يوم 9 أكتوبر 2011 صدر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان -في دورة استثنائية- بيان 1 تناول أهم القضايا الوطنية والإقليمية الراهنة، ولعل أبرزها ما تداولته مجموعة من الصحف بالتحليل نداء الجماعة بمقاطعة الانتخابات المزمع تنظيمها بتاريخ 25 نونبر 2011.

نداء لكل مواطن مغربي ضحية للعبة سياسية هزلية في مشهد سياسي لزج، أبطاله أحزاب ضعيفة تبحث عن تحالفات قبلية من أجل هدفين مركزيين:

• تأسيس تكتل بعدي قوي كيفما كان طيفه الإيديولوجي أو لونه السياسي، قادر على احتواء واقع الأزمة المغربية.

• عدم تكرار سيناريو المقاطعة كما حدث خلال “الانتخابات البرلمانية” 2007 و”الانتخابات الجماعية” 2009، التي كشفت أن أكبر الأحزاب المغربية هو حزب المقاطعين.

هذا النداء الصريح الواضح من طرف الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في 9 أكتوبر2011، يهدف إلى إيصال رسائل إلى كل من يهمه الأمر:

الرسالة الأولى: المغرب والربيع العربي

المغرب لا يشكل استثناء من باقي الدول العربية التي تعرف ساحاتها العامة تجمعات شبابية تعبر عن موقفها من الفساد والاستبداد، وهو ما يخشاه المخزن ويعمل على تلافيه من خلال ما يروج له من دعاية انخراط فعال في مسلسل الإصلاحات، الذي ترى الجماعة أنه مسلسل الكذب والتزوير وتسويق الوهم.

المخزن المغربي يمارس تمويها عن طريق أبواق مأجورة ونخب مسلوبة الإرادة، ومؤسسات أجنبية تمنحه تزكية ومباركة بأن الإصلاح في المغرب يتجه في المنحى الصحيح!!

لكن حركة 20 فبراير والهيئات الداعمة لها- من بينها جماعة العدل والإحسان- ترفض هذه الإصلاحات الشكلية البعيدة عن عمق مطالبها المعلنة في ساحات المدن المغربية، ولعل أهمها رفض نتائج الاستفتاء المزور حول الدستور الممنوح المعدل).

فكل المكونات الوطنية التي انخرطت في دعم هذه الحركة الشبابية للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وفصل السلط وبناء دولة ديمقراطية، دولة الحق والقانون… لها مطالب عادلة ومشروعة انضمت لدعمها بأشكال نضالية موازية حركات احتجاجية متنوعة ومتواصلة تؤكد حجم الضرر الذي لحق بالمغاربة من جراء الاستبداد والفساد.

إنما الاستثناء المخزني الحقيقي يتجلى في طريقة تعامله مع ملف مطالب حركة 20 فبراير الذي مر من مراحل سماتها المناورة والتمويه، بدء بمحاولة إجهاض الحركة في مرحلتها الجنينية، ولما استعصى ذلك لجأ المخزن إلى لغة القمع المباشر باستعمال العصا الغليظة، أسلوب استنكرته منظمات حقوقية دولية ووطنية، واستفسرت عن جدواه عديد من السفارات الأجنبية، مما اضطر المخزن إلى أسلوب القمع بالوكالة، وذلك باستعمال “البلطجية” وحرب الإشاعات الكاذبة لإبعاد القاعدة الشعبية عن شباب حركة 20 فبراير وتخويفه من جماعة العدل والإحسان، تارة باستعمال الخطاب الديني الذي يعتمد على “الفقه المنحبس”، وتارة باستعمال الخطاب السياسي الذي يعتمد على الاستئصال والوصاية.

إلا أن فشل جميع هذه الأساليب لتطويع حركة 20 فبراير والهيئات الداعمة لها، جعل المخزن يلجأ أخيرا إلى أسلوب الاستنطاق في مخافر الشرطة عن دوافع المقاطعة. فالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة أو مقاطعتها جواب مفصلي عن مدى نجاعة الأسلوب الذي يُعَالج به الحراك السياسي في المغرب.

