أشفق كثيرا على بعض الكتاب والصحفيين والسياسيين ممن يصنف نفسه في دائرة الغيورين على المغرب وشعبه، ولازال يكتب بحسرة وأسىً محاولا تنبيه المخزن إلى مخاطر ما ينتظره إذا لم يتحرك بسرعة ويتدارك الزمن الضائع ويبادر إلى إصلاح نفسه بشكل يستجيب على الأقل للحد الأدنى من تطلعات المغاربة. لقد فاض هؤلاء السادة حماسة بعد خطاب الملك يوم تاسع مارس الأخير، بل منهم من دبج في مدحه وذم معارضيه ما لم يقله مالك في الخمر. بعضهم تحدث عن ثورة النظام على نفسه وزغرد للمبادرات والإشارات وطالب الشعب بالكف عن تحركاته وإيقاف احتجاجاته وإعطاء فرصة للمخزن والرضا بالتدرج البطيئ في تحويل الإشارات إلى وقائع على الأرض. بل إن آخرين أخذتهم الحمية بالباطل حد التنديد بعدم انخراط المعارضة الحقيقية في مسار الأوهام المخزنية وتصديقها وتصنيفهم في دائرة العدميين والعابثين بمصير البلد. إلخ…

إلا أن يأس هؤلاء يتجذر وحرجهم يزداد أمام إصرار أركان المخزن على بقاء دار لقمان على حالها بل القيام بكثير من التصرفات التي تعادي طموحات المغاربة وتواجه مطالبهم وصرخاتهم بصلف وعجرفة تكرسها الأيام. وما تزوير الاستفتاء على الدستور وتكريم مدير “DST”، وهو أخطر جهاز مسئول عن كثير من مآسي المغاربة ومعروف بجرائمه في تاريخ وحاضر المغرب، إضافة إلى التمادي في طقوس العبودية المذلة للمغاربة والإصرار على سياسات العبث واللهو ومحاولات صرف الشعب عن حقيقة معاناته بمهرجانات الفسق والفجور، وتبديد الثروات الوطنية، والإبقاء على رموز الفساد والقهر في مناصبهم، بل إظهار احتضانهم من قبل أعلى سلطة في البلد وتوشيحهم بأفخم النياشين المخزنية، فضلا عن تكريس احتقار المواطن وإهانته أيا كانت حيثيته الاجتماعية (أئمة المساجد والأطباء والأساتذة الدكاترة والدكاترة المعطلون وعموم أطر التعليم وغيرهم كثير ممن تعرض لبطش المخزن)، ما كل هذا، وهو غيض من فيض، إلا جواب للمخزن على توسلات هؤلاء الذين لا يزالون طامعين في استجابته لتوسلاتهم ولو عرضا. بل إن منهم من نالت منه هو نفسه يد البطش المخزنية، ومنهم من وصل به اليأس حد مطالبة المغاربة بالقناعة بما سماه ب”السميغ” السياسي أي الحد الأدنى من الإصلاح.

أما آن الأوان لهؤلاء السادة الأفاضل أن يعترفوا بخطإ تقديرهم، والاعتراف فضيلة، ويعلنوا للناس أن إصلاح المخزن وهم كبير يضلل كل من يصدقه ويبتلع جميع من ينخرط فيه ليلفظه بعد أن يشوهه ويقضي على ما تبقى من مروءته ووطنيته. والأمثلة أكثر من أن تحصى. فكم حاول كثيرون تجربة مقولة إصلاح المخزن من الداخل فماذا كان مصيرهم؟ لا أجد أبلغ في وصف حالهم من تعبير الدكتور محمد الجابري، رحمه الله، حين سأله أحد الصحفيين في برنامج تلفزي سنة 2004 ماذا حدث لليوسفي؟ فأجاب الدكتور الجابري، وهو الخبير بالدار: إن اليوسفي دخل إلى دهليز كبير كان يحسبه ممرا صغيرا فإذا به يتيه داخله. وقد تابع العالم كيف كافأ المخزن السيد اليوسفي على إنجاحه لمرحلة انتقال الملك إلى محمد السادس.

