بعد إعلان التحرير الكامل للأراضي الليبية من قبضة الزعيم الذاهبة ريحه وأبهته. بدأت الأنظار تتجه نحو النظام اليمني ورئيسه العبد الطالح الذي يمشي على هدى القذافي رغم النهاية المخزية والمذلة للرجل، فهو يراهن على التركيبة القبلية المعقدة والسلاح المنتشر في كل مكان والبنية السياسية الهشة، ناهيك عن الحضور النشيط لتنظيم القاعدة التي يستعملها كفزاعة لإخافة القوى الغربية خاصة، لكن حتى الآن ما تزال الثورة سلمية متمسكة بخطها ومنهجها الحضاري رغم ما تتعرض له من قمع واضطهاد من طرف ميليشيات صالح وجنوده من جهة، وتجاهل القريب والبعيد لها بل وتآمره عليها من جهة أخرى.

من الواضح أن القبلية متجذرة في اليمن بشكل كبير بخلاف الدول العربية الأخرى التي تعرضت بنيتها القبلية لهزات ورجات بفعل التدخل الاستعماري، في حين بقيت في اليمن متماسكة وقوية، لذلك نرى صالح في كل جمعة يخطب أمام حشود من قبيلته وأنصاره، وهو بذلك يريد أن يقول للعالم أن له أنصار وحواريين بخلاف الزعماء الذاهبين، وحتى انشقاق الجيش عنه بزعامة محسن الأحمر -رغم انتمائهما إلى نفس العائلة- صور وكأنه جاء في سياق صراع قبلي، وذلك حين استهدف معسكر صالح عائلة الرجل المنشق والمقربين منه…

لكن في الحقيقة كل ذلك ما كان ليبقي صالحا رئيسا إلى اليوم، لولا الدعم الخارجي غير المحدود المقدم له، سواء من طرف الجيران الذين ينظرون شزرا إلى الثورات العربية بصفة عامة والثورة اليمنية بصفة خاصة نظرا لقربها الجغرافي، ولذلك فهم يسعون بكل الوسائل لإجهاضها في مهدها اتقاء لشرها وشرارتها التي قد تمتد إلى أسمال أنظمتهم البالية فتحرقها حرقا… أو من طرف القوى الغربية التي تداعت على نظام القدافي وزمرته الفاسدة ونفذت مطالب الثوار بلا تردد لما وافقت تلك المطالب حاجة في نفسها طبعا. أما اليمن فلا نفط فيها ولا غاز ولا حياة…. عدا دورها الحيوي في محاربة تنظيم القاعدة في المنطقة بالوكالة. ولن يجد الغرب أفضل من نظام صالح لأداء هذه المهمة بإخلاص وإتقان، وهذا ما يفسر سر تردده وتلكئه في أمر صالح، في الوقت الذي كان من المفروض أ ن يقاطعه بعد ما سالت دماء كثيرة وزهقت أرواح بريئة، انسجاما مع مبادئه المرفوعة المزعومة. طبعا لا أحد يطالب بالتدخل العسكري لكن القطيعة والضغط السياسي ومطالبة الرئيس بالتنحي صراحة، من الأمور التي ستعزز موقف الثوار وتشد من عضدهم.

لكن الثروة الحقيقية لتي تم اكتشافها هذه الأيام في اليمن هي أبناءها، الذين ضربوا أروع صور التحكم في النفس والالتزام بالخط النضالي السلمي رغم مغريات العصبية القبلية والسلاح الذي يعتبر زينة الرجال هناك، واستفزازات جنود صالح الذين لم يألوا جهدا في جر الثورة إلى مستنقع الحرب الأهلية، ولعل هذا الإصرار العجيب والصمود الأسطوري على إسقاط النظام سلميا، هو ما جعل المواقف الغربية تتزحزح عن مكانها باتجاه الضغط على صالح الذي أبدع حتى الآن في فنون المراوغة.

إن نهاية نظام صالح آتية لا محالة، ولقد كان الانفجار الذي استهدفه من طرف مقربين منه وكاد يقضي فيه، الإنذار الأخير له لو كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. إن الدرس الأهم الذي لم يستوعبه الرجل ومن على شاكلته من الحكام الفاسدين الجاثمين بكلكلهم على الصدور، هو أن صفحتهم المظلمة قد طويت إلى الأبد، وأن سنة الله، التي لا تحابي أحدا، قد دارت عليهم دورتها الكاملة، وأن الحل الأمثل والأنجع لورطتهم هو أن يبادروا بإصلاحات جذرية وحقيقية تعيد السلطة للأمة والقرار للشعوب، وكل محاولة للالتفاف أو الروغان فهي مضيعة للوقت وتأجيل ليوم الرحيل الذي كلما تأخر عن موعده الطبيعي كلما كان شديدا على صاحبه.