أصدرت اللجنة السياسية للتتبع التابعة لـلمجلس القطري للدائرة السياسية، والمنبثقة عن دورة أكتوبر 2011 الاستثنائية، وثيقة عرضت فيها الأسباب الدستورية والسياسية والقانونية) التي دعت جماعة العدل والإحسان لمقاطعة الانتخابات وللدعوة إلى مقاطعتها.

جاءت هذه الوثيقة تطبيقا لتوصية المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، الذي انعقد بتاريخ 9 أكتوبر 2011)، في خضم ما سمته: سوق بيع الوهم وشرائه، الذي ازداد صخبه هذه الأيام، نتحمل مسؤوليتنا كاملة، ونؤكد دعوتنا لمقاطعة الانتخابات. نؤكد ذلك، ولا نكتفي بالموقف العام، وإنما نتطرق بقدر من التفصيل إلى الأسباب الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية).

تفصيل في 45 نقطة تبرر قرار المقاطعة التي كان الدافع وراءها كما يؤكد الدكتور محمد منار، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية ومنسق مكتب الدراسات السياسية والقانونية، في تصريح خص به موقع aljamaa.net تفنيد ما يذهب إليه البعض من اتهامنا بالاستناد إلى مواقف مبدئية عامة لا تأخذ بعين الاعتبار المستجدات الدستورية والسياسية والقانونية التي عرفها المغرب، وكي نؤكد أننا لا نحرص على الرفض من أجل الرفض، ولا نستند إلى مواقف شعبوية، بل نؤسس مواقفنا على دراسات متعددة الزوايا ومختلفة الجوانب انطلاقا من تصورنا وقراءتنا الدقيقة للمرحلة).

وقد عرضت الوثيقة دوافع المقاطعة في إطارين، الإطار الدستوري والسياسي والإطار القانوني والتنظيمي.

ففي المجال الدستوري أبرزت الوثيقة بعض صور هيمنة المؤسسة الملكية على المجال التشريعي والديني والعسكري والأمني والقضائي والدستوري، وتساءلت، بعد عرض الصلاحيات الواسعة للملك، هل يبقى للانتخابات من معنى؟ وهل تشكل الانتخابات فعلا آلية للتداول على السلطة؟ أم إن هذه البهرجة الانتخابية لا تأثير لها في واقع الأمر على جوهر القرار السياسي، ليكون من أهم وظائفها تكريس الحكم الفردي وتلميع صورته ليس إلا).

أما على المستوى السياسي فعرضت الوثيقة الاختلالات السياسية الكبرى التي تطرح على الانتخابات المقبلة أكثر من سؤال، منها سؤال الجدوى من تنظيم انتخابات في مناخ استبدادي)، والإقصاء الممنهج للجزء الأكبر من الشعب، ولقواه السياسية الحية، من خلال الإصرار على إجراء انتخابات شكلية لا تستجيب لأدنى معايير الديمقراطية)، وفي جو يكرس الشك والريبة وفقدان الثقة)، واستمرار الأساليب المخزنية القديمة من قتل وتضييق على الأرزاق وقمع للاحتجاجات السلمية)، واستمرار كبت حرية الصحافة ومحاكمة الصحفيين واعتقاله)، واستعمال ورقة الانتخابات كملهاة ووسيلة للالتفاف على الاحتجاجات الشعبية الداعية إلى إسقاط الاستبداد والفساد)، وتسخير الإعلام الرسمي واستعمال الإعلام المشبوه للتسويق للرأي الواحد وتسفيه الرأي المخالف)، والهيمنة الكلية لوزارة الداخلية، التابعة مباشرة للقصر على إعداد كافة مشاريع القوانين والمراسيم والقرارات المتعلقة بالانتخابات).

أما فيما يتعلق بالإطار القانوني والتنظيمي فانتقدت فيه الوثيقة كونه، من الناحية الشكلية، آلية للضبط القبْلي ووسيلة للحفاظ على التوازنات القائمة التي تخدم في نهاية المطاف الحكم الفردي، خاصة حين يتعلق الأمر بالانتخابات)، كما نبهت إلى التسرع والارتباك في تحديد موعد الانتخابات كان له أثر كبير على صياغة القوانين الانتخابية)، والصياغة العامة والفضفاضة لعدد من النصوص القانونية مما يفتح الباب على مصراعيه لكل تأويل فاسد)، وخضوع المجلس الدستوري لإكراه الزمن السياسي مما جعله يستند كثيرا إلى السلطة التقديرية للمشرع).

أما على مستوى المضامين فلاحظت الوثيقة الرفع غير المبرر لعدد النواب ليصل إلى 395 نائبا، وما سيكلفه ذلك من أموال الشعب)، وعدم مراجعة نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على أساس أكبر البقايا رغم عدم تحقيقه الأهداف المسطرة له عند إقراره سنة 2002)، والاكتفاء بمراجعة جزئية للوائح الانتخابية مما يعني استمرار الكثير من الاختلالات التي عرفتها هذه اللوائح في الانتخابات السابقة)، وتحكم وزارة الداخلية في الخريطة السياسية من خلال انفرادها بإحداث الدوائر الانتخابية بمقتضى مرسوم، بعيدا عن كل رقابة بعدية). كما انتقدت الوثيقة تهميش المغاربة المقيمين بالخارج رغم عددهم وإسهامهم الملحوظ في الاقتصاد الوطني)، والإصرار على بلقنة المشهد الحزبي من خلال الاستمرار في اعتماد نفس نمط الاقتراع السابق، ومن خلال اعتماد عتبة محلية متدنية (6%) والتراجع من عتبة 6% إلى 3% بالنسبة للائحة الوطنية)، وغياب الانسجام المجالي، أي الدمج بين المجال الحضري والقروي في العديد من الدوائر الانتخابية، وذلك بهدف التقليص من إمكانية فوز بعض الأحزاب السياسية من جهة، ولتجنب تسجيل نسب مشاركة ضعيفة في المجال الحضري من جهة أخرى)، والتفاوت الديمغرافي الكبير بين الدوائر الانتخابية)، وجعل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، رغم عدم توفر شرطي الاستقلالية والحياد فيه، هو المتحكم في الملاحظة الوطنية والدولية للانتخابات).

لا شك أنه سيكون لهذه الوثيقة تأثير على التفاعلات السياسية التي يعيشها المشهد السياسي الرسمي والحزبي والشعبي تفاعلا مع انتخابات 25 نونير 2011، وستكون أرضية للكثير من النقاشات والتجاذبات بسبب الوزن السياسي والشعبي الذي تمثله جماعة العدل والإحسان خاصة مع الحراك الشعبي الذي تقوده حركة 20 فبراير، وفي هذا الإطار يقول الدكتور منار: الملاحظ أنه مباشرة بعد صدور الوثيقة تلقفتها وسائل الإعلام المختلفة والمواقع الاجتماعية، وسيكون لها دور في تحريك النقاشات المواكبة لانتخابات 25 نونبر، خاصة أننا انتقلنا من موقف المقاطعة إلى الدعوة إلى المقاطعة. وطبيعي أن تجد هذه الوثيقة من يتفق معها ومن لا يتفق، ولكن المهم عندنا أن نعبر عن رأينا في المقاطعة انطلاقا من زاوية نظرنا ومن تصورنا.)