ولعل أسباب هذا الأسلوب الجديد له أسباب يعلمها المخزن أكثر من غيره، إلا أن لعنة العزوف تطارده قبل زمن الحراك، فما عساه يكون في زمن الحراك! خاصة وأن مؤشرات ترتيب الدول عالميا التي تعتمد مجال الحريات وحقوق الإنسان والتعليم والصحة… تصنف المغرب في مراتب متأخرة، آخرها تقرير التنمية البشرية لعام 2011 الذي صنف المغرب في المرتبة 130 من بين 181 دولة، فيما كان قد احتل الرتبة 114 عام 2010.

وجاء المغرب في تقرير هذا العام في المرتبة 15 عربيا من بين 20 دولة عربية مصنفة، مسبوقا بالجزائر ومصر وفلسطين وسوريا. بينما تصدرت التصنيف العربي الإمارات العربية المتحدة متبوعة بقطر والبحرين والسعودية والكويت وليبيا ولبنان وتونس والأردن. ولم يتفوق المغرب سوى على دول مثل السودان واليمن وموريتانيا ودجيبوتي…

وتم تصنيف المغرب حسب نفس التقرير، الذي يصدره مكتب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، ضمن الدول العشر التي سجلت أدنى نسبة من أوجه الحرمان البيئي في الفقر المتعدد الأبعاد. وكشف التقرير أن نسبة الحرمان بالمغرب بلغت 45 في المائة. والسكان المعرضون لخطر الفقر 12.3 في المائة، والسكان الذين يعيشون في فقر مدقع 3.3 في المائة.

وهذا ما جعل حكومتنا الموقرة تطعن في هذا التقرير بدعوى أن التقرير لم يعتمد المعايير العلمية، وخشية إعطاء مصداقية لمطالب الحركة الشبابية المغربية.

الرسالة الثانية: الوجه الحقيقي لأحزابنا المسكينة

أحزابنا المغربية رغم تعددها وتحالفاتها أصبحت عاجزة عن تأطير قاعدة شعبية استوعبت قواعد اللعبة السياسية في المغرب، التي تعتمد أسلوب الديماغوجية والاستقطاب على قاعدة المصالح الآنية، كما أنها بتركيبتها الحالية أصيبت بالشيخوخة السياسية مما اضطرها إلى اللجوء لأسلوب التحالفات القبلية والتي لا تستند على أية مرجعية فكرية، اللهم القصد المصلحي الآني: ثمانية من أجل الديمقراطية وخماسية من أجل…!!

وظائف أحزابنا محددة وموجهة. بوصلتها لا تستطيع التوجه إلى قطب مخالف لإرادة المخزن، وبرامجها السياسية لا تتجاوز أجندة مملاة من طرف دوائر عليا.

الرسالة الثالثة: نداء الإخاء

منذ ما يزيد عن 37 سنة، عام 1974، بعث الأستاذ عبد السلام ياسين برسالة مفتوحة للملك الحسن الثاني رحمه الله “الإسلام أو الطوفان”، نصح فيها الأستاذ عبد السلام ياسين الملك الراحل بكل صدق ومحبة لآل البيت، بضرورة مراجعة أساليب الحكم. كما وجه نداء، للنخب السياسية والثقافية والعلماء… بضرورة تحمل المسؤولية لبناء مغرب الديمقراطية والحرية والكرامة. لكن ذاك النداء لم يلق استجابة.

وها هم أبناء الجماعة وخريجو مدرسة العدل والإحسان يجددون اليوم نفس النداء للنخبة المغربية، الدعوية والسياسية والعلمية والفكرية والجمعوية والاقتصادية والرياضية والفنية، داخل المغرب وخارجه إلى الانضمام إلى حركة الشعب المقهور، وتحمل مسؤوليتها التاريخية في عدم الترويج لكذبة التغيير من داخل مؤسسات الوهم، لأن المغاربة قد فهموا جميعا هذه الأكاذيب، وقد منحت المحنة شعبنا وعي النخبة، فعلى النخبة ألا تضخم بصمتها أو تواطئها قطيع المفسدين والمغفلين.)


[1] انظر البيان على موقع: https://www.aljamaa.net/ar/document/48929.shtml \