أيها السادة، لقد حسم المخزن موقفه مبكرا من مطالب الشعب المغربي، واختار المناورة واللعب على الوقت والالتفاف على طموحات الشرفاء بتسويق الأوهام وتركيز الاستبداد وإعادة إنتاجه بشكل أقوى في الدستور الممنوح،ثم بقي وفيا لنهجه الدموي من خلال توزيع وجبات القمع الشرس التي استفاد من بركاتها كل من تجرأ واحتج مطالبا بحق من حقوقه وأدى إلى استشهاد العديد من المناضلين. فليس في نية المخزن ولا قدرة له على القيام بأي إصلاح حقيقي في بنيته أو آليات عمله لأن الاستبداد جوهر حقيقته، وهو لم يكن خجولا في الإفصاح عنه بل عبر عن نيته بكل جرأة وصلف أمام الملإ. فلماذا يصر بعض المثقفين والكتاب الوطنيين على ترويج الأوهام والدعاية، بوعي أو بغيره، لأباطيل المخزن والتسبب في إطالة استبداده وتمديد فساده والتفرج على معاناة ملايين المغاربة كل يوم؟ إنها مسؤولية عظمى أمام الله عز وجل ثم أمام التاريخ. فهل منكم رجل رشيد؟

لقد فات الأوان منذ مدة طويلة على إصلاح المخزن الذي أهدر، بإصراره على الاستبداد وإغراقه في الفساد، العديد من الفرص. وكل يوم يطلع على المغاربة وهم في قيود المخزن يزداد التهديد على استقرار بلدهم وتتكرس الإهانة لكرامتهم والتضييق على حرياتهم. فهاهي ذي أجهزة القمع تتهيأ لإدخال النظام الحاكم إلى نفق المواجهة العنيفة مع الحراك الشعبي والقوى الداعمة له، خاصة “جماعة العدل والإحسان”. فبعد الفشل الذريع الذي واجه كل التدابير السياسية والاقتصادية والقمعية، التي حاول بواسطتها المخزن احتواء الوعي الشعبي والالتفاف على مطالبه الشرعية، هاهو ذا المخزن يطلق الإشارات بقرب وضع خطته الثانية قيد التصريف. فإخفاقه في تمرير الدستور الممنوح بدون فضائح أو تزوير، ثم الهلع الذي يعيشه هذه الأيام بسبب إدراكه لفشل طبخة الانتخابات في جر المواطن إلى فخ المشاركة في لعبته الممجوجة، فضلا عن رعبه من تنامي مد الاحتجاج الشعبي والتحاق فئات اجتماعية جديدة بزخمه، كل هذا يجعل العاملين في مطبخ القرار المخزني يدركون بأن هامش المناورة لديهم تقلص بشكل فظيع وهذا ما يدفعهم لإعادة تجريب الحل المفضل لديهم: القمع الدموي. ورغم فشل هذه المقاربة في السابق القريب وانقلابها على المخزن وخطورة توابعها عليه إلا أنه يبدو أن الأجهزة المحترفة لهذه الممارسة تحاول أن تقنع نفسها ودوائر القرار بإمكانية تحقق الغرض من القمع هذه المرة بإيقاف الاحتجاجات أو الحد من زخمها على الأقل في أفق القضاء المبرم عليها. ولعلهم يعولون على خطة جديدة وضوء أخضر وتغطية من دوائر أجنبية.

إن الدرس الصارخ الذي تقدمه تجارب إسقاط الحكام في تونس ومصر وليبيا ثم سوريا واليمن، أن المستبدين هم من سرّعوا من وتيرة الإطاحة بهم ووفروا غطاء شرعيا، محليا ودوليا، لفعل ذلك بهمجيتهم وإغراقهم في قمع المحتجين والمتظاهرين اغترارا منهم بقوتهم وتعويلا على الدعم السري والعلني لحلفائهم. دخل أولئك الطغاة جميعا إلى نفق التصعيد العنيف ضد الشعب وقواه الحية فما خرجوا منه إلاّ إلى المنفى أو السجن أو الموت أو هم في خضمه يتجرعون مرارة العزلة وينتظرون بيقين حتفهم. ولقد التحق المخزن مبكرا بركب الداخلين إلى النفق إلا أنه مازال يحتاط من التورط داخله، ربما بسبب نصائح الأصدقاء الأجانب التي نبهته للمخاطر من وراء ذلك. لكن هل يصمد يا ترى أمام إغراءات التصعيد العنيف وبالتالي التوغل في النفق وهو المفضِّل للقمع على كل شيء والمتمرس فيه لسنوات؟ هل يكون المخزن بتجبره ورعوناته هو السادس على لائحة الأنظمة الساقطة في هذا الحراك الشعبي المبارك؟ نترك الجواب للأيام القادمة فهي على ما يبدو ستكون، إن شاء الله، حبلى بالمفاجآت والأحداث التي ستقلب الموازين وتغير كثيرا من الحقائق على الأرض وفي عقول كثير من الناس.

والله غالب على أمره ولكن كثيرا من الناس لا يعلمون صدق الله العظيم.