الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.

أما بعد:

يقول أبو الدرداء: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه).

ويقول خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن في الخصب ويهزل في الجذب، فخصبه العمل الصالح وجذبه الذنوب).

والإيمان درجات كثيرة، منها درجات عند قوته ودرجات عند ضعفه. ولابد لكل عبد أن يعرف العلامات التي تنبئه عن درجة إيمانه وما هي الطرق التي يقوى الإيمان عند سلوكها.

والإيمان يزيد وينقص عندما يوضع الاختبار، ويمتحن عند مواقف ستة.

عند الشبهات

لم يترك الشيطان شبهة يمكن أن تنال من إيمان المومن إلا وأظهرها وأوحي إلى أوليائه من الإنس أن يبسطوها ويشرحوها ويدعموها بما يرونه أدلة لها. وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الشبهات. فعن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الحلال بين وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه…” وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس” والشبهات موقف اختبار للإيمان. فمن أنكرها ودفعها بالأدلة التي تدحضها قوي إيمانه ورسخ. ومن أشربها ومال إليها وظن بأنها على صواب وحق، عصفت بإيمانه فضعف وانحدر.

عند الشهوات

إن إتيان المعاصي ينسي مراقبة الله عز وجل ويضعف ذكر الآخرة فيضعف تبعا لذلك الإيمان ببقية الأركان. ولهذا كانت الشهوات امتحانا للإيمان. فمن تركها وقاوم نوازعها في نفسه ومغرياتها من حوله قوي إيمانه وازداد. ومن انحرف مع تيارها وسار وراء لذاتها ذهب إيمانه. ولهذا ورد في الحديث: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مومن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مومن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مومن” ويقول الحق سبحانه: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. فالبدء في ارتكاب المعاصي يذهب الإيمان حال ارتكابها، فإذا تواصل ارتكابها ذهب الإيمان بالكلية. وهذا يعمق الفهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان”. فما دام في القلب حياء من الله فتلك علامة وجود الإيمان فيه، ومن لا يستحيي من الله عز وجل ليس في قلبه إيمان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.

عند الطاعات

وهذا ثالث موقف من المواقف التي يمتحن فيها الإيمان. فإن الحرص على الطاعات يقرب من الله عز وجل ويشحذ معاني الإيمان في القلب ويجعل العبد على ذكر مستمر لها، وطاعة الله عز وجل توجب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم وقال سبحانه: فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما.

وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم سباقين إلى كل أمر من أوامر الله، مسارعين إلى امتثاله والعمل بما جاء فيه. فزادهم ذلك إيمانا مع إيمانهم لأن الإيمان يزيد بالطاعات.

عند الابتلاءات

قال تعالى: ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يبتلى المرء على قدر دينه فإن وجد في دينه صلابة زيد له في البلاء” والصبر علامة على الإيمان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المومن إن أمره كله خير إن أصابته نعماء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له”. وقد ذكر القرآن الكريم أمثلة عديدة للمحن التي عرضت لأهل الإيمان عامة وللرسل خاصة وكيف أن صبرهم عليها قد أورثهم رسوخا في الإيمان. قال تعالى عن سحرة فرعون بعد أن هددهم فرعون بالقتل والصلب: قالوا لن نوثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. وفي القرآن قصة أصحاب الأخدود مع المومنين الذين ثبتوا بإيمانهم على الحرق بالنار، قال تعالى: وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحميد.

والابتلاءات التي تمتحن المومن في إيمانه إما أن تكون مقدورا من مقدورات الله في نفسه أو ماله أو أهله وإما أن تكون أذى من العذاب كضرب أو حبس أو نفي أو قتل.

عند المنكرات

والمنكرات تختبر إيمان المومن لأنها تدعوه إلى اتخاذ موقف منها، فإن هو أنكرها زاد إنكاره لها في إيمانه، وإن هو رضيها نالت من إيمانه وأفسدته عليه. قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله فذكر الإيمان بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال سبحانه والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وقال صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” وإذا كان تغيير القلب للمنكر أضعف الإيمان فليس مع رضى القلب بالمنكر إيمان. فعلى المومن أن ينكر بقلبه كل منكر وما استطاع تغييره فليغيره.

عند الولاءات

الإيمان يمتحن عند الولاءات امتحانا شديدا. فإذا قدم العبد أخوة العقيدة على أخوة النسب وأحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله زاد إيمانه واستكمل.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” فعلى المومن إذن أن يعطي ولاءه لله ولرسوله وللمومنين.

والولاية الإيمانية درجات: أولها ولاية الله للمومنين: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وثانيها ولاية الرسل والمومنين النبي أولى من المومنين من أنفسهم يتولى الرسل المومنين بالتربية والإرشاد ويتولى المومنون رسلهم بالاستجابة والنصرة والإيواء. وثالثها ولاية المومنين للمومنين المومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بصيغة العموم، ورابعها الولاية بين أولي الأرحام من المومنين وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المومنين والمهاجرين.

وإذا كان مقياس العبد غير هذا، بهتت معاني الإيمان في قلبه وأحاطت به موازين الأرض وصار من المتربصين الذين قال فيهم الحق سبحانه قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره.

فهذه مواقف ستة تعرض لكل مومن بصفة متكررة فموقفه منها هو الذي يزيد في إيمانه أو ينقص منه، وكما أنها تمتحن الإيمان فإنها تخبر عن درجته، فلينظر كل مومن إلى نفسه عند كل واحد من هذه المواقف الستة وليحرص أن يكون موقفه موقفا يزيد إيمانه متانة ورسوخا.

نسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ ويقوي إيماننا وأن يزينه في قلوبنا ويحببه إلينا ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وأن يجعلنا من الراشدين آمين.