عبثا يحاول المخزن الحاكم في المغرب أن يُخضع المعارضين لسياساته ويجرهم إلى المربع الذي يتحكم فيه ويصنع كل مشاهده.

كانت جماعة العدل والإحسان منذ أزيد من أربعة عقود مع مقدمة الممانعين إزاء توجهات النظام المغربي، وقد كلفها موقفها ذاك الكثير من العناء، حصارا على أنشطتها وتضييقا على أعضائها في التحرك وفي أرزاقهم وحريتهم.. لكنها ظلت ثابتة على مواقفها دون كلل أو قنوط، لأنها كانت متيقنة بأن الله سيهيئ أسباب وشروط تحول جذري في إدراك الشعب المغربي، ويبتعث منه طليعة ناضجة وواعية بواقعها قادرة على تحمل عبء مناهضة الاستبداد.

ومنذ 20 فبراير الماضي انخرط قسم كبير من الشعب المغربي في سلك هذه المجابهة من خلال الحركة الشبابية لـ 20 فبراير، رافعا شعار إسقاط الفساد والاستبداد، ليضفي على المشهد السياسي والاجتماعي بالمغرب الطابع الشعبي المناهض لإملاءات المخزن.

ومن العناوين البارزة لهذه الممانعة في نسختها الشعبية، الإصرار على المطالبة الراسخة المسؤولة بإسقاط كل مظاهر الفساد والاستبداد، والتطلع إلى مرحلة جديدة بالمغرب تقطع مع عهد الوصاية على اختيار وطموح الشعب المغربي.

المخزن من جهته واجه هذه الممانعة الشعبية بتجاهل تام لمطالب الجماهير المشروعة، وقابل تحركهم بكثير من الازدراء والاستخفاف. تبين ذلك من خلال الخطابات الرسمية، ومن خلال الاستفتاء المغشوش والعاري من كل مصداقية على مشروع الدستور يوم فاتح يوليوز 2011.

المخزن لم يستجب لمطالب الحراك الشعبي المشهود منذ ثمانية أشهر في أبسط مستوياتها، من قبيل القطع مع الممارسات البوليسية في التعامل مع الرأي المعارض، والحد من الاعتقالات التعسفية في حق نشطاء 20 فبراير وغيرهم، والإفراج عن معتقلي الرأي، ووقف إهدار المال العام، وإبعاد الوجوه سيئة السمعة عن إدارة المؤسسات العمومية…

إزاء هذا التعنت المخزني كان من الطبيعي أن يستمر نزول الناس إلى الشارع العمومي إصرارا على المطالب الشعبية وتحصنا ضد أية محاولة للالتفاف عليها، وفي مقدمتها نجاح حركة 20 فبراير في إيقاظ وعي المغاربة بواقعهم وحقوقهم، وتكريس الخيار السلمي في مطالباتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأساسا تحويل الشارع العام على امتداد الوطن إلى منصة قائمة ومنتصبة ودائمة يمارس فيه الشعب المغربي حقه في التعبير عن الرأي والصدع بالحق في وجه الحاكمين.

كما كان من الطبيعي أن تتمخض عن الهبة الشعبية مقاطعة لكل مُخرجات النظام الحاكم طالما أنها لا ترقى إلى مطالب وطموح الشعب، ومن ضمنها الدستور الممنوح والدعوة للانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم 25 نونبر الجاري.

سلوك المقاطعة الذي عبرت عنه مكونات وشباب 20 فبراير لا يمكن أن يوصف بالسلبي أو العدمي كما يحلو للبعض نعته، بل هو سلوك إيجابي يعبر عن دينامية ناتجة عن وعي وإدراك لدى المواطن طالما سعى الغيورون من أبناء المغرب في سبيل إنباته وتنميته وترسيخه في الثقافة الشعبية للمغاربة.

أما السلبية والعدمية فتمثلهما ثقافة الرعية وثقافة التبعية التي يجتهد المخزن في تكريسها لدى الشعب، والتي تستقبل قرارات وسياسات السلطة بدون إعمال للعقل أو لآلية النقد.. وتجد تعبيراتها في الاستجابة الفورية لتوجهات الحكام وفي الدعاية الممجوجة لها وإظهار محاسنها وايجابياتها بعيدا عن أي دراسة أو تحليل لخلفياتها ولأبعادها وتبعاتها.

مقاطعة الانتخابات اليوم تجاوزت الأسلوب التقليدي المتمثل في إصدار الأحزاب والمنظمات والجمعيات بيانات تعبر من خلالها عن نيتها في المقاطعة وتعبئ منتسبيها وعموم المواطنين لذلك، المقاطعة انتقلت من الإطار الحزبي إلى الفضاء الشعبي الواسع المفتوح، فأضحت مقاطعة شعبية بامتياز.

فإذا كانت مقاطعة الانتخابات أو الاستفتاءات تسجل نسبا معتبرة ومحرجة للنظام الحاكم في ظل الأسلوب التقليدي النخبوي الحزبي، فإن مقاطعة انتخابات 25 نونبر في إطارها الشعبي ستشكل أكبر فضح للانتخابات المهزلة التي يتحكم النظام في كل تفاصيلها، بدء من التقطيع الانتخابي وانتهاء بفرز الأصوات.

لقد شهد المغاربة قاطبة تواؤما يعقد بين الممانعة والمقاطعة النخبويتين الحزبيتين وبين نظيرتيهما الشعبيتين، فكان هذا الزخم وهذا البذل والعطاء لحركة 20 فبراير الذي لم ينضب طوال ثمانية أشهر، بل كانت في كل محطة تبدع في أشكالها وتجدد أفكارها وبرامجها وما وهنت وما ضعفت، لأنها قرأت تجربة الشعوب الثائرة في المنطقة وأدركت سر نجاحها واستمرارها الذي تمثل في الحفاظ على وحدة الشعب ووحدة المطلب.

الآن وبعد هذا الوئام، سنشهد وسيشهد العالم ميلادا حقيقيا وفعليا لقضية المغرب وقضية المغاربة، قضية تصنع على أعين الشعب وبسواعد أبنائه وبناته في الساحات والمنتديات العمومية، بعيدا عن الطبخات التي تعود المخزن أن يهيئها في دهاليزه المظلمة والمعتمة، ليروج ويسوق لها إعلامه في الداخل والخارج على أنها تمثل قضية المغاربة.