.\
[4] بعد تجربة ميثاق التحالف الوطني لتحرير سوريا والذي وقع في مارس 1982 وشارك فيه إلى جانب الإخوان المسلمين كل من حزب البعث العربي الاشتراكي والاشتراكيون العرب والناصريون وعدد من الشخصيات المستقلة، كانت في سنة 1994 تجربة تحالف ثنائي بين التجمع اليمني للإصلاح الذي يضم الإخوان المسلمين وحزب المؤتمر الشعبي، قبل أن يتحول التجمع اليمني للإصلاح إلى التحالف مع قوى المعارضة سنة 2005 في إطار ما سمي باللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني. هذا بالإضافة إلى بعض التنسيقات ذات الأثر المحدود للإسلاميين مع بعض القوى السياسية الأخرى في كل من مصر والسودان والأردن والمغرب وموريتانيا والجزائر..\
[5] عرفت أغلب الجامعات العربية خلال عقد التسعينات حضورا قويا للتيارات الإسلامية. ولعل التجربة المغربية غنية في هذا المجال.\
[6] نتحدث هنا عن تغليب لأن أصحاب خيار المشاركة في المؤسسات الرسمية قد بلجؤون من حين لآخر لأشكال الفعل السياسي من خارج تلك المؤسسات.\
[7] لا يعني هذا أن أصحاب هذا الخيار يرفضون مبدئيا المشاركة في مؤسسات الدولة، فالكثير منهم لا مانع عندهم من المشاركة متى كان هناك تأسيس دستوري وسياسي يزيل عن تلك المؤسسات جوهرها السلطوي.\
[8] سعد الدين العثماني، تحديات المشاركة السياسية للحركة الإسلامية، مجلة الفرقان العدد: 54 السنة: 2006 الصفحة: 11.\
[9] من المعلوم أن علماء أصول الفقه يقسمون الحكم الشرعي التكليفي إلى خمسة أقسام هي:

— الواجب وهو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا حتما، بحيث يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والحرام وهو ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام، والمندوب وهو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلبا غير حتم، والمكروه هو ما طلب الشارع تركه، لا على وجه الحتم والإلزام، وأخيرا المباح وهو ما خير الشارع المكلف فيه بين فعله وتركه.\

[10] انظر مداخلة عبد السلام الطويل في الندوة الدولية في موضوع: الحركات الإسلامية المشاركة في المؤسسات السياسية في البلاد العربية وتركيا، التي نظمها مركز الدراسات الدستورية والسياسية بمراكش، وذلك يومي 16 و17 يونيو/ حزيران 2006.\
[11] طبعا الحالة الليبية تختلف عن حالة تونس ومصر لأن الليبيين اضطروا لتسليح قوة شعبية ثورية لمواجهة كتائب القدافي، وقد تحقق الانتصار وتم قتل الديكتاتور معمر القدافي من قبل الثوار يوم 20 أكتوبر 2011